يمكنكم الاستماع للمقالة بصوت fawzia ahmed
في عام 1973، وفي مدينة ستوكهولم - السويد، حدث سطو مسلح على أحد البنوك الكبيرة في المدينة.
أولسون، وهو مجرم هارب من السجن في الأساس، دخل البنك مرتدياً باروكة وأطلق رصاصة في السقف معلناً بدء الحفل، لكن لم يسعفه الوقت، وسرعان ما تم حصار البنك من قبل الشرطة. أخذ أولسون 4 رهائن وطلب مقابل حياتهم مبلغاً مالياً وسيارة وإطلاق سراح صديقه المسجون.
وهنا تبدأ القصة.
تم حبس الرهائن برفقة الخاطفين لمدة ست أيام، رأى فيها المخطوفون جانباً جيداً من الخاطفين، وتطور داخل المخطوفين شعور أنه لن يتعرضوا للأذى، وتطور ذلك الشعور أكثر لدرجة أن الشرطة حينما استطاعت أن تطلق غازاً مسيلاً للدموع وتخرج الجميع من الداخل، وجدوا صعوبة بالغة في التفرقة بين الخاطفين والمخطوفين، وبالفعل ذهبت مع الخاطفين إحدى الرهائن ولكن برضاها!
نيلس بيجيروت، طبيب نفسي وخبير جرائم، كان مستشار الشرطة، ورأى في ذلك شيئاً غريباً، وسماها «متلازمة نورمالمستورج» أولاً، ثم اشتهرت عالمياً بـ**«متلازمة ستوكهولم»**. الاسم مستوحى من المكان.
حينما ندقق النظر قليلاً، فيمكن النظر إلى الموضوع أنه يحدث ولا شيء غريب هنا: رهائن مع خاطفهم الذي بالصدفة أحسن إليهم فتعاطفوا معه.
حسناً، ماذا إن كان لم يحسن إليهم؟ اكتسبت الرهائن شعوراً بالأمان ليس لأنه أحسن إليهم، بل أن منبع ذلك الشعور أتى من إيمانهم أنه إذا تعاملوا معه جيداً لن يؤذهم كنوع من أنواع المكافأة، وتلك ليست حياة منهم للأسف، بل هو شعور وإيمان فعلي يشترك فيه القلب والعقل الذي يغلب عليه شعور الصدمة. ففي التاريخ المعاصر شهد العالم حوادث كثيرة، إن لم يشهدها لما كان لتلك المتلازمة شهرة أو صيت كما هو الحال الآن.
باتي هيرست
باتي هيرست، وهي حفيدة وليام هيرست، أحد أشهر أباطرة الصحافة الأمريكية في القرن العشرين. كانت باتي تعيش حياة مرفهة ومتميزة، وكانت طالبة في السنة الثانية بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.
في أحد ليالي فبراير، طرق ثلاثة أشخاص مسلحين باب شقتها، وكانوا أعضاء في جماعة جيش التحرير السيمبيوني، وهي جماعة يسارية متطرفة صغيرة العدد، يقودها شخص يدعى سينك وتسعى إلى إشعال ثورة مسلحة ضد «الدولة الرأسمالية» في الولايات المتحدة.
اقتحموا الشقة، ضربوا خطيبها ستيفن ضرباً مبرحاً بزجاجة نبيذ، ثم أمسكوا باتي وهي ترتدي قميص نوم فقط، ووضعوها في صندوق سيارة بيضاء، وأطلقوا النار في الهواء أثناء فرارهم لإبعاد الجيران. كانت باتي تبلغ من العمر 19 عاماً فقط.
نقل الخاطفون باتي إلى منزل آمن في سان فرانسيسكو، احتجزوها في خزانة صغيرة مظلمة لشهرين، معصوبة العينين، محرومة من النوم والطعام الكافي، ومعرضة للاستجواب المستمر والإساءة الجنسية والضرب، يصفون عائلتها بـ«الخنازير» و«الرأسماليين المستغلين».
أصدرت الجماعة بيانات صوتية تطالب بإطلاق سراح عضوين منها محتجزين، وطالبوا عائلة هيرست بتوزيع غذاء بقيمة 70 دولاراً على كل شخص محتاج في كاليفورنيا، وهو أمر كان سيكلف حوالي 400 مليون دولار. استجابت العائلة جزئياً، وقدم والدها راندولف هيرست حوالي مليوني دولار لإحدى جمعيات الدعم، ولكن ذلك لم يكن كافياً لإطلاق سراحها بالنسبة للجماعة.
في 3 أبريل 1974، أصدرت الجماعة تسجيلاً صوتياً جديداً، كانت باتي تتحدث فيه بصوت هادئ ولكنه حازم، تنتقد فيه والديها وتعلن انضمامها إلى جيش التحرير السيمبيوني بإرادتها. غيرت اسمها إلى «تانيا»، تيمناً باسم رفيقة غيفارا الثورية.
بعد أيام قليلة فقط، في أبريل 1974، شاركت باتي في سرقة بنك هيبرنيا في سان فرانسيسكو. التقطت كاميرات المراقبة صوراً شهيرة لها وهي تحمل رشاشاً آلياً، وتصرخ على الزبائن «الجميع على الأرض!» أصبحت هذه الصور رمزاً للقضية بأكملها، وظهرت على غلاف مجلة تايم كعارضة أزياء مثيرة.
وأصدرت تسجيلاً آخر قالت فيه: «أنا جندية في جيش الشعب». رفضت خطيبها السابق، وأعلنت حبها لعضو في الجماعة يدعى وولف.
بعد سرقة البنك، انتقلت الجماعة إلى جنوب كاليفورنيا. في مايو 1974، حاول بعض أعضائها سرقة متجر، فاشتبكوا مع الشرطة. في اليوم التالي، حاصرت الشرطة منزل الجماعة في لوس أنجلوس، مما أدى إلى معركة بالأسلحة النارية استمرت ساعات، وانتهت بحريق هائل أودى بحياة ستة أعضاء من الجماعة، من بينهم القائد.
كانت باتي واثنان آخران يشاهدان الحدث على التلفاز من غرفة فندق، ونجوا. استمروا في الاختباء، وشاركت باتي في جرائم أخرى، منها إطلاق نار أثناء محاولة سرقة أخرى.
في 18 سبتمبر 1975، ألقت الـFBI القبض على باتي هيرست في سان فرانسيسكو، بعد 19 شهراً من اختطافها. عند اعتقالها، سألها الضابط عن مهنتها، فأجابت: «غوريلا حضرية».
حوكمت باتي بتهمة سرقة البنك المسلحة واستخدام سلاح نار في ارتكاب جناية. دافع محاموها بأنها تعرضت لغسيل دماغ وإكراه نفسي شديد، وأنها أصيبت بـمتلازمة ستوكهولم، حيث يطور الرهائن تعاطفاً مع خاطفيهم كآلية دفاعية للبقاء. وصفوا حالتها بأنها ضحية صدمة، محرومة من حريتها، مهددة بالقتل، ومغتصبة.
في 20 مارس 1976، أدانتها هيئة المحلفين بتهمة سرقة البنك، وحكم عليها بالسجن 35 عاماً، خُفضت إلى 7 سنوات. قضت 22 شهراً فقط في السجن.
في فبراير 1979، خفف الرئيس جيمي كارتر عقوبتها. وفي 20 يناير 2001، منحها الرئيس بيل كلينتون عفواً رئاسياً كاملاً في آخر يوم له في المنصب.
بعد إطلاق سراحها، تزوجت باتي من حارسها الشخصي السابق برنارد شو، وأنجبت طفلتين، وعاشت حياة هادئة نسبياً بعيداً عن الأضواء. كتبت مذكراتها، وشاركت في أفلام وثائقية، وأصبحت رمزاً لقضية معقدة تجمع بين الضحية والمتهمة.
https://youtu.be/2NSYEWe-_ek?si=GaajTbgoJml-Rzxz
تظل قصة باتي هيرست واحدة من أغرب القضايا في التاريخ الأمريكي الحديث. هل كانت ضحية غسيل دماغ حقيقي ومتلازمة ستوكهولم، أم أنها انضمت طواعية إلى الجماعة الثورية؟ الجدل حول ذلك مستمر حتى اليوم، ويُستخدم اسمها غالباً كمثال كلاسيكي على متلازمة ستوكهولم، رغم أن المتلازمة نفسها ليست تشخيصاً رسمياً في الدليل الطبي النفسي.
هذه القصة تكشف عن هشاشة النفس البشرية أمام الضغط الشديد والعزلة والترهيب، وتعامل العقل وفرضه لأساليب غير معتادة للتعامل مع الموقف. وفي رأيي ليس الخاطف هنا من يغسل مخ ضحيته، بل خوف الضحية هو من يتحكم في عقلها. وأيضاً أرى أن معظم ضحايا ستوكهولم (وليس جميعهم) في سن صغيرة، بالتالي قد يكونون لا يشعرون بأهميتهم، فيترجم العقل هذا الاختطاف بأنه «شخص مميز ويراني ذلك الخاطف مميزاً عكس أهلي ورفقائي، فلمَ لا؟ لمَ لا أعطيه فرصة؟ قد تكون تلك فرصتي للتواجد بجانب من يراني مميزاً». فأحد الضحايا تعرضت للاغتصاب يومياً لمدة أيام، ثم تزوجت خاطفها وأنجبت منه، ولم تفكر مرة في الهروب رغم تعدد فرص الهروب! وضحية أخرى بعدما تم إنقاذها دافعت عن خاطفها، وحينما تم إعدامه بكت بحرقة وأشعلت له الشموع!
وبما أن تلك المتلازمة ليست ضمن الأمراض النفسية المعترف بها إلى الآن، فإن مجال إبداء الآراء فيها مفتوح ومتفرع. قد يميل البعض إلى من يشعرون معه بانعدام الملل حتى وإن كان ذلك على حساب راحتهم. فأنا أرى أن الأشخاص الذين يفضلون الحياة التي تعج بالمشاكل عن الحياة الروتينية، بل يحسدون أصحاب الحيوات الروتينية على حياتهم، أكثر عرضة للارتباط بالأشخاص الذين يشعرونهم بالشوق ثم الفراق ثم الحزن ثم الفرح. لا تتعجب إن لم تعجب بك تلك الفتاة التي تضمن أنك ستجعلها سعيدة طيلة حياتها، لأن الإيقاع الثابت طول الحياة وإن كان على هيئة سعادة قد يكون شيئاً مملاً حقاً.
رد الفعل الذي يعتمده العقل بالاستسلام لقوة أكبر منه يجعله يشعر بالرضا نوعاً ما، لأنه يصعب على العقل البشري الشعور بالخطر دائماً، مما يجعلك تستسيغ ما يعذبك وتعطيه أعذاراً بدلاً من محاولة الهروب منه. ومع مرور الوقت قد تحب ذلك الشعور فعلاً، ومع الوقت يشعرك ذلك الاستسلام أنه المنحى الوحيد لشعورك بالخطر، فتقبله بدون ضغط وتحبه بدون مبرر، وترى أن أقل حقوقك كالمأكل والمأوى لطف منه وتفضل منه.
في رأيي، إن كان هناك ما يمكن الاستفادة منه في فهم متلازمة ستوكهولم، هو أن الإنسان له عقل باستطاعته التكيف لأبعد الحدود حتى وإن لم يظهر ذلك في البداية، وأن المخ لديه استراتيجيات للبقاء قد تكون إعجازية أحياناً وتظهر تناقضاً كبيراً. وليس من السهل استحضار الغرائز في غير وقتها، ولكن بالنظر إلى حياتنا فإننا نتمتع بغريزة بقاء فريدة من نوعها، ولا يستطيع الإنسان تخيل مدى قوة غريزته دون اختبارها.
هشاشتنا النفسية، كما أؤكد من كل منبر أكتب فيه، تنشأ معنا، يغذيها الأهل والرفقاء والبيئة والمجتمع، فقد تؤثر تلك العوامل عليها بالإيجاب أو غالباً في هذا الزمن تؤثر عليها بالسلب. قراءتنا عن ما لا تدركه مشاعرنا بعد وفهمه هو ما يجعلنا نسبق غريزتنا بخطوة، وندرك حين تثار غريزتنا أننا يمكن أن نتحكم بها، وهذا تحديداً ما يفرق بين البشر والحيوانات.
محبكم






كثيرا ما اسمع عن هذه المتلازمة لكن هذه أول مرة أقرأ عنها و أقدر أقول أنو في لادي تسمي هذه المتلازمة ب"بنت فاميليا
أو بنت الأصول
اذ أن المرأة يجب أن تصبر على أذى زوجها وتعنيفه و اضطهاده وضربه و تتخلى عن أدنى حقوقها و أحيانا متطلبات الحياة البسيطة لا أقول الكريمة لكي تكون بنت أصول او بنت فاميليا بنظر المجتمع
بالإضافة لست قارئة روايات ولكن البنات اللي بتتكلم عن الدارك رومانس و بتقول اديه زعيم عصابة يخطفني يلزمها تتعالج من هاذي المتلازمة
في النهاية مقال جد مميز
حلوة حلوة حلوة حلوة حلوة حلوة حلوة حلوة حلوة حلوة حلوة تبسيطك للكلام وما في تعقيد وصوت البنت كلها ممتعة جدا