الغشاش بيروح النار؟ لأ
الغش في المنافسات الرياضية ودوافعه وثقافة الواقعية في الحضارة الغربية
في عالم المنافسة، الشرف لا قيمة له، بل خيار خاسر، في أحد المشاهد بمسلسل succession يقول لوجان روي لأبنائه منتقدًا إيمانهم بالشرف في المنافسة: “أنا أحبكم، لكنكم لستم أشخاصًا جادين”
هل كان هذا مجرد مشهد فانتازي من قصة كتبها الكاتب البريطاني جيسي أرمسترونج، أم معبر عن ثقافة حضارة بأكملها؟
لكي نقترب من فهم نفسية الغشاشين ودوافعهم للغش، علينا أن نبحث بعمق في بعض حالات الغش وتفسير علماء النفس والأطباء النفسيين لها، ومنبع خروج تلك الثقافة، وكيف استحوذت على كثير من الرياضيين؟ وماذا قال الفلاسفة عن تلك الثقافة؟
أبسط محاولات الغش
إذا أردنا التعمق بأي مسألة، علينا أن نبدأ بالبسيط ثم الأعقد، علينا بداية صك نعريف للغش، ووجدنا أن أبسط تعريف له هو محاولة الحصول على ميزة على منافس بنفس الدرجة بغرض تحقيق أفضلية.
وجد عالم الأحياء الدقيقة إيفريت بيتر غرينبيرغ الأستاذ في جامعة واشطن أن بعض البكتيريا تستغل الموارد العامة التي تنتجها بكتيريا أخرى دون مشاركة البكتيريا الأخرى في إنتاجها، كما وجد عالم الأحياء النظمية ألكسندر فان أوديناردن من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن بعض خلايا خميرة السكاروميسيس تغش باستخدام نواتج إنزيم استقلاب السكر الذي تُنتجه خلايا أخرى.
مارادونا
من الخلايا الدقيقة ننتقل لأعقد الكائنات الحية على وجه الأرض، فهم فلسفة الغش في البشر يحتاج لقراءة بعض الحالات، حيث الناس يُشرعنون الغش، وليس هناك مثال أفضل من ذلك الشخص الذي جعل الغش نضالًا وطنيًا، إنه دييغو أرماندو مارادونا.
يقول مارادونا مبررًا هذا الهدف بعد المباراة مباشرة، أنه كان قليلاً برأسه، وقليلًا بيد الرب حسب قوله، وفي مرة أخرى قال إنه سجل أكثر من مرة هدفًا باليد، ولكنه كان كأس العالم فبالتأكيد لن يذهب ليتأسف ويقول أنه سجل الهدف بيده؟!
بالتأكيد إفلات الغشاش من العقاب يجعله يتمادى ويكرر فعلته، حتى لو كانت المرة الأولى مجرد لقطة عفوية، لكن تتحول إلى سيكولوجية ومنهج حياة، فهو نفس الشخص.
مارادونا في مثال آخر، في مباراة منتخبي البرازيل والأرجنتين ثمن نهائي كأس العالم 1990 بإيطاليا، يكشف خداعهم لظهير أيسر المنتخب البرازيلي (برانكو) حيث وضع لاعبو الأرجنتين له مخدرا في إحدى زجاجات المياه، وتم منحها له من الطاقم الطبي خلال علاج أحد اللاعبين.
وفي كأس العالم 1994 في الولايات المتحدة وفي مباراته أمام نيجيريا، احتفل بالهدف الثاني الذي سجله أمام اليونان، ونظر للكاميرا نظرة حادقة، ظهر على عينيه جحوظ شديد، وشكوا بأن مارادونا تحت تأثير المنشطات، وأخضعوه بعدها لاختبار المنشطات، ليبرر ظهور نتيجة الاختبار الإيجابية بأن طبيبه الخاص أعطاه مشروبًا للطاقة، والطبيب هو الآخر ادعى أنه اشتراه من الولايات المتحدة بعد نفاذه في الأرجنتين لكن كان مختلفًا عن المنتج الأرجنتيني وكان منشطًا.
ثم خرج مارادونا برواية أخرى وتبرير آخر، أنه اتفق مع الفيفا قبل انطلاق البطولة على تناول أحد العقاقير من أجل إنقاص وزنه، كي يكون مؤهلا للمشاركة في مونديال أمريكا 1994 لكن الفيفا نفى تلك الرواية.
لكن في قصة مارادونا، نجد دوافعه للغش هي الإفلات من العقاب أو تطبيع الانحراف.
تطبيع الانحراف (Normalization of Deviance) هو مصطلح صاغته عالمة الاجتماع "ديان فوغان". يصف العملية التي يتحول بها خرق القواعد أو معايير السلامة إلى ممارسة مقبولة.
بدأ الغش كلقطة عفوية حين أدخل الكرة بيده إلى المرمى، هرب من العقاب بل أصبح بطلًا أسطوريًا، هزم منتخب بلد عدو، وجلب كأس العالم الثانية للأرجنتين، فمارس الغش عن طريق تخطيط، بل هو من اعترف وأخبرنا في العام 2004 في فيديو مشهور، ولم يحدث تحقيق ولا أي شيء.
فالغشاش الذي تعود الإفلات من العقاب يظن في تطبيق القانون مؤامرة ضده، ويرى العدالة تجنياً على إنجازه.
عندما وصل إلى مونديال 1994، كان الانحراف قد أصبح معياراً عادياً في عقله، فدخل البطولة بكوكتيل منشطات ظنًا منه أن أسطورته تحميه من المحاسبة، ولما ظهرت الحقيقة الطبية بعد خضوعه لكشف المنشطات، لم يملك سوى بجاحة الضحية وادعاء المؤامرة؛ فالغشاش الذي تعود الإفلات من العقاب، يظن في تطبيق القانون مؤامرة ضده، ويرى العدالة تجنياً على إنجازه.
لاعب التنس الأمريكي أندريه أغاسي
هذا اللاعب تعرض لتحليل منشطات في إحدى المنافسات، ووجدوا عينته إيجابية، وعندما سألوه قال إنه تناول زجاجة عصير لأحد مدربيه بالخطأ، على طريقة الشباب المتمرد على صيام رمضان الذي يسأل دار الإفتاء في رمضان قائلًا ما حكم صيام يومي علمًا بأني تزحلقت في المطبخ بالخطأ، فسقطت في بطني نصف دجاجة وكوب من عصير التمر الهندي الطبيعي؟
لكن ولأن الحقيقة دائمًا تظهر، هذا اللاعب بعدها اعترف في مذكراته أنه لم يتناول المنشط بالخطأ بل تناوله عمدًا، وكذب على لجنة تحليل المنشطات، وللأسف كما هو مُعتاد، لا تحقيق، لا سحب إنجازات وأرقام، واتحادات التنس في سُبات.
والحقيقة أن الغشاشين جميعاً يتساوون في لحظة الخطأ؛ فكل منهم يملك ترسانة من التبريرات النفسية الجاهزة لشرعنة السقوط، أغاسي برر كذبته على اتحاد التنس في المذكرات بأنه كان ضحية لظروف نفسية منهارة وأن مخدره لم يكن بهدف سرقة فوز كروي، وهو ما يسمى في علم النفس التبرير كآلية دفاعية، حيث يختلق فيها الفرد أعذاراً منطقية لتبرير أفعال، أو لتصوير نفسه كضحية للظروف، لكن كان أجاسي على عكس مارادونا، إذ بدأ مارادونا في الغش حين أمن العقاب.
ناج من الموت يتحول إلى غشاش صلف
دراج أمريكي في التسعينات اسمه (لانس آرمسترونغ) يشخص بسرطان في الرئة والمخ، يظن الكثير من المتابعين انتهاء مشواره الرياضي، لكن ينجح علاجه ويعود للسباقات، بل يفوز بسبعة منافسات متتالية في سباق فرنسا للدراجات -أكبر وأشهر سباق للدراجات في العالم- لكن مع كل فوز كانت تزداد الشكوك، بالإضافة إلى أن رياضة الدراجات مليئة بالفضائح بخصوص المنشطات، اتهمه بعض الصحفيين وزملاءه بتعاطي المنشطات.
لكن (لانس آرمسترونغ) لم يكن فقط ينفي التهم، بل كانت ردوده شديدة الشراسة، رفع قضايا تشهير على كل من اتهمه، واستخدم نفوذه في عزل من اتهموه، وخاف الناس بخصوص الحديث حول أحقية ألقابه.
لكن في عام 2012 افتضح أمره، وظهر في نتائج تحليله تعاطي المنشطات، وتم تجريده من ألقابه السبع، لكن فشلوا في إلزامه بالتعويض المستحق، إذ لم يدفع سوى 5 مليون دولار من ثروة _حققها من خلال الغش_ على حسب بلومبرغ 218 مليون دولار، لكن بعدها بعام، اعترف في لقاء مع المذيعة أوبرا وينفري اعترف قائلًا: “بالطبع فعلتُ ذلك، وكثيرون غيري فعلوا”.
“برر لنفسه الغش بأن الجميع يفعل ذلك، فلم لا أفعل!؟ ولو عاد بي الزمن غالبًا سأكرر فعلتي”
الانفصال الأخلاقي
نظرية الانفصال الأخلاقي في علم النفس التي وضعها عالم النفس ألبرت باندورا، تفسر لنا دوافع لانس آرمسترونغ، فالنظرية تشير إلى أن بعض الناس يبررون سلوكياتهم الخاطئة بالبيئة المحيطة للتجرد من المسئولية، لكن إذا نظرنا بشكل أعم سنجد ديفيد كالاهان يؤلف كتابًا بعنوان ثقافة الغش، وقال في الكتاب من خلال لقاءات ودراسات يكشف عن أساليب الغش في الولايات المتحدة، ومدى أهميته في حياة الأمريكيين اليوم، إذ يناقش الغش كأخلاقية وثقافة منتشرة جدا، ويقول المؤلف أن الغش يحدث في جميع المجالات: العمل والدراسة والعلاقات الاجتماعية والرياضة، مما يفتح لنا موضوعًا آخر، كيف بدأ هذا؟
ثقافة الواقعية في الحضارة الغربية
مع تمدد الحضارة الغربية في الدنيا، انتشرت قيمها في العالم، مبادئ ميكيافيلي أول من برر فعل أي شيء في سبيل المصلحة، حيث كان أول من صك شعار “الغاية تبرر الوسيلة، وأصبحت تلك الثقافة فيما بعد حاكمة للحضارة الغربية، حضارة مادية بلا روحانيات مؤثرة في القيم والسلوك، بل حتى ترى الأخلاق جسرًا للوصول إلى المصلحة، لا أن تكون منهجًا.
حضارة فيها الغشاش لا يذهب للنار، بل يُكافئ أحيانًا، وإذا عوقب يعاقب للشكل العام فقط، لا بغرض منع تكرار الغش.
لمزيد من مقالات الكاتب
للمزيد حول شروط النشر انظر هنا










