استمعت إلى حلقة برنامج في الحضارة عن هزيمة الثورة العرابية، وكيف شكلت مصر الحديثة. أثارت الحلقة في نفسي معنىً قديمًا كنت دائمًا ما أستشعره في سماعي لكيف رأى المصريون عرابي بعد الهزيمة مجرد زعيم فاشل يرميه شباب الحزب الوطني الملتهب بالسباب على المقهى.
في طفولتي كنت دائمًا ما أشاهد إعلانات “أفلام عربي أم الأجنبي” سرًا من وراء أهلي، وهي تقوم على حوارات بين تهامي باشا المنتج الشهواني، ووديع مساعد المخرج والسيناريست المجتهد الذي يعرض عليه دائمًا عملًا من علامات السينما العالمية، ليُفاجأ برفض تهامي باشا للفيلم لأسباب مضحكة لصالح أفلام مصرية ساذجة. لا أنسى منها الإعلان الذي رفض فيه تهامي باشا فيلم القلب الشجاع الأيقوني عن ويليام والاس قائد تحرير اسكتلندا، لصالح فيلم “قبضة الهلالي” الفاشل ليوسف منصور. اللحظة التي يعلن فيها تهامي باشا رفضه للفيلم تكون عندما يقول وديع بحماس “بقبضة والاس”.
ذكرني هذا الاسم “والاس” وقبضته بكلمة لها نفس النطق في العربية وهي كلمة “الولس” التي تحمل معنى الخديعة والخيانة، فقد شاع بين المصريين عند انكسار الثورة العرابية مثل “الولس كسر عرابي”. فالمصريون عندهم قناعة عميقة بأن ما كسر أحمد عرابي لم يكن الخديو توفيق والانجليز وبيان العصيان الكارثي الذي صكه سلطان المسلمين الذي تنكر لهم عبد الحميد الثاني، بل الولس. كثرة الخونة حوله.
يعطيك هذا المثل انطباعًا عن موقف المصريين من عرابي. المصريون تعاطفوا معه. وهو أمر تسجله ذكريات هذه الثورة من حملات المقاومة الشعبية في الاسكندرية والقصاصين وكفر الدوار وغيرها من المعارك. عرابي كان بطلًا شعبيًا بحق، ومجرد مرور قطار يحمله بمحطة من محطات المحروسة كانت كفيلة بخروج كل فئات المجتمع فرحًا واستقبالًا له. فمتى استحال عرابي في نظر المصريين مثارًا للسخرية والشتم؟ وكيف أسهمت قبضة “ولس” في كسر المصريين أنفسهم نفسيًا؟
كان العرابي قائدًا نشأ من خلفية الفلاحين يمثل أول محاولة حديثة -من أسفل لا من أعلى- لمزامنة الهوية العسكرية مع المشاعر القومية الشعبية. كان صعوده قائمًا على مطالبة بالعدالة وإزالة قوانين التمييز التي تمنع المصريين الأصليين من الصعود في الرتب العسكرية. ومع ذلك، فإن القصف البريطاني اللاحق للإسكندرية والهزيمة الحاسمة في التل الكبير حولت هذا الرمز إلى رمز للنفي الدائم والعجز البنيوي.
يتميز نموذج البطل المهزوم بكونه قائدًا يمتلك الحق الأخلاقي في الحكم لكنه يفتقر إلى قوة التنفيذ التي تحافظ عليه ضد القوى الخارجية الساحقة. يخلق هذا حالة من المحدودية في الوجدان الشعبي المصري، حيث يتم باستمرار كبح الرغبة في الفعالية لصالح ذاكرة تاريخية جمعية عند المصريين تستبطن الهزيمة الحتمية. وقد عزز تحويل حكومة صاحبة الجلالة البريطانية حكم الإعدام على عرابي إلى المنفى الدائم في جزيرة سيلان من هذه الذاكرة التاريخية. فالبطل المهزوم في الوجدان المصري ليس مسموحًا له بكرامة الاستشهاد، بل هو مكلف بالموت حيًا في المهجر وذليلًا شيخًا على المقهى.
ومع الوقت، عملت هذه الأزمة عمل الآلية النفسية الوقائية التي تلجأ إليها الجماعة المصرية، من خلال رفض القادة المهزومين والسخرية منهم يتجنب المصريون الصدمة المتكررة للتعبئة الفاشلة والانهيار النفسي للتفاؤل القاسي.
الولس لم يكسر عرابي .. فقط
لطالما طارد شبح الخضوع دراسة السلوك المصري السياسي تاريخيًا. من روايات المسافرين الأوروبيين في القرن التاسع عشر إلى النظريات الأكاديمية الرفيعة في منتصف القرن العشرين. تعددت التناولات وبقيت الصورة واحدة، الفلاح المصري الثابت والدائم الغارقة إرادته السياسية في النيل قبل آلاف السنين. في نظرية “المجتمع الهيدروليكي” ما بعد الماركسية التي تلقفها جمال حمدان في شخصية مصر، تحتاج الشعوب الساكنة على وديان الأنهار إلى إدارة نظامية معقدة للمياه، وهي بدورها تؤدي إلى خلق شكل مركزي واستبدادي من الحكم ينغرس في طبيعة الشخصية الشعبية ذاتها. بالنسبة لحمدان، ليست الدولة مجرد فاعل سياسي، بل هي الحاكم الوحيد على أهم مورد داعم للحياة “المياه”. لذا لم يكن عسيرًا على المصريين القدماء أن يؤلهوا الحاكم؛ لأنه فعلًا يهبهم الحياة ذاتها بوهبهم الماء.
جرى استخدام منطق الاستبداد الهيدروليكي أعمارًا مديدة لتبرير قوة الاستبداد على المصريين، وضعف مواجهة المصريين له. تصور هذا المنطق حكم مصر كحالة استثناء في الشرق الأوسط، تتشكل فيها بنيويًا ملامح “صفقة استبداد” يقايض فيها المواطنون حرياتهم السياسية في مقابل حقوق الحياة في التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي والسلع المدعومة. هذا المجتمع الهيدروليكي الذي يتصور وجود سلطة مركزية لإدارة الري، هو ما أنتج حالة دائمة مصرية من الانفصال السياسي political disengagement.
ومع ذلك، فإن هذه الرواية على ما يبدو للوهلة الأولى فيها من منطقية، تهمل الانفجارات الدورية للمجتمع المصري بمعدل توصف به أعتى الشعوب الثائرة -ثورة عرابي 1881 وثورة 1919 وثورة يوليو 52 وانتفاضة التحرير 2011. إن كان المصري سلبيًا بطبيعته، فكل هذه الأحداث ستصبح شذوذات غامضة. لأن المشكلة على الحقيقة ليست في غياب إرادة التغيير عند المصريين، بل في التعاطي المرضي مع آثاره. في رأينا، العامل الحقيقي المحدد لسلوك المصريين هو كونهم شعب مأزوم بالهزيمة، منذ لحظة عرابي.
تحرك الخيارات السياسية المصالح الاقتصادية والأيديولوجيات العقلانية، لكنها كذلك يتم توجيهها دائمًا من قبل يد خفية هي الدور العاطفي -الصدمات الجماعية وإدارة خيبات الأمل- بنفس الدرجة. في السياق المصري تحديدًا، يعد “الخوف من الأمل” استراتيجية بقاء عقلانية. اعتراف دائم بأننا في مشهد الخيانة النظامية المتكرر، تكون التكاليف النفسية للأمل المحبط أعلى بكثير من التكلفة النفسية للتشاؤم الوقائي الذي يصل إلى قمع أصحاب الأمل شعبيًا.
من الشخصية الوطنية إلى المجتمع العاطفي
شهد التاريخ الفكري للتحليل الاجتماع-سياسي للمصريين ثلاثة تحولات رئيسة. المرحلة الأولى، هيمن عليها نظرية الاستبداد الشرقي التي قدمها فيتفوغل وعلماء اجتماع أوائل القرن العشرين، ركزت على ثبات الطابع المصري بوصفه حتمية تاريخية، في هذه الدراسات كانت الشخصية المصرية نتاج بيئي بنيوي محدد وثابت. حاولت المرحلة الثانية، التي قادها جمال حمدان، تقديم “جيوسياسية الشخصية المصرية” الأكثر تعقيدًا، فإلى جانب الاستبداد الهيدروليكي إلا أن جمال حمدان تنبه إلى موقع مصر المركزي واستقرارها الزراعي الذين خلقا طابعًأ يسعى إلى التوازن. حمدان دافع عن الروح المصرية، ولكنه في النهاية عزز من فكرة وجود نواة مستقرة غير ثورية فيها.
أما المرحلة الثالثة المعاصرة، فقد انتقلت نحو علم الاجتماع العاطفي Affective Sociology وعلم النفس السياسي المستند إلى الصدمات Trauma-Informed Political Psychology. بدأ منظرون مثل خالد فهمي وسامية محرز في استكشاف أرشيف الجسد وأرشيف النكتة لفهم كيف بقي المصريون على قيد الحياة في هذه الدولة. تركز الدراسات الحديثة على كآبة ما بعد الربيع العربي، وكيف استبدلت آمال 2011 الكبيرة بتشاؤم عريض وساحق.
ليست الصدمة الجماعية للمصريين هنا تصنيف للأمة بأكملها، لما ينطوي عليه هذا التعميم من جوهرية غير علمية. ولكننا هنا ننظر إلى السخرية الوقائية ليست بصفتها باثولوجيا اجتماعية، ولكن بوصفها بنية تحتية هيكلية -مجموعة من السلوكيات الاجتماعية المكتسبة مثل النكات والشائعات- التي يجري استخدامها بشكل عقلاني للتعامل مع السلطة القاهرة.
واحدة من أكثر الطرق كشفًا لفهم أزمة الهزيمة المصرية هي تحليلها بالمقارنة مع النموذج الفلسطيني للصمود، كلا المجتمعين واجها هزائم كارثية في مقابل سلطة قاهرة، ومع ذلك فإن استجابتهما العاطفية متعارضة بالكلية. في السياق الفلسطيني، نادرًا ما يتم تشويه سمعة البطل المهزوم. بدلًا من ذلك، يتم تنجيد الشهادة والنظر إلى الهزيمة على أنها ظلم براني لا أزمة جوانية. القائد الفلسطيني الفاشل هو قائد قدم تضحية نبيلة، والأمل في استكمال مسيرته أبدي، والنضال مقدس بغض النظر عن النتيجة الفورية.
على النقيض، يستخدم السياق المصري النبذ كأداة. عندما يفشل قائد مصري كعرابي، تنقلب عليه الجماهير بشراسة ملحوظة. ليس ذلك لأن المصريين متقلبون، بل لأن الدولة المصرية في خيال المصريين دائمًا تقدم الحماية والدعم -بعكس الدولة الفلسطينية في خيال الفلسطينيين التي يخلقها النضال. عندما يفضل مقدم الرعاية المصري -القائد المهزوم- فهذا ليس مجرد فقدان للأراضي؛ بل هو خرق للعقد الاجتماعي المصري ذاته. ولتجنب ألم هذه الهزيمة، يستريح الجمهور لأن القائد مجرد محتال أو هاو متهور آخر.
هذا الاختلاف يشرح أن خوف المصريين من الأمل هو آلية صممتها البيئة المصرية القاسية لحماية الأنا الداخلية للأمة. من خلال إلقاء اللوم على تهور الزعيم، يحافظ الجمهور على الاعتقاد بأنهم “لو” كان لديهم قائد أفضل وأعقل، لكانوا انتصروا. وبالتالي فإنهم ليسوا مهزومين مع قائدهم. هنا فقط تتحول السخرية تجاه قائد النضال الوطني، حماية للفكرة المجردة للوطن ذاته.
ثلاث نماذج من الخذلان
مسار أحمد عرابي من البطل الفريد إلى سبب الاحتلال يوفر الدليل التاريخي الأساسي على أزمة الهزيمة. في 1881، مثل عرابي أول تحدي في تاريخ الشخصية المصرية للنخبة التركية الشركسية والهيمنة المالية الأوروبية. العقيد الفلاح تحدث بالنيابة عن الجماهير. في صيف 1882، كان الجمهور المصري في حالة ثورية من التفاؤل القاسي. أشادت الأغاني الشعبية بعرابي باعتباره صلاح الدين الحديث. لم تكن التعبئة عسكرية فحسب؛ بل كانت ولادة نفسية للهوية المصرية الحديثة. ثم جاءت الهزيمة الساحقة في التل الكبير والاحتلال البريطاني اللاحق فخلق التحول النفسي الهائل.
مباشرةً بعد الهزيمة، تغير الخطاب العام. عرابي الذي كان منقذًا تحول إلى فلاح غير كفء تم خداعه من قبل البريطانيين. ركزت الخطابات على عناده بوصفه سبب فقدان استقلال مصر. من خلال تصنيف عرابي بكونه سبب الاحتلال لمدة تصل إلى سبعين عام -لم تتغير إلا بصعود ضباط يوليو- تمكن الشعب المصري من تجنب الإدراك الأكثر إيلامًا: أن الهيكل الاجتماعي والسياسي برمته وهو على قلب رجل واحد لم يكن قادرًا أو جاهزًا لتحمل الضغط الإمبريالي. كانت الهزيمة حتمية في موازين القوى، لكن المصريين أبوا تصديق أنها كذلك، عرابي هو السبب، هو كبش الفداء.
ومن عرابي إلى 1967، أكبر الانقطاعات العاطفية في تاريخ مصر الحديث. في غضون أيام ستة، انهار حلم جمال عبد الناصر البان-عربي. لم يكن رد فعل الشعب المصري انتفاضة عنيفة هنا على الحاكم الذي تحمل المسئولية واستقال فورًا، بل كانت في انفجار ماسورة النكات على العساكر وضباط الجبهة، الظاهرة التي حللتها سامية محرز وآخرون باعتبارها ضحكًا شعبيًا لقلب الحقائق الاستبدادية.
كانت نكات 1967 قاسية. استهدفت انسحاب الجيش العرمرم المزعوم، وإذاعة صوت العرب الآلة الدعائية للنظام. وحملت هذه الفكاهة 3 وظائف نفسية هامة هي: تحقيق الوعي بحقيقة الهزيمة التي خاولت الدولة إخفاءها بتعبيرات ملطفة مثل “الانتكاسة” العابرة. والتدمير الرمزي لأهم معالم النظام السياسي (الزي العسكري، الشعارات) كونه يشكل الواقع الذي خانهم. وتحييد الخوف من البارانويا التي أصابت النظام السياسي؛ فتهديدات النظام التي تضاعفت وقتها احتيج لأن يراها الجمهور سخيفة ومضحكة بدلًا من أن تكون مرعبة. وللمرة الثانية تم نبذ البطل المهزوم (عبد الحكيم عامر/الجيش) لإنقاذ الأنا الوطنية.
أما الحالة الثالثة فهي خارج عالم الزعامات السياسية إلى عالم ريادة الأعمال الاقتصادي. في ثمانينات القرن الماضي قاد أحمد الريان أزمة الهزيمة بشكل مختلف، أزمة هزيمة الاقتصاد البديل. الريان التاجر الماهر الذي لم يقتصر على تقديم أسعار فائدة مرتفعة جدًا للمودعين، بل قدم للطبقات الوسطى والدنيا فرصة لنوع من الفعالية الاجتماعية غير المسبوقة في مصر. المصريون شاركوا في ازدهار رأسمالي إسلامي غير مدار من الدولة تجاوز الدولة الاشتراكية الفاشلة، والانفتاح الرأسمالي الفاسد.
انهارت إمبراطورية الريان في عام 1988، انهارت بتصميم قوانين تحاكم الرجل وشركاته بأثر رجعي لأول مرة في تاريخ مصر، لم يكن رد فعل المودعين المصريين احتجاجًا على فشل الدولة التنظيمي الذي قتل التجربة بدلًا من إصلاحها، بل كان تحولًا قاسيًا ووحشيًا ضد الريان نفسه. ملايين المودعين، استثمروا مدخرات حياتهم عنده وائتمنوه عليها، حولوه إلى كبش فداء وطني بين ليلة وضحاها. عززت قضية الريان الخوف من الأمل المصري القديم في المجال الاقتصادي، تعلم المصريون تجنب المخاطرة وفقدان الثقة بسهولة في العلاقات المصرفية. وكما تلاحظون، السخرية الوقائية ليست محصورة في المجال السياسي؛ بل هي دفاع شامل. إذا أدى الأمل في بديل (إسلامي، ليبرالي، ثوري) إلى الهلاك، فإن المجتمع لن يرحم صاحب مقترح الأمل.
ما السخرية الوقائية؟
لفهم المجتمع المصدوم من الفشل النظامي المتكرر. نحتاج لفهم إطار السخرية الوقائي باعتباره لقاحًا نفسيًا ضد الاكتئاب، لا شكلًا من أشكال اللامبالاة أو العدمية. يتميز الانفصال الشعوري المصري الذي يظهر في السخرية الوقائية بخواص ثلاثة. أولها الشك العدواني كاختيار مبدئي: فالشعب المصري ينظر للقادة الصاعدين دائمًا بسخرية كوسيلة لاختبار صلاتهم. والقائد الذي يخفق في النجاة من نكات الجمهور، في الغالب لم يكن لينجو من رصاص العد. ثانيها هو فن اختيار كبش الفداء: فالمجتمع يحافظ على حاجز نفسي من خلال ضمان أن لكل حركة قائد واضح يمكن لومه على الفشل في حال حدوثه. يسمح هذا الحاجز للجماهير بأن يظلوا أبرياء وقادرين على أن يحافظوا على النقاء في سرديتهم الذاتية. وأخيرًا الخوف من الأمل (الميتاثيسيوفوبيا): وهذا هو التفضيل النشط الأهم عند المصريين؛ الاستقرار على اليأس أفضل من الأمل المحبط. حراك اجتماعي يعد بالعدالة الاجتماعية يحمل تهديدًا للمصريين أعظم من النظام الذي يصدقك القول حين يخبرك بأنه لن يمنحك إياها.
وباستعارة مناهج تحليل الخطاب السياسي السشتراوسية -أن وراء كل خطاب سياسي معنى باطني أو خفي- ففي المرة القادمة التي تسمع فيها مصريًا يقول: “لن يتغير شيءٌ أبدًا.”، فتفهم وقتها أنه ربما يريد القول “أتمنى أن يحدث التغيير لكني أخشى أن يفشل مرة أخرى.” ستجد هذا التشاؤم الوقائي وهذه السخرية الوقائية في كل مكان، في سينما ما بعد 1967 الرافضة للبطولة. وفي ثقة المؤسسات المالية غير الحكومية بعد أزمة الريان. وفي تضخم خوارزميات الاحتقار وثقافة الميمز بعد الربيع العربي.
لا شك أن الإفراط في نفسنة psychologizing أمة بأكملها ينطوي على مخاطرة منهجية جوهرية. ومع ذلك، فإن آليات الفكاهة والسخرية والهجوم على قادة الأمل هي آلية محلية جدًا في السياق المصري، وعضوية جدًا كذلك. إن أزمة الهزيمة هي المحدد الهيكلي الأساسي للسلوك السياسي المصري الحديث. من أحمد عرابي مرورًا بالريان وانتهاءً بكل من قدم كلمة الأمل للمصريين يومًا. ما يزال الشعب المصري يطور نموذجه الخاص من السخرية الوقائية ليصمد أمام قرن ونصف القرن من الوعود الفاشلة. ليست هذه السخرية ضعفًا، بل على العكس هي بنية نفسية تسهل التحمل.
ولكي تنجح أي حركة مستقبلية، ينبغي أن نتوقف عن انتظار المنقذ الكاريزمي. الكاريزما في مصر أصبحت الآن محفزًا للخوف من الأمل. بل يجب التركيز على الإنجاز اللا مركزي والمرن الذي لا يعتمد على “بطل” يمكن نبذه أو استهدافه. الاعتراف الأولي بأننا شعب مأزوم بالهزيمة وأن “قبضة الولس” قد فتت في عضدنا بالفعل، يمكننا أخيرًا أن ننتقل من يأس مستقر إلى أمل مستدام.
وإن قيض الله لهذا البلد مستقبلًا فلن يقف هذا المستقبل على قصور من الأحلام، بل على مرونة تساعده على النجاة من سخرية المصريين الدفاعية. والقدرة على تحويل المزحة إلى أداة في المعالجة بدلًا من أن تكون سلاحًا في الهزيمة.



جميل يا يحيي تحياتي
رائع يا دكتور