ملحوظة: سلسلة POV هي سلسلة مقالات لعدة محررين في ديلولو تتناول صورة الشريرعلى الشاشة من منظور مختلف
لم يكن أسفلت ساحة التحرير في بغداد في خريف 2019 مجرد ساحة اضطراب سياسي؛ بل كان بمثابة لوحة لنوع جديد من الانفجار الديني. وسط أعمدة الغاز المسيل للدموع وصوت قنابلها. بدأ شبح إلكتروني في دعم الأحداث بسلوك غريب، أحمد شوقي مصمم عراقي شاب أطلق سلسلة من الصور المعدلة لنسخة خواكين فينيكس من الجوكر تظهر في الشوارع مشاركة في حركة تشرين الاحتجاجية الملطخة بالدماء. لم يكن هذا الأمر مجرد هوس سينمائي عادي، بل حمل في طياته إشارة بصرية هامة إلى أن العقد الاجتماعي في دول ما بعد الاستعمار التي بدأت تحولها النيوليبرالي لم يتمزق فحسب، بل تحول إلى هلوسات تفترس أصحابها.
في أروقة السلطة، كان الرد محسوبًا. استخدمت وسائل الإعلام العراقية الرسمية ووسائل الإعلام المرتبطة بالميليشيات مصطلح “الجوكرية” لتحويل المظالم المشروعة إلى سردية التخريب المدعوم من الخارج المعتادة. لو لم تستوعب ما الذي قالوه، أعيد صياغته لك. الدولة العراقية رأت في الجوكر عميلًا أجنبيًا، وتهديدًا وجوديًا جنونيًا من الأطفال العابثين غير العالمين بالمصلحة والمنطق لنظام المحاصصة الطائفي الحاكم للعراق وقتها بصفته تمثيلًا للدولة العاقلة.
ما الذي قدمه وجه الجوكر للمقهورين؟ قدم لهم كرامة الصدق التي ترعب السلطة. بارتداء الأقنعة الشبيهة لم يكن شباب بغداد وبيروت في وقت هذا الحراك حزمة من الحمقى والمهاويس، كانوا في الحقيقة يعكسون الجنون الذي تحمله الأنظمة الطائفية التي تطالب باحترام النظام في ذات الوقت الذي يحجبون فيه العدالة.
يجد العديد من المحتجين في لبنان وهونغ كونغ والعراق وإسبانيا وتشيلي أن الجوكر رمز لنضالهم ضد الحكومة أو كما يصف رسام الغرافيتي اللبناني محمد “الجوكر هو نحن، وبيروت هي مدينة جوثام الجديدة”.
لعل هذا يذكرك بأن الواقع قد يسبق الخيال أحيانًأ، فشركة DC في الثمانينيات ومن باب الاستجابة للعداوة الأمريكية للثورة الإيرانية الوليدة قامت بإعطاء الجوكر منصبًا شرفيًا يكون فيه سفيرًا لإيران -الشريرة- وألبسوه -الحمقى- زيًا خليجيًا مشرقيًا لأنهم لا يفرقون بين الثقافة الإيرانية والخليجية -فكل الشرقيين ينتمون لنفس الثقافة.
أرادت أمريكا، مثلما أرادت السلطات العراقية. أن تشوه الجمهورية الإسلامية الوليدة بشخصية الجوكر، ولعلنا اليوم بتذكر هذه الواقعة، وفي خضم متابعتنا لحرب الاستكبار الأمريكي على إيران نستوعب أي شرف حازه الجوكر في كونه لم يترك عدوًا للحكومة الأمريكية وترك التحالف معه. بالتأكيد الجوكر هو الخير وأمريكا هي الشر.
طبعًا أنا أعرف الواقعة الشبيهة التي جالت بخاطرك الآن أيها الشقي وتريدني أن أذكرها، واقعة “باتمان حلوان” المحلية، لكن أنا اليوم اخترت الحديث عن الجوكر .. اهدى شوية من فضلك!
عندما يكون التعقل رفاهية
يعتمد الفهم الكلاسيكي لفلسفة شخصية الجوكر ونشأته على فرضية “يوم واحد سيئ” -وهي فكرة أن صدمة مشاعرية ضخمة واحدة قد تدفع أي فرد إلى هاوية العدمية. هذا الإطار، وعلى الرغم من جاذبيته السردية، يخفي حقيقة أكثر إزعاجًا. الجوكر الحديث -بخلاف الكلاسيكي- الذي قدمه جسده خواكين فينيكس، يدفع هنا بأن العقلانية ليست خيارًأ أخلاقيًا أو فضيلة بأي حال، بل هي “رفاهية” ممنوحة فقط لأولئك الذين لا يزال العقد الاجتماعي يحميهم. عندما تسحب الدولة يدها -بإغلاق العيادات النفسية وتدمير شبكات الأمان الاجتماعي والتخلي عن الطبقة الهشة لصالح السوق- فهي تسحب من الناس تراخيص أن يظلوا عاقلين ومؤدبين.
يعاني آرثر فليك من التأثير الكاذب الزائف PseudoBulbar Affect (PBA) مما يتسبب في ضحكة مرضية تمزق حلقه في لحظات التوتر الحاد، تجسد هذه الضحكة كيف تتحطم روحه يوميًا ويقتله التوتر. ليس في هذه الضحكة أي شكل من الكوميديا، بل هي احتجاج فسيولوجي يقوم به جسده ضد عبثية الحفاظ على العقلانية في عالم يعامل البشر كأنهم قمامة يمكن التخلص منها. فليك هنا ليس الشرير في الرواية على الإطلاق كما تم تقديم الجوكر في أعمال عديدة، بل هو استجابة بشرية حتمية لتناقضات الإهمال النيوليبرالي الذي تجسده مدينة جوثام ونخبتها الفاسدة، وعلى رأسهم الطبيب المدلل توماس وين -والد الشاب الذي سيكون في المستقبل باتمان. ضحكة آرثر هي الصوت الصادق الوحيد في مسرح الفضائل المصطنعة، صرخة بيولوجية بأن النظام لم يعد يعمل لصالح الناس الذين يدعي أنه يحكمهم بكفاءة.
قاوم فليك الفوضى وقاومها، لكننا معه في نهاية الفيلم تحمسنا لأن يحتضنها أخيرًا لأننا رأينا بأم أعيننا أن الفوضى هي الاستجابة العقلانية الوحيدة لهذه البيئة المجنونة. إذا توقفت الدولة عن أداء واجبها الأساسي -الحفاظ على حياة وكرامة الشخص- يتم إعفاء الشخص من التزامه تجاه النظام الأخلاقي للدولة. لذا فإن عدمية الجوكر هي شكل من أشكال الصدق الجذري، والرفض لأداء دور المواطن الصالح في فيلم هزلي محروق.
ظهور البطل: باتمان ومن يمثلهم
لفهم سبب ارتباط الجوكر بعمق أكبر مع الطبقة المهمشة العالمية في المقارنة بالبطل التقليدي، يمكننا فحص مفهوم البطل الرمزي من خلال نقد وائل حلاق للدولة الحديثة. يعرف حلاق الدولة بأنها آلة قسرية تصنع رعاياها بنفسها لضمان البقاء -بقاءها طبعًا لا بقائهم- وتجريد الذات الأخلاقية الجوانية لصالح قانون وضعي مكود براني. في هذا النموذج، لا يقوم باتمان بدور المنقذ، بل هو على الحقيقة “بطل حقوق الملكية” -الفكرة التي تدعي أمريكا أنها مكنتها من حكم العالم الحر.
يقاتل باتمان الأعراض الظاهرية لتدهور المدينة -المجرم على مستوى الشارع street-level criminal- بينما يحافظ على عدم المساواة الهيكلية التي تولدها جوثام بإيمان راسخ، يجسدها على الحقيقة باتمان ذاته حين ينزع قناعه ويرتدي بزته الأنيقة في الصباح ليباشر دوره كملياردير لعوب يمتلك شركة واين المالكة لمعظم أصول المدينة. الكود الاخلاقي لباتمان هو بدوره قناع أدائي كقناع الوطواط، قناع يسمح له بممارسة العنف باسم حفظ النظام -بالمعنيين لكلمة نظام- دون علاج الأزمة الرأسمالية التي تؤدي لنقص العدالة.
في مقابل الجوكر، الصادق الذي شوهته المدينة وأحالته وحشًا، الذي يسخر من هذه المسرحية. يستوعب الجوكر أن الفارس الأبيض -رجل العدالة المتأنق المعتد بذاته هارفي دينت- أو الأسود -باتمان- هما على الحقيقة مجرد مهرجين لحفظ النظام. هارفي دينت مثلًا بعد إغواء الجوكر، وحين ذاق شره، أدرك أن العدالة مجرد أكذوبة، وأن الحظ الذي تحمله العملة النقدية -تمثيل الفوضى في العمل- هي العدالة الحقيقية الوحيدة في نظام فاسد.
يظن الناس أن نيتشة قدم مفهوم السوبرمان الذي تقدمه ذات الشركة المنتجة لباتمان DC -التي للمفارقة سميت على اسم قصص باتمان المصورة- في حين أنه على الأرجح إن شاهد نيتشة هذه الشخصيات ففي الغالب سيختار الجوكر كسوبرمان العدمية الفائق الذي يرفض أخلاق العبودية.
وفي الوقت الذي سيختار نيتشة الجوكر ليكون سوبرمان الخاص بيه، يراه وائل حلاق كرد فعل طبيعي على الدولة المستحيلة -الدولة التي هي بنية سياسية أزاحت الجوهر الأخلاقي للبشرية من أجل السيطرة الميكانيكية. رفض الجوكر قتل باتمان غير مرة، ولم يعن هذا أي شكل من أشكال المودة لهذا المسخ المريض نفسيًا، بل لأنه أدرك أنهما في صراع تكافلي: الوحش الضروري الذي تحتاجه المدينة -كما يصف الجوكر نفسه في ثلاثية باتمان التي قدمها كريستوفر نولان- في مقابل البطل الرمزي. كلا الرجلين يمثل ذات الأزمة، عقد اجتماعي ينهار لكيان اسمه الدولة-الأمة Nation-state يتداعى.
قتل المؤلف من أجل رقصة
تحول الجوكر من مجرم محلي في جوثام إلى رمز للتابعين في كل الجنوب العالمي. تم هذا التحول من خلال عملية تصاعد نمطي. ففي عصر الرقمنة ودورات الأخبار على مدار الساعة، يعمل فعل العنف الفردي عملًا أدبيًا يقتل كل مؤلفي شخصية الجوكر في قصص باتمان المصورة، يقتل ثوار العالم المؤلفين لينتجوا جوكرهم الخاص، يقتلونهم بسبب ما يشاهدونه يوميًا في وسائل الإعلام.
في فيلم تود فيليبس شاهد آرثر فليك الإعلامي موراي فرانكلين الذي جسده العالمي روبرت دي نيرو وهو يسخر من معاناته؛ فقام بقتله. قتل فليك لفرانكلين لم يكن مجرد جريمة؛ بل كان الظهور التلفزيوني الأول للمقهورين، الذين تراهم جوثام مجرد معاقين اجتماعيين. جسد هذا القتل ذروة الفيلم، حين قام رجل كان يلعب دور القمامة في أول الفيلم دور البطل على الشاشة وخلق قصته بنفسه.
يبدأ مشهد صدمة آرثر وهو في غرفة انتظار للمستشفى يشاهد برنامجه المفضل الخاص بموراي. يرى فليك نفسه على الشاشة في البداية ويكون في غاية السعادة. يعرض موراي مقطعًا من عرض آرثر الكوميدي ليسلي المشاهدين بمقطع يفترض أنه “فشل كوميدي”. يضحك موراي والجمهور، وتتحول ابتسامة آرثر تدريجيًا إلى عبوس، وتتحطم أحلامه. بالنسبة لآرثر، كانت هذه هي لحظة قتل فرانكلين، حين انهار كل ما آمن آرثر -المواطن المقهور المحب للإعلام- به في مثله الأعلى وشخصية الأب التي تمناها في موراي -الإعلام الحكومي الذي يحكي قصة التابعين كما يريد لا كما ينبغي.
هنا، وهنا فقط، تحول آرثر إلى الجوكر. يدعوه موراي إلى العرض ليسخر منه على الهواء. ولأول مرة، نرى الجوكر يتجسد على الشاشة، لا يظهر؛ بل يتكون أمام الجمهور من ضغط موراي عليه بعد اكتشاف أنه هو من قتل رجال بورصة وول ستريت المتنمرين في عربة المترو.
في احتجاجات بيروت في 2019 قالت سينيثيا أبو جود لجريدة CNN أنها ارتدت قناع الجوكر لأنها ببساطة شعرت أنه الفعل الصحيح، وهو الشيء الوحيد الذي فكرت في أنها تستطيع فعله لإرسال رسالة مفادها أن المحتجين في لبنان متألمون ومحبطون كما شعر الجوكر. الحياة تعلمك أن تكذب وتغض وسينيثيا لا تريد أن تحيا هذه الحياة.
يتناغم هذا الفعل مع ما وصفه نيتشه بأنه “العدمية المرضية” -ردة الفعل باستياء والتي تفرغ طاقة غضبها على الأشخاص الذين تدعمهم المؤسسات. في القرن الحادي والعشرين، توسع هذا الاستياء عبر الانترنت، وأصبحت “رقصة تحقيق الذات” التي يرقصها الجوكر بعد أن انتقم لنفسه في الفيلم محور الشبكة. إشارة تجاوزت حاجز الثقافة واللغة. وسمحت للمتظاهرين في هونغ كونغ وبيروت وتشيلي بإسقاط شكاواهم الخاصة على وجه الجوكر.
حين حاولت الدولة تشويه شرعية شباب حراك تشرين بوصفهم “جوكرية” كانوا يعترفون دون قصد بأن الجوكر قد أصبح رمزًا أقوى للعفوية من رموز الدولة ذاتهم. إن الجوكر ليس جبانًا كبروس واين، يرتدي القناع لإخفاء هويته؛ بل هو يرتديها لزعزعة وتجريد آليات الإكراه للدولة.
في عالم ترميز البطولات الرمزية، تكون فوضى الجوكر هي الشيء الوحيد الذي يبدو حقيقيًا.
المزحة القاتلة
الإدراك الذي يجب أن يبقى للقارئ الكريم هو أن ضحكة الجوكر هي الصوت الصادق الوحيد في مسرح الفضائل المصطنعة. بينما نعيش في عالم حيث “النظام” هو اسم علامة تجارية لحماية الممتلكات، و”البطولة” هي زي تنكري هزلي يرتديه المستفيدون من الوضع الراهن. يظل الجوكر هو الوحش الصادق الذي يدرك أن العقد الاجتماعي هو مجرد مزحة “بايخة” لا يضحك لها إلا بعض المتزلفين الذين لا خيار لديهم إلا الضحك لها.
إن الجوكر ليس مجنونًا، بل هو صحوة لواقع دولة مستحيلة. إدانة لمشروع نيوليبرالي عالمي أثبت أنه غير قادر على حل حتى المشاكل التي صنعها بنفسه. من خلال نزع أقنعة العقلانية، يجبرنا الجوكر على الاعتراف أخيرًا بأن أنظمتنا الأخلاقية لا تستقوي إلا بقدر الأمان والامتياز الذي يحميها. وحينما يفقد الواحد منا هذا الامتياز ويصبح مهددًا أبدًا، فالشيء الوحيد المتبقي له هو أن يتحول إلى جوكر.
في مشهد النهاية من القصة المصورة المزحة القاتلة The Killing Joke يعرض المهرج باتمان على الجوكر أن يساعده على تلقي العلاج، يضحك الجوكر هنا لأن هذا الأمر يذكره بنكتة، نكتة يضحك فيها ممثلو الأنظمة على المواطنين بأنهم سيرسمون لهم شعاعًا من نور ليمشوا عليه ويعبروا إلى النجاة، يضحك المواطنون الذين يظن أمثال باتمان أنهم مجانين؛ لأن الذي يحمل مصباح النور يمكنه إطفاءه في أي لحظة لينهار الشخص الذي يحاول النجاة.
المزحة القاتلة هنا هي أن النظام يمكن الحفاظ عليه بدون عدالة. لم يكسر الجوكر ظهر باربرا جوردان -الفتاة الوطواطة- بل هي من اختارت تصديق أكاذيب واستغلال بروس واين حتى أودت بنفسها إلى الهلاك. كان الجوكر صادقًا بما يكفي ومن أول لحظة، ليضحك عندما ينهار النظام.
إن وجود الجوكر هو الوحش الضروري الذي يجعل عقيدة الصدمة في عصرنا مرئية ومسموعة ولا يمكن إنكارها. جرب النظر في مرآة الجوكر لتدرك أن مدينة ملأى بالمهرجين المقنعين الذين يدعون أنهم أبطال، تستحق بطلًا كالجوكر لا كباتمان. تستحق وحشًا لا يكذب.
إن أعجبك المقال فمن الممكن أن يعجبك:
من أرشيف الكاتب:
دون معنا:













