هو كله ضرب ؟ مفيش شتيمة
يا نعيش عيشة فل يا نموت إحنا الكل
استيقظتُ ذات يوم على مكالمة مختصرة جدًا من أحد أصدقائي:
«انزل تعالى بسرعة، احنا بنتضرب!»
سألته عن المكان، ثم قمتُ من على سريري مباشرةً إلى باب الشقة وهرعتُ إليهم. كانت المسافة لا تتجاوز العشر دقائق مشيًا سريعًا. كل ما دار في بالي خلال تلك الدقائق: لماذا اتصل بي الآن؟ ولماذا انتظر حتى احتدت الأمور إلى هذا الحد؟
حين وصلتُ إليهم، لم أنتظر ثلاثين ثانية حتى صرتُ أنا أيضًا ضمن مجموعة «المضروبين». لم يقتصر الأمر على ذلك، بل سرقوا مني سماعتي السلكية المفضلة.
وعلى طريق العودة مع صديقي إلى المنزل الأقرب إلى تلك المشاجرة الصباحية «الجميلة»، لم أستطع كتم فضولي. لم أسأله عن سبب المشاجرة، ولا عن حماس ذلك الشاب الذي كان يمتلك عضلات في جبهته وهو يلكمني بعد أن انتابه شعور بأنني أمثل خطرًا (اعتقاد خاطئ بالطبع).
لكني سألته السؤال الوجيه:
«لماذا اتصلت بي؟ ولماذا لم تتصل بغيري أنت أو أحد «المضروبين» ليأتي معي، فنتكون طريقة نكسب بها وقتًا أو يتوزع الضرب علينا؟»
أجابني بهدوء:
«ما كنتش عايز أنضرب لوحدي».
مع أن هذه الإجابة لم تكن مبررًا كافيًا ليضعني أمام سبعة أشخاص يمكنهم التنكر على هيئة سيارة نصف نقل، إلا أنني ضحكت.
مرت أكثر من خمس سنوات على هذا الموقف، لكنني تذكرته مؤخرًا، وسألتُ نفسي: هل كان وجودي مفيدًا فعلاً رغم علمي وعلمه بأن النتيجة ستكون واحدة؟
في دراسة أُجريت عام 2006 في جامعة فرجينيا، أحضر الباحث جيمس كوان 16 سيدة متزوجة ووضعهن داخل جهاز fMRI لتصوير نشاط الدماغ. كان الهدف قياس استجابة المخ للتهديد بالألم، ومعرفة ما إذا كانت هناك عوامل تخفف من هذا التهديد.
قُسمن إلى ثلاث مجموعات:
• الأولى: يمسكن بيد شخص مجهول.
• الثانية: يمسكن بيد شريكهن العاطفي (الزوج عادة).
• الثالثة: يقفن بمفردهن.
أُخبرت كل سيدة أنها قد تتعرض لصدمة كهربائية خفيفة بنسبة معينة.
النتيجة كانت واضحة: السيدات اللواتي كن يمسكن بيد شريكهن أبدى عقلهن استقرارًا واطمئنانًا أكبر بكثير. حتى اللواتي مسكن بيد شخص مجهول كن أقل قلقًا وتوترًا من اللواتي كن بمفردهن.
ولهذا أبعاد كثيرة، أبرزها من وجهة نظري أن التوتر والضغط والقلق ينشأ أساسًا من تقييمنا للموقف حتى قبل التعرض له. عندما يقول الصوت داخل رأسك «أنا في مصيبة»، يكون ذلك أصعب بكثير من أن يقول «نحن في مصيبة».
على سبيل المثال، تضع تقييمك للامتحان في منطقة معينة من القلق، وقد تكتشف بعد ذلك أنك أعطيته حيزًا أكبر مما يستحق. وجود شخص يتقاسم القلق معك، أو حتى ينقذك بتقييمه الأقل توترًا، يساعد بشدة. ويكفي أحيانًا ألا يكون مطلق أحكام ليشعر مخك ببعض الهدوء.
وبطبيعة الحال، يطمئن الإنسان بوجود الآخرين، ولو كانوا على مسافات متباعدة. في تجربة بسيطة أُجريت عام 1968 وأُطلق عليها اسم «تأثير المتفرج» (Bystander Effect)، اكتشف الباحثان دارلي ولاتانيه أن الأشخاص الذين سمعوا نداء استغاثة وهم لوحدهم كانوا أكثر ذعرًا وتوترًا من أولئك الذين سمعوه وسط أشخاص آخرين. فشعور الإنسان بأنه لا يتحمل كل المسؤولية لوحده يكون مريحًا في الغالب.
العالم ليس مكانًا سهلاً. كلما كبرتَ في العمر، اكتشفتَ تحديًا جديدًا ومخاوف أكبر. لا أقول إن الحل هو أن نتقاسم الأعباء دائمًا — رغم أننا نفعل ذلك فعلاً — لكن مجرد رؤية منشور لشخص لا تعرفه يتحدث عن مشكلة جيلنا في العلاقات أو التوظيف أو الزواج، يولد داخلك شعورًا لحظيًا بأنك لست وحدك. وهذا بالتحديد ما أتحدث عنه: معنى تقسيم العبء النفسي.
منذ ذلك اليوم — الذي لو تلقيتُ فيه ضربة واحدة زيادة لفقدتُ الذاكرة — لم أعد أستهين أبدًا بمشاركة من حولي ما يمرون به. أكبر مكسب من ذلك الموقف أنه أزال عني ضغط محاولة إيجاد الحل والمخرج دائمًا.
أحيانًا أسمع من صديقي مشكلته ليس لأنني سأحلها، بل لأنه يحتاج فقط إلى تقاسم ذلك العبء النفسي. وقد يكون هو مدركًا للحل بالفعل، لكنه يحتاج ماسًا إلى وجود مستمع جيد. وهذا بالضبط ما يجعل المستمع الجيد شخصًا مميزًا، حتى لو لم يقدم حلًا — لأنه مفيد بوجوده فقط.
«أرجوكم، تجنبوا الشجارات التي ندعو بعد دقيقة منها إلى الخروج أحياء».
العمر مش بعزقة.




..يعني باختصار إذا عمّت خفّت
مقال جميع ومفيد . علقة تفوت ولا حد يموت