في مدونتنا “ديلولو” نختار عناوين ساخرة لمحتوانا الجاد، لكن هذه المرة لم أجد أكثر سخرية من مقولة أحد الضباط الأحرار، وهو سعد زايد الذي كان وقتها محافظًا للقاهرة وقياديًا بالاتحاد الاشتراكي -تنظيم عبد الناصر الذي كان يدير المشهد السياسي والاجتماعي له- حين قال “البلد ادت القانون أجازة”، معترضًا على ما يفعله القضاة تجاه سياسات الدولة للتغول عليهم في ستينات القرن الماضي.
في رحلتنا لفتح بطن التاريخ المعاصر لمصر توقفنا المرة الماضية عند عام 1963 في مقالنا “بداية بياع الموز”، وتأسيس التنظيم الطليعي وكيف استطاع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر اختراق أجهزة الدولة، حيث كان ذلك التنظيم هو الجهاز السياسي السري للاتحاد الاشتراكي، التنظيم الذي كان يقود الحياة السياسية في مصر ستة عشر عامًا، هذه المرة سنكمل تلك الرحلة وسنتحدث عن التنظيم الطليعي في القضاء، وماذا حدث في السلطة القضائية بعد دخول بعض القضاة التنظيم الطليعي؟ لكن قبل ذلك سنحكي جزءًا من تاريخ السلطة القضائية قبل أن نتطرق على ما حدث بين سلطة عبد الناصر والسلطة القضائية.
يحكي المستشار طارق البشري في كتابه “القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء” عن القضاء ما قبل 1952، في وزارة مصطفى النحاس عام 1943 التي تولى فيها وزارة العدل المستشار محمد صبري أبو علم أمين عام حزب الوفد وقتها. صدر قانون استقلال القضاء، رغم أن استقلال القضاء كان متحققًا قبل ذلك إلا أن الاستقلال كان يستند إلى العُرف وضغط الرأي العام، دون أن يكون مُقننًا لكن مستندًا إلى أحكام عام وردت في دستور 1923 في المواد من 124 إلى 127.
وفي العشرين سنة ما بين الفترتين كان التوازن بين السلطات له أثره في استقرار القضاء واستقلاله، بالإضافة ليقظة الرأي العام، مع تهيئة المناخ الثقافي والاجتماعي والسياسي الجوّ للقضاء للعمل بحرية واستقلال، وبالتأكيد مع ضعف وزارة العدل لكثرة التغييرات الحكومية، بالإضافة لانتهاء المحاكم المختلطة التي كانت انتهاكًا لسيادة مصر القانونية.
لكن في النصف الثاني من عام 1952، تحرك الجيش لخلع الملك فاروق وبعدها بشهور يلغي الملكية ويعلن الجمهورية، بعد إعلان الجمهورية رأى الضباط أن المجتمع المصري مازال قيد التبلور، ورفضوا السير نحو الديمقراطية، فقاموا بحل الأحزاب يناير عام 1953، يقول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عن ذلك في كتابه فلسفة الثورة:
“لقد كنت أتصور قبل 23 يوليو أن الأمة كلها متحفزة متأهبة، وأنها لا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور وتنتهي مهمتها عند ذلك، لكن فاجأني الواقع بعد 23 يوليو، قامت الطليعة بمهمتها واقتحمت سور الطغيان وخلعت الطاغية، لكن كانت الجموع التي دعمتنا أشياعًا متفرقة وفلولًا متناثرة، وتُعَطِّل الزحف المقدس إلى الهدف الكبير”
هكذا كانت نظرة ضباط يوليو الصِّغار للمجتمع المصري، فالمجتمع غير مؤهل ليحكم نفسه، إذ يحتاج لفترة انتقالية تقوده الطليعة خلالها، وبعد أن حلت ثورة يوليو الأحزاب اتجهت الثورة للقضاء، واستغلت الأزمة السياسية التي مرت بها البلاد في مارس 1954، وأمام رفض الجماهير لسياسات الثورة من سير نحو الديكتاتورية، خرجت مسيرات في 28 مارس بتوجيه وإيعاز من تنظيم الثورة السياسي وقتها “هيئة التحرير” ليهتفوا بسقوط الدستور والأحزاب والحرية والديمقراطية، فيما اعتبره مؤرخون وباحثون أغرب مظاهرة في تاريخ مصر الحديث.
في اليوم التالي خرج هؤلاء المتظاهرون باتجاه مقر مجلس الدولة وهتفوا ضد رئيسه المستشار عبد الرزاق السنهوري باشا، ثم اقتحموا المجلس واعتدوا على السنهوري وضربوه بالحذاء، واتهم السنهوري وزير الداخلية آنذاك جمال عبد الناصر، وطلب من زوجته عدم إدخال عبد الناصر عليه حين زاره بالمستشفى، التي دخلها بعد سقوطه على الأرض إثر ذلك الاعتداء، كانت تلك الواقعة التي رسمت بعد ذلك تعامل دول يوليو الناشئة مع القضاء.
نقفز عدة أعوام للأمام لنصل إلى عام 1965، ومحاولات الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر التغلغل داخل القضاء عن طريق ضم بعض القضاة للتنظيم الطليعي، وكان أول القضاة عبد الحميد الجندي ومحمد أبو نصير _الذي كان قبل ذلك عَيْن ثورة يوليو على السنهوري في مجلس الدولة، والذي تولى بعد ذلك وزارة العدل_ وقام الأخير بدعوة بعض المستشارين للانضمام للتنظيم الطليعي، لكن القاضيين ممتاز نصار وعادل يونس رفضا الفكرة واستنكراها، ثم شكيا لوزير العدل وقتها عصام حسونة وشاطرهما الاستنكار وذهب للرئيس عبد الناصر يستنكر ما حدث، لكن فاجأه الرئيس بأن شعراوي جمعة فعل ذلك في الداخلية، وشمس بدران في الجيش، فلماذا لا تفعل ذلك في القضاء، تحفظ الوزير على الفكرة لكن استمر التنظيم الطليعي في النشاط وكان الوزير أحد ضحايا تقارير قضاة التنظيم الطليعي ليُقال بعدها.
لكن علي صبري أمين الاتحاد الاشتراكي، الذي انبثق منه التنظيم الطليعي لم يشعر بالاكتفاء بذلك، ثم نشر _بإيعاز من عبد الناصر_ مقالات في الفترة من 18 إلى 26 من شهر مارس 1967 أي قبل هزيمة يونيو بأقل من ثلاثة أشهر، هذا ما كان يُشغل السلطة المصرية فعلًا وقتها.
علي صبري في تلك المقالات انتقد مبدأ الفصل بين السلطات وطالب القضاة بالانضمام للتنظيمات السياسية التابعة للدولة العلنية منها والسرية، وانتقد بعض الأحكام التي خالف فيها القضاة توجيهات عبد الناصر في الخطابات العلنية، منها قضية مديرية التحرير، وقضية السفير أمين سوكة، وقضية المستشار محمود عبد اللطيف _مُربي عبد الناصر الذي خضع للمحاكمة بتهمة محاولة قلب نظام الحُكم_ لكن يبدو أن عبد الناصر لم يرعى حقًا فيه وسجنه قبل تبرئته، بعد أن ثبت للمحكمة كذب شاهد الإثبات، وثبت بعد ذلك وجود ورقة مكتوبة بخط يد عبد الناصر تم ضبطها في أوراق قضية المذبحة مكتوب فيها “قضاة أمين سوكة ومحمود عبد اللطيف برة” وهو ما حدث وتمت إقالتهم في مذبحة القضاة بعد ذلك.
لكن للطُرفة بعد تبرئة محمود عبد اللطيف أقسم عبد الناصر أن يبقى في السجن حتى الموت، وبقي فعلًا لكن حتى موت عبد الناصر وخرج بعد تنفيذ حكم البراءة بعد وفاة عبد الناصر.
وفي نهاية أغسطس من العام 1969 صدرت القرارات الجمهورية بدعوى إصلاح القضاء، على إثرها ازداد تغول الدولة على القضاء، وفُصل من القضاة أكثر من 180 قاضيًا _شملوا أعضاء مجلس إدارة نادي القضاة الذين فازوا بالانتخابات على قائمة مرشحي الدولة وقتها أو التنظيم الطليعي_ لتسمى تلك القرارات مذبحة القضاء.
لم تكتف الدولة وقتها بفصل أولئك القضاة، بل منعتهم من إصدار كارنيهات المحاماة، ومنعهم من السفر للخارج بعد أن جاءت لهم عقود عمل خارجية، إلى هذا الحد توجع عبد الناصر من أولئك القضاة الذين رفضوا الانصياع لسلطته.
رجع هؤلاء القضاة للخدمة، إذ جاء عهد السادات متظاهرًا بالانقلاب على سياسات عبد الناصر، ومن ضمن تلك السياسات كان التنظيم الطليعي حيث أحداث مايو1971، وتلك الواقعة ستكون موضوع حديثنا المرة القادمة، استمرارًا لرحلتنا في فتح بطن التاريخ المُعاصر لمصر.
المصادر
عبد الناصر والتنظيم الطليعي السري 1971-1963 للمؤرخ حمادة حسني
https://www.goodreads.com/book/show/22851205
سنوات عصيبة: ذكريات نائب عام للمستشار محمد عبد السلام
https://www.goodreads.com/book/show/20719389
القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء للمستشار طارق البشري
https://www.goodreads.com/book/show/11323405
فلسفة الثورة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر
https://www.goodreads.com/en/book/show/6184028
جمال عبد الناصر للكاتب أحمد أبو الفتح رئيس تحرير جريدة المصري (1946 لحد سنة 1954)


