نسعى لكمالٍ ونظنّه المُبْتَغَى
فتضيع أيامنا في حلمٍ ما يُبْتغَى
”سنواتٌ مضت، وتركت فينا ندباتٍ لم تبرأ بعد؛ ندباتٌ أعادت تشكيل نظرتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا، ولا تزال تتجلى في سلوكياتنا يومًا بعد يوم.
ما أقسى تجاربنا، وما أرحم الله بنا!“
بالأمس القريب، خضت تجربة كتابة أول مقال لي عن بعض مراحل حياتي المختلفة؛ تجربة سبحت بي في أعماق الماضي، ونبشت جراح ذكرياتي — التي لم تندمل بعد — لتنسج خيطًا واحدًا بين الماضي والحاضر.
مقالة عائشة الأولى معنا في ديلولو من هنا:
تذكرت بعض تلك اللحظات بمشاعرها المؤلمة، التي ظهرت مجددًا لتحيطني بأجواء خانقة وحزينة؛ قادتني إلى دفتر كتابتي لِأُفرِغَ ما بداخلي.
لا أُحصِي عددَ المرات التي كنت أُعيدُ فيها فعلَ الشيء مرارًا وتكرارًا؛ ظنًا مني أنه لم يُنجَز بالإتقان المطلوب. كان الخطأ بالنسبة لي يثير قلقي، ويصيبني بمشاعر مضطربة تعكر صفو اللحظة، وتلتهم حماستي شيئًا فشيئًا حتى ينتهي بي المطاف إلى ترك الأمر كُلِّيًّا والابتعاد عنه، أو العودة إلى بدايته من جديد بدلًا من المُضِيّ في إكماله.
عزيزي القارئ، هذا مقطع مرئي لفيلم قصير، يشرح فكرة الكمالية في واقع الإنسان. يُظهِرُ لك ذاك المقطع قدْرًا ضئيلًا جدًا مما أسرده لك. فمعالم النزعة الكمالية وتداعياتها على حياة المرء تُشكّل خطرًا جسيمًا عليه.
بذور الكمالية
بعد كتابتي لمقالي الأول، لم تعد ذكريات الماضي أطيافًا عابرة، بل اجتاحتني كواقعٍ أعيشه من جديد، وكأنها فيلم تسجيليّ يعرض كل مشهد بأحداثه ومشاعره أمام عينيّ. فتذكرت ملامح شخصيتي أيام الصِّبا وكيف كنت أشبه والدي في كثير من الأمور حدَّ الذهول، فكأننا وجهان لعملة واحدة؛ إذ اجْتمعَت محاسنُه ومثالبُه في شخصيتي، فالإنسان يظل ابن بيئته كما يقول العرب.
“لا يمكن فهم الإنسان إلا في سياق التاريخ الذي نشأ فيه والبيئة التي كوّنته.”
(العالم النفسي كارل يونغ)—
نشأتُ بين والِدَيْن أحبّاني بصدق، فبذلا كل ما في وسعهما من أجل تربيتي ورعايتي. لم تضِنّ عليّ أمي يومًا بمشاعرها، وبذل أبي كل ما استطاع ليحسن تنشئتي. لكنّ الحياة لا تهبنا دائمًا كل شيء، فتنمو في زوايا القلب أسئلةٌ لا تجد جوابًا، واحتياجٌ لا يُرَى. احتياجٌ خفيّ، يتسلّل في صمت، ويترك أثره في كل اختيار. يكبر معنا دون أن نشعر، ويعيد تشكيل نظرتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا.
في صغري، كنت كلما شرعت في القيام بأمر ما، كان أبي ينصحني بالحرص على أن يكون مثاليًا ومتقنًا تمامًا، وأن أتجنب الخطأ مهما كان صغيرًا، كيْ أتعلم الإتقان والانضباط. فكنت كلما أخطأت في فعل ما —حتى لو كان بسيطًا— يُقابل هذا بتنبيه شديد، ظنًّا منه أنه يغرس فيّ صفة الإتقان والتركيز.
تسلّل هذا الشعور إلىّ بصمت منذ صغري، وبمرور الأيام، نما داخلي رويدًا رويدًا فأصبح جزءًا مني يعبر عن هُويتي، حتى آنَ لحظة ظهوره بشكل جليّ في مرحلة الثانوية العامة.
استنزف هذا الشعور عقلي وجسدي ومشاعري في آنٍ واحد. إلى أن وصلت إلى مرحلة لم أعد أعرف كيف أكمل شيئًا إلى النهاية؛ إذ كنت أطالب نفسي بإتقانه من البداية كي يبدو مثاليًا.
في فترة من فترات حياتي، حددت لنفسي بعض المجالات التي كنت أنوي تعلمها، غير أن خوفي ألّا أتقن أيًّا منها في اللحظات الأولى، كان يدفعني في كل مرة، إلى تركها في منتصف الطريق، والتراجع عن إكمالها إلى النهاية.
بدأت حياتي في التدهور يومًا بعد يوم، وأنا لا أعرف ما السبب، ولماذا يلازمني ذلك الشعور كلما شرعت في القيام بأمر ما، فأخذني الفضول للبحث عنه في بعض كتب علم النفس، وفي كل محركات البحث، وعبر مختلف متصفحات الإنترنت، حتى وجدت أخيرًا تسميةً واضحةً له، فتعرف هذه الحالة بحسب خبراء علم النفس بـ (الكمالية) (perfectionism).
وهي رغبة الإنسان في أن يبدو مثاليا في كل شيء ، وأن يتجنب الخطأ مهما كان . شعورٌ قاسٍ وصارمٌ يفرض على الإنسان ألا يكمل ما بدأه، ليس لأنه غير قادر على الإكمال، بل لأنه يريد أن يفعل الشيء كما نسجه في مخيلته؛ ظنًّا منه أنه يسعى للإتقان، وهو في الحقيقة يسعى لوهم وسراب.
شعورٌ يقود الإنسان تدريجيًا إلى حالة من الفوضى الداخلية، التي على إِثْرِها تتشوه صورة الإنسان أمام نفسه، ومن ثَمَّ أمام الآخرين.
يشير عالم النفس Donald Winnicott في كثير من كتاباته وأعماله إلى مفهوم «الأم الجيدة بما يكفي» (Good Enough Mother) موضحًا أنه لا يشترط على مقدم الرعاية، سواء كان أبًا أو أمًّا أن يكون مثاليا، بل يكفي أن يستجيب لاحتياجات الطفل بشكل عاطفي، ويوفر له بيئة آمنة تسمح له بالتجربة والخطأ.
ومن خلال هذه البيئة، ينشأ الطفل على قبول ذاته، والنظر إلى الخطأ على أنه جزء طبيعي من مرحلة التعلم.
وهذا بدوْرِه يساهم في تقليل احتمالية تكوُّن النزعة الكمالية لديه فيما بعد.
سراب الكمالية
درست في المرحلة الإعدادية، في مادة العلوم، ظاهرة السراب، وتعلمت أنها ظاهرة بصرية طبيعية، يبدو فيها للإنسان كأن هناك ماء أو سطحًا لامعًا على الأرض في الصحراء أو الطرق الساخنة، ولكنها في الحقيقة مجرد وهم بصري لا وجود له.
ثم ودّعت هذه الظاهرة مع انتهاء دراستي، وغابت عن ذهني لسنوات.
لكنني لم أكن أعلم أنها ستعود لتطرق ذهني مرةً أخرى. لكن هذه المرة لم تأت كدرس علمي، بل جاءت على شكل أفكارلا يمكن بلوغها ومشاعر لا تُمسك، يقود هذا المشهد الكبير في المقدمة وهم ”الكمالية“.
لم أكن يومًا تلك الفتاة التي تشعر بالرضا عن نفسها؛ لازمني الخواء، ورافقني السخط كظلٍ لا يفارقني معظم سنواتي الماضية. تلك المشاعر أثخنت قلبي وذهني بإحساس دائم أنني لست كافية، وأنّي لم أحقق شيئًا بعد، وكلما خُيِّل إليَّ أنّي اقتربت من نسخة الكمال التي أحلم بها في مخيلتي، انزاحت عني أكثر، كسراب كلما دنوت منه ابتعد، فأجد نفسي عالقةً بين سعيٍ لا ينتهي وقلق لا يهدأ. عندما كبرت اتسعت مداركي شيئًا فشيئًا؛ لتبدأ غمار خوض تجارب التأمل والإدراك في الحياة . فأدركت أنَّ الكمالية تتطابق مع ظاهرة السراب في جوهر الفكرة، وكأنهما مرآتان تعكسان بعضهما، فكلاهما وهمٌ لا وجود له، ولا يمكن بلوغه.
فمن يسعى للكمال في شئون حياته كالظمآن الذي يلهث خلف سراب في صحراء شاسعة ولا يدركه أبدًا.
كما أن منطق الكمالية منطق جائر، يعصف بالإنسان إلى الهاوية؛ إذ يخلو من أي معيار ثابت وميزانه مختلٌ على الدوام.
ولهذا نجد أن الكماليين مهما حققوا من إنجازات، فهم يرون أنفسهم دائمًا أنهم ليسوا على المستوى المطلوب، ولم يحققوا شيئًا ملموسًا؛ إذ كلما قربوا من النسخة المثالية التي في مخيلتهم، ظهرت نسخة أعلى وأبعد، وفي نهاية المطاف، يتجلى لهم زيف ما كانوا يسعون إليه، ويهتدون إلى الحقيقة اللاذعة وهي أنهم في حلقة مفرغة لا تنتهي، تقود في النهاية إلى وهم نفسي يدمر حياتهم شيئًا فشيئًا.
” اثنان لا يفترقان:
أحدهما يسير في درب الكمالية يطارد حلمًا، والآخر في الصحراء يلهث خلف سراب“
سجن الكمالية
عزيزي القارئ، هل ذقت تجربة السجن في يوم من الأيام؟
لا أعلم ما هي إجابتك، ولكن بالنسبة لإجابتي، فأنا بالفعل، قُدِّر لي أن يكون اسمي مرتبطًا بهذه التجربة القاسية.
سجنت في سجن خفيّ، مكثت فيه أعوامًا كثيرة، ولم أعرف اسمه إلا حينما كبرت.
كنت أنا السجّان والجلاّد في آنٍ واحد، زَلْزَل هذا السجن كياني، وأَثخَنَ قلبي، وكبَّل أفكاري، وقيَّد إبداعي، وأدمَى جسدي، وأنهك مشاعري، ومزَّق روحي.
ذقت ويْلات هذا السجن في صمتٍ وعجز عن الهروب.
عندما أردت أن أعرف اسم هذا السجن، بحثت كثيرًا حتى اهتديت لاسمه، وعرفت أنّه يسمى بسجن «الكمالية»؛ سجنٌ لا يحدُّه مكان أو زمان.
سجنٌ يدخله القاصي والداني، العظماء والعاديون، ولكن القاسم المشترك الذي يجمع بين كل هؤلاء هو سيماء العقلية الكمالية، التي تظهر جليةً في سلوكياتهم وتفكيرهم ونظرتهم لكل أمور حياتهم.
أما أنا فكنت من فئة العاديين الذين قُدّر لهم أن يتجرعوا وطأة هذه التجربة وقسوتها، وما زالت ندباتها شاهدة عليها.
ويقبع أيضًا خلف أسوار هذا السجن كثيرٌ من العظماء؛ الذين قُيّد إبداعهم بأصفادها، وظلت أعمالهم الرائعة حبيسةَ هذا السجن، لم ترَ النور، ولم يُكتب لها الخلود.
ومن بين أولئك الذين قُدِّر لهم أن يتجرعوا ويلات هذا السجن: فرانز كافكا وكلود مونيه.
يُعَدّ فرانز كافكا من أبرز وأهم كتاب الأدب الحديث في القرن العشرين؛ إذ ترك بصمته في فن الرواية والقصة القصيرة. وقد كان لنشأته الأسرية أثرٌ عميق في تشكُّل نزعة الكمالية في شخصيته.
نشأ كافكا في أسرة يهودية من الطبقة المتوسطة وكان الابن الأكبر بين إخوته، وهذا جعله تحت ضغط التوقعات من والده.
اتّسم والد كافكا بالصرامة والحزم والشدة في تربية كافكا، وكان دائم الانتقاد له، يركز على أخطائه ولا يظهر الرضا بسهولة، كثير السخرية من كتاباته وموهبته. كل هذا وَلَّد عند كافكا اعتقادًا بأنه ”غير كاف“، وأن قيمته مرهونة بأن يكون ”بلا أخطاء“، فتشكّل في داخله أن الخطأ ليس تجربة طبيعية، بل شيئًا يستحق العقاب واللوم، وهذا تسبَّب في فقدان ثقته بنفسه، ووضع معايير عالية لنفسه، وخوف دائم من التقصير، وشعور أن قبوله مرتبط بأدائه وإنجازه.
نتيجة لهذه التربية التي تجرَّع لوعتها ومرارتها معظم سنين حياته، تسللت نزعة الكمالية لتستوطن شخصيته وهويته.
حتى أعماله الأدبية لم تسلم من نزعة الكمالية، فقد كان يكتب كثيرًا ويمزق معظم ما كتبه، لشعوره الدائم بأن كتاباته ”غير مكتملة“ و ”غير جديرة بالنشر“، و”لا ترقى للمستوى المطلوب“. كما أوصى صديقه ماكس برود بحرق أعماله بعد موته.
تشابهت حياة الفنان الفرنسي كلود مونيه مع الكاتب فرانز كافكا في كثير من الأمور، فبدت وكأنها تسير على النهج ذاته؛ حتى خُيِّل إلينا أنهما حكاية واحدة بصوتين.
فعَانَى مونيه من نزعة الكمالية في حياته؛ بسبب نشأته الأسرية، وعدم اقتناع والده بموهبته، وظهر هذا في أعماله الفنية ولوحاته، فقد مزَّق عددًا كثيرًا من لوحاته ودمَّرها بنفسه.
أن تتعثّر في الطريق مئات المرات خيرٌ من أن تبقى أسيرًا في سجن الكمالية.
عزيزي القارئ، ربما لا أستطيع أن أقدّم لك حلولًا مثالية للتحرر من أصفاد الكمالية؛ إذ لم أتحرر — بشكل كامل — من قيودها بعد، ولكنني سأشاركك بعض الخطوات التي اتبعتها وساعدتني — ولو قليلاً— على التخفف من وطأتها.
أولًا: لا تنتظر اللحظة المثالية أو الظروف المواتية للبدء في أمر ما. ابدأ في اللحظة الراهنة وبما هو متاح معك الآن. بمجرد أن تخطو خطواتك الأولى سيتضح الطريق شيئًا فشيئًا.
«عليك أن تنجز أجلَّ الأعمال في أسوأ الأزمان؛ لأن أسوأ الأزمان لن تتغيَّر إلا إذا أنجزت فيها أحسن الأعمال، ولأن الزمن السيئ إن جعلك سيئًا فسوف يستمرُّ السوء!
اقطع نِياط الزمن السيئ بأن تنجز فيه أعمالا كريمة.».
د. محمد أبو موسى—
ثانيًا: تقبل عثراتك أثناء سعيك لأحلامك، وانظر إلى أخطائك على أنها جزء مهم وطبيعي من رحلة التعلم.
ثالثًا: لا تقارن نفسك بالآخرين، بل قارنها بمكيال نسخك القديمة، ولاحظ تطورك يومًا بعد يوم.
رابعًا: تقبل محدودية سعيك، وتعاطف دومًا مع نفسك في حدود أقصى ما تقدمه، وتذكر قول الله في كتابه العزيز
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ (41)﴾ [النجم]
خامسًا: لا تألف النعم، وتعلم الرضا حتى في أبسط الأمور، ولا تنس دائمًا أنك ستأخذ أشياءً ناقصة لن تكتمل إلا برضاك عنها، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.
“لا أمَلُّ ثوبي ما وسعني، ولا أمَلُّ زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أمَلُّ دابتي ما حملتني؛ إنَّ الملالَ من سيِّئ الأخلاق.”
عمرو بن العاص —
إن أعجبتك المقالة، فقد تعجبك هذه أيضًا:
دليل فردي
عشت معظم فترات حياتي أتنقل وأرتحل، بيت جديد، مدرسة جديدة، ولصغر سني فكرت أن هذا شأن كل إنسان فلم أحزن، لاحقًا فهمت أنني تعلمت التكيف باكرًا جدًا، وظهر لدي هوسٌ من نوع مختلف: هوس البدايات الجديدة.
للتدوين معنا: يمكنك مراجعة شروط التدوين من هنا:












شكرًا جزيلًا لحضرتك
جميل اوى والله العظيم