عشت معظم فترات حياتي أتنقل وأرتحل، بيت جديد، مدرسة جديدة، ولصغر سني فكرت أن هذا شأن كل إنسان فلم أحزن، لاحقًا فهمت أنني تعلمت التكيف باكرًا جدًا، وظهر لدي هوسٌ من نوع مختلف: هوس البدايات الجديدة.
أكاد أشعر بقدماي لا تستقران في مكان، أريد أن أجرب وأتعلم كل شيء، تنوعت اهتماماتي وباختلاف مراحل عمري كنت أستكشف وأحظى باهتمامات جديدة، أعرّف نفسي أنني أتعلم بالصدفة والخطأ، أذكر يوم قررت تعلم الرسم، وشرعت أرسم واكتشفت صدفة أني أستطيع الرسم، وهكذا في كل أمر آخر.
يوضح علم الأعصاب أن العقل ديناميكي وعلى استعداد للتكيف والنمو؛ إذ تتكون وصلات عصبية جديدة ويعيد الدماغ تنظيم نفسه عندما يتعرض الإنسان لبيئة أو تجربة مختلفة (لغة جديدة، نمط حياة مختلف، أو اكتساب مهارة)
في كل مرة كنت أحاول في شيء من البداية كانت تلازمني دهشة من نوع خاص، بل وتعثر البداية كان له طعم مختلف، ومجرد مراقبة التحسن التدريجي كان يشعرني بأمل في نفسي وفي القادم.
ولما كبرت صرت أرى هذا في كل شيء، شروق الشمس، أيام الجمعة، طليعة الشهر والسنة، أو انتصاف الشهر العربي واكتمال القمر، كل شيء بلا وعي يذكرني أن لا بأس، نحاول من جديد والآتي سيختلف.
عم نبحث حين نبحث عن بدايات جديدة؟
تأتي البدايات الجديدة لتكشف عن مساحة للتدارك، للإصلاح، للأمل..
البيت الجديد كان فرصة لاختيار ديكور أحلى، ربما غرفة أكبر، والمدرسة الجديدة كانت البلد التي لا يعرفني فيها أحد، أحاول إثبات نفسي بهدوء، فرصة لتجديد عهد الشطارة والتنافس الدراسي والأكاديمي.
هناك جانب من الصورة يكشف أن التغير لم يعني انتهاء الأشياء فحسب، ولكن بداية أشياء أخرى أيضًا.
وهناك بدايات أشبه بمحاولات اعتذارية، لأنفسنا وللآخرين ولأحلامنا، ترسخ في ذهني أن كل فرصة تُمنح لي سيُحكم عليها بالضياع إذا لم أقدم الأفضل ولم أتعلم الدرس.
هذا يشي باستمرار حركة العالم، مهما شهدت البشرية من الفظائع، يجد البشر طريقةً للمتابعة والاستمرار، ويجدون طريقهم الجديد للحياة مرة أخرى، عالم نشيده فينهار ثم نشيده ثانيةً بتعبير ريلكه.
تقول ماري أوليڤر في قصيدتها wild geese:
Tell me about despair, yours, and I will tell you mine.
Meanwhile the world goes on.
Meanwhile the sun and the clear pebbles of the rain
are moving across the landscapes,
over the prairies and the deep trees,
the mountains and the rivers.
Meanwhile the wild geese, high in the clean blue air,
are heading home again.
مهما بلغ بنا اليأس سيستمر العالم، الشمس والأنهار والشجر، والطيور المهاجرة مهما طال سفرها ستعود إلى الأوطان.
تجبرنا الحياة بحركتها المستمرة واختلاف أحوالها في أبسط أحداث اليوم، الانتقال من الظلمة للنور، على الانتباه، وتقبل المواساة ومتابعة المسير.
الصدام مع الحنين
حين غادرت الأشياء التي اضطررت لمغادرتها، لم تتركني.
تغرينا الذاكرة بالنظر للخلف، تفقد ما نتركه، هل يبقى على حاله أو يتغير؟ هل يسع أناسًا آخرين؟ هل يكون بدايتهم الجديدة؟
في الحقيقة لم اتوصل لإجابة، وقررت أن أترك الأمور تحدث، أن أشعر بالحنين لما خلفت ورائي، وبالرغم من ذلك أتابع النظر والسير للأمام.
الذاكرة تحدثني: قفا نبك
والله يحدثني: لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
السينما الملهمة
في مشهد من الفيلم الإيطالي «سينما باراديسو» وهو عن صانع الافلام «توتو» يسترجع ذكريات من الطفولة في بلدته، بداية حبه للسينما، وعلاقته بألفريدو عارض الأفلام والذي كان بمثابة أب له.
يخبر ألفريدو توتو أن يرحل بلا رجعة ليحقق حلمه، ألا ينظر إلى الوراء، ألا يغرق في الحنين، وأن ينسى كل شيء.
يرحل توتو لروما عملا بالنصيحة وتتصل والدته ذات يوم لتخبره بوفاة ألفريدو، وكان هذا الخبر كالنبش في الذكريات، يعيده لبلدته الصغيرة ولعهده بألفريدو.
تأملات
تذكرت حينها النص القرآني: وَلَا یَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدࣱ وَٱمۡضُوا۟ حَیۡثُ تُؤۡمَرُونَ
ونزلت الآية في الذين آمنوا من قوم سيدنا لوط عليه السلام، وجاء في التفسير أن الالتفات كان سيجعلهم يتباطئون عن البعد عن ديار الظالمين، كان الحائل بينهم وبين العذاب أن يتابعوا ولا يلتفتوا.
وتأملت نصيحة سيدنا النبي ﷺ: امض ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك.
وهكذا أتعلم كل يوم.. أن أحمل الأطلال في داخلي، وأقطع بها عمري سيرًا على الأقدام، مقرةً بسنة الله في كونه دوام الحركة والتغير، وسنته في عباده لا يصلون إلا بالسير ومتابعة السير.
اقرأ أيضًا موضوعات متعلقة:




❤️❤️❤️
جميييل جدًا 💖💖