في أحد المشاهد الأيقونية في فيلم Focus لويل سميث، استدرج البطل (نيكي) أحد المليارديرات المهووسين بالمقامرة ليراهنوا معاً أثناء مباراة كرة قدم. بعد استدراجه، تم الاتفاق على رهان كبير: يختار الملياردير لاعباً من بين كل اللاعبين الموجودين في الملعب، ثم تتوقع حبيبة نيكي رقم اللاعب الذي اختاره مقابل مبلغ مالي ضخم جداً. وافق الملياردير لأن احتمال أن تخمن الفتاة الرقم الصحيح كان ضئيلاً للغاية، لكن المفاجأة كانت أنها اختارت فعلاً نفس الرقم الذي اختاره!
لم يكن هذا محض صدفة، بل نتيجة أنهم زرعوا في عقله الرقم ٥٥ في كل لحظات يومه. بدءاً من رقم غرفة الفندق الذي نزل فيه، مروراً بوشم الفتاة التي قضى معها الليلة، وفي كل مكان حوله كان الرقم ٥٥ موجوداً. وعندما حان وقت الرهان، قاده عقله الباطن لا إرادياً إلى اختيار هذا الرقم بالضبط.
المشهد
ننتقل الآن إلى موضوع المقال، والذي قد يبدو لك في البداية أنه لا علاقة له بهذا المشهد، لكن دعني آخذك في جولة بسيطة.
أنا من محبي كل ما يتعلق بالروحانيات. عشت مراهقتي أحاول تطبيق الإسقاط النجمي على نفسي، وكيف أفتح العين الثالثة، وكيف أختار ما سأحلم به، وكيف أستطيع تنويم معلمي مغناطيسياً لأضمن درجاتي
قالت لي امي ذات مرة “اللي بيخاف من العفريت بيطلعله وكنت بخاف مخصوص عشان يطلعلي”
وبحثت فترة ليست قصيرة عن عنكبوت ليلدغني فأتحول إلى سبايدرمان بطلي المفضل وأتخلى عن حياتي المملة (زي ما انت شايف كده )
جربت وتجرأت على قلقي الذي كان يغلبه الفضول داخلي دائماً لاكتشاف كل ما يمكن اكتشافه عن هذه المواضيع.
كنت مؤمناً تماماً بقانون الجذب، ولا أدع الشك يحوم حول إيماني به. كان يقول: إذا آمنت بكل ما فيك أنك ستحصل على ما تريده، فسوف تناله. إن أردت التعرف على تلك الفتاة فسوف تفعل، وإن أردت المال فسوف تحصل عليه، وإذا أردت أن تستيقظ في وقت معين فسوف تستيقظ، وإذا أردت أن ترى صديقاً معيناً «صدفة» فسيحدث ذلك، لأنك ببساطة جذبت هذه الرغبة إليك بقوة، وجعلت عقلك يتحكم فيما يحدث داخلك وخارجه أيضاً.
ثم استوقفني سؤال عبث بمفاهيمي تماماً:
لماذا لا يستخدم كل الناس قانون الجذب ببساطة، مهما كلفهم الأمر، ليحققوا مرادهم أياً كان؟ بالطبع سيكون أرخص من أن تقضي حياتك تحاول وتكافح.
وعندما أعطيت عقلي فرصة ليرى ما حققته واعتبرته بفعل «الجذب»، وجدت أنني سعيت – ولو لا إرادياً – لهذا الشيء، وبالتالي أخذته. لكن عقولنا دائماً ما تركز على النجاحات وتبحث عنها. فإذا قلت في نفسك على مدار أيام: «سأخسر الوزن، وسيربح فريقي في مباراة اليوم، وسأصبح موسيقاراً مشهوراً، وسأتزوج من تلك الحسناء»، ثم لم يتحقق شيء مما قلته سوى أن فريقك ربح المباراة، ستقول: «والله العظيم كنت متأكداً وعارف إننا هنكسب». وسيبدأ مخك لا إرادياً بإبراز فكرة أنك «جذبت» الفوز.
قانون الجذب ليس حقيقة علمية ملموسة متفقاً عليها، لكن عقولنا برمجتها أن تسعى لا إرادياً وبسرعات متفاوتة نحو ما تريده، وتقتنص الفرص التي قد لا تتاح أصلاً، ولكن لحسن الحظ – أو لجودة السعي – أتيحت.
ومن الذكاء توجيه الخطوات نحو المراد، والابتعاد عن منطقة الراحة بقدر الإمكان، وملء العقل بما تريد تحقيقه، وملء جدران غرفتك بأحلامك، وملء يومك بما يذكرك بغايتك، كما ملأ ويل سميث عقل الملياردير بالرقم ٥٥. وذلك في نظري ليس «جذب» الشيء، بل هو اقتناصه.
فعندما تجرب الألم المادي حين ركوبك لأوبر يوميا ستجد عقلك لاإرادياً يقنعك بالمواصلات العامة وحينما تخاف من الاختبارات ستجد نفسك متفانيا اكثر في الدراسة وعند الخوف من الوحدة ستجد عقلك يساعدك على تكوين الصداقات
فنحن البشر نجذب فعلاً ما نقلق منه، ونجذب ما نحبه، ونجذب ما نريده من خلال رؤيتنا للأمور. واعتقادي الشخصي أن قانون الجذب نتاج قلة إيمان في الأصل، وليس قوة إيمان كما يُقال عنه. وهو يسهل إيقاع من ليس لديهم مرجعية إيمانية راسخة. ولحسن الحظ، أنا مسلم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَقُولُ اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
فحسن الظن بالله هو معنى قوانين الحياة كلها، ليس قانون الجذب فقط. من تجربتي، كل مرة سعيت في شيء بكل ما أوتيت من قوة وعلم، وأصحبتها بحسن ظني ويقيني بالله، إما حققته وكان خيراً، وإما لم أحققه وتأكدت بعد الضجر أنه الخير. وذلك هو تمام حسن الظن بالله.
العقل البشري، وعلى ما وضع الله فيه من فهم وفطنة، فهو من الأساس نتاج الفضول والتساؤلات التي تقودنا بدورها للبحث عن الإجابات. قرأت كتباً كاملة تتحدث عن قوانين الجذب وتطبيقاتها، ولم أجد أوضح ولا أحق من الإسلام. فحسن الظن بالله قد يكون الحل السحري بالفعل، وسوء الظن به قد يقود إلى الهلاك.
قال تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
فالتشاؤم واستبعاد رحمة الله وعظمته وقدرته على تغيير الأمور إلى الأفضل – بغض النظر عن سعيك وأخذك بالأسباب – قد يودي بك إلى الكفر. وتالله، ما يبقيني على قيد الحياة إلا قناعتي أن الله قادر على تغيير الحال في لحظة، وأن السعي مقترن دائماً بحسن الظن قد يساوي أعظم النتائج. فكيف تنتظر من الله ما تستبعده عن قدرته جل وعلا؟ هذا من القنوط من رحمته والكفر بقدرته سبحانه.
وبالعودة إلى العقل البشري، فبالفعل ينجذب عقل الإنسان إلى ما يخاف منه، وأيضاً إلى ما يحب حدوثه. ينصب تركيزك لا إرادياً نحو السير إلى ما تريده، حتى لو كنت قلقاً من تحقيقه، وحتى لو كنت لا تريد السير نحوه بدافع الخوف. ومن هنا يأتي تميز عقل عن آخر: ما تراه شراً قد يراه غيرك مجرد طريق لخير قادم.
قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
الإيمان بالقدر ليس الجلوس وانتظار المكتوب. أنا دائماً أقول جملتي الشهيرة بين أصدقائي، مستشهداً بأنني لم أحقق أحلامي: «في ناس بتعيش وتموت ما بتحققش أي حاجة حلمت بيها». وعلى قساوتها إلا أنها صحيحة، وتشعرني بالخوف والقلق. فأنا لا أريد أن أقف على حافة الهاوية أحاول السيطرة على ما تبقى من عقلي، خائفاً على نفسي من الجنون. فإن رأيت مجنون الحارة كل يوم ودعوت له أو ابتعدت عنه، فأنا قضيت معظم أيامي أرى فيه مصيري ومستقبلي.
وأنا لست شيخاً، فأنا أبعد ما يكون عن ذلك للأسف. وأقول ذلك لأنني أعلم أنه قد تبادر إلى ذهن البعض. لكني أحسب نفسي من الأوابين، وأحسن الظن أن الله يراني ويعلم ما بداخلي، ويعلم أن لحظات ضعفي تنتهي حينما أتذكره وأمسح دموعي وأردد: «الحمد لله، الحمد لله». وذلك فقط ما يحافظ على المسافة بيني وبين الجنون.
«يا رب الواحد ما بتجنن».
حاولت بكل الطرق تناول الموضوع بشكل لا يرتبط بالدين، وليس لشيء سوى أنني أردت إقامة الحجة على كلامي بالعلم والإيمان معاً. لكن كلما كتبت سطراً تبادر إلى ذهني آية، فكتبتها. فسبحان من له ملك السماوات والأرض، ويعلم ما تخفي الصدور وما تعلن.
من مقالات الكاتب معنا
إن كنت تحب أن تنشر معنا يمكنك مراجعة الشروط من هنا







جميل جدا ما شاء الله، جدير بالذكر أن الاسقاط النجمي والعين الثالثة وغيرها من الأمور كُفرية ولا يجوز التصديق بها وهناك قصص سيئة جدا عن مصير من يُصدق في تلك الأمور
ممتع ما ينمل من كتاباتك