في ثقافتنا المصرية تنتشر عبارات مثل "الحيطان ليها ودان"، تلك العبارة التي تشرح لنا انتشار المخبرين في المجتمع المصري، حيث يخاف الناس من مجرد التفكير في الحديث عن الشأن العام، فمصيرك إلى السجن حيث أساليب التعذيب التي انتشرت في الأقسام والسجون في الحقبة الناصرية، لكن ظاهرة المخبرين بالتحديد كانت متجذرة إلى حد بعيد في مؤسسات الدولة.
نشر الدكتور حمادة حسني كتابين أولهما كان عن التنظيمات السياسية لثورة يوليو، ونُشر في سسلة تاريخ المصريين، وثانيهما الكتاب الذي نتحدث عنه، كانت رسالة دكتوراة عن عصب آخر تنظيمات ثورة يوليو، ذلك التنظيم الذي ظل يحكم مصر حتى سقوط مبارك، منه رؤساء حكومة ووزراء ومسئولون وبرلمانيون، لكم أن تتخيلوا كيف كان هذا التنظيم متجذرا في دولاب الدولة، ومتغلغلًا في دهاليز البيروقراطية المصرية، تنظيم حاول أن يستنسخه أنور السادات ففشل، وحاول أن يقلده جمال مبارك فكانت النتيجة ساخرة.
كتاب الدكتور حمادة حسني "جمال عبد الناصر والتنظيم الطليعي" يشرح كيف كان التنظيم قويا إلى حد كبير، تنظيم خُلق بقرار فوقي من رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر، ويقوده وزير الداخلية شعراوي جمعة.
كان جمال عبد الناصر مولعا بالعمل السري، فهو الذي ظل يراقب هواتف مسئوليه من أصغرهم إلى أكبرهم وذلك مُثبت في محاضر فيلا منشية البكري، كل هذا حضه على إقامة تنظيم سري يستخدمه للقوة والنفوذ، حيث يدين أعضاؤه له بالولاء ويكونون عونا له على مراقبة أعدائه.
بدأ التنظيم كحلقات عشرة، كل عُضو منهم يُحضر عشرة، ثم تغير ليصبح تنظيما جغرافيا، يقوده المحافظ وسكرتيره والمسئولون الكبار إلى عمد القرى، فكانت الاستفادة من الطرفين، الدولة تجلب موالين جدد والموالون يكسبون نفوذا، فالتنظيم وسيلتهم لتحقيق ما يريدون، امتيازات أموال ونفوذ.
دولة يوليو كانت معتمدة بشكل رئيس على رفع شعار الاشتراكية، حتى مع عدم تطبيقها أو تسميتها اشتراكية مناسبة لمصر، فكان اسم التنظيم في البداية، تنظيم طليعة الاشتراكيين ثم صار يُنطق اختصارا التنظيم الطليعي.
كانت المهمة الأولى لهؤلاء الأعضاء كتابة التقارير في زملائهم في العمل، فكانوا ١٥٠ ألف عضو بحسب شهادة أحد مؤسسيه وهو سامي شرف، لكم أن تتخيلوا عدد كُتاب التقارير في دولاب الدولة، قد يتحدث البعض ويبرر كتابة التقاير، لكن لا مبرر لكتابة تقرير لتنظيم يتزعمه وزير الداخلية، المحزن عند نشر الدكتور حمادة حسني لتلك الوثائق في هذا الكتاب ظهور كتاب نحبهم ونحترمهم يكتبون تقارير في زملاءهم ومنتمون لتنظيم يتزعمه وزير الداخلية، لكن يُعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال.
يسرد حمادة حسني في فصول الكتاب حديثه عن التنظيمات السياسية لعبد الناصر ثم يتحدث عن التنظيم الطليعي ثم علاقة التنظيم الطليعي بالقضاء تلك العلاقة التي تسببت في مذبحة القضاء بعد ذلك يكشف الوثائق التي عثر عليها ونص التقارير ونصوص بعض الاجتماعات لهذا التنظيم السري.
في المرة القادمة سنتحدث عن علاقة عبد الناصر بالقضاء، ومذبحة القضاء التي وقعت نتيجة سقوط قائمة قضاة التنظيم الطليعي في انتخابات نادي القضاة عام 1969.


