لم أخترْ أقداري، ولكنِّي اخترت أن أبحثَ عن معنى في كل تجربةٍ خضتها، وأقدمه إليك؛ كي أختصرَ عليك بعض دروبِ الألم.
يقول الكاتب سمير المرزوق عن مصائر التيه الثلاثة :
“ في دروب التيه، لا خرائط تُرشد، ولا لافتات تحذّر. إمّا أن تجد ضالتك، تلمحها على البعد، فتدرك أنك كنت تمشي نحوها دون أن تدري. أو… ينقذك أحدهم، يأتيك كما تأتي النجاة في اللحظة الأخيرة، بكلمةٍ، بحضورٍ، بنظرةٍ فيها الحياة. وإن لم يكن هذا أو ذاك … تموت، لا جسدًا فقط، بل قلبًا وروحًا، في صحراء لا تترك علامة على من ابتلعتهم. ”
لكل مرحلة في حياة الإنسان طابعُها الخاص؛ فهي تُثيرُ في داخلِه أشياء، وتُخْمِدُ أشياءً أخرى. تنقلت بين خمس مراحل في حياتي، أخذت مني بقدر ما أعطتني.
الطفولة: بذور المعنى الأول
في دهاليز الذاكرة، تقيم ذكريات كثيرة، فمنها ما ينتظر أن يُزاح عنه الغبار، ومنها ما يظل بريقه متوهجًا لا يخبو أبدًا.
-سمير المرزوق
لم أفهم معنى النجاح وأنا في عمر المراهقة ولكني كنت أفهم معنى الطموح منذ صغري. فمنذ نعومة أظافري، كان كل من حولي يعرف أنَّ لي نفسًا توَّاقة لفعلِ الكثير من الأشياء وخَوْضِ التجارب.
وأنا كذلك عَهِدتُّ نفسي وجَبَلْتُها على هذا منذ زمنٍ بعيد.
بدأت قصتي يومَ التحقتُ بالمدرسة الابتدائية في الحي الذي أقطُنُه. كنت طِفلةً مُفْعَمةً بالنشاط، وكان فضولي وحبي للتعلم لا يخبو أبدًا. اشتركت في بعض أنشطة المدرسة كنشاط الإذاعة المدرسية والمسرح. لم أجد متعتي في نشاط المسرح فقد غلبني الخجل الذي وجد طريقه مبكرًا إلى شخصيتي. أما الإذاعة المدرسية فكانت أخف وطأةً عليَّ؛ إذ كان دوري فيها مقتصرًا على ترتيل بعض آيات الذكر الحكيم في فقرة القرآن صباحَ كل يوم مدرسيّ.
أحببت هذه الفترة من حياتي حبًّا جمًّا، رغم ضيق العيْش، لكنَّ الرضا والفرحة كانا أقربَ إلى قلبي.
كانت المدرسة بمثابة المتنفس الوحيد لي في تلك الفترة من حياتي، لذلك كان يغمرني الفرح كل يوم في لحظة استيقاظي وذهابي للمدرسة.
التحقت بعدة أنشطة مدرسية غير الإذاعة؛ حيث انضممت إلى مجلة المدرسة، والبرلمان المدرسيّ، وبعض مسابقات الإلقاء، ومسابقات أوائل الطلبة.
في تلك المرحلة، كنت أحيا بروحي وجسدي وعقلي معًا. عشت كل لحظة وكأنها اللحظة الأخيرة من حياتي؛ لهذا أتذكر كل تفاصيل هذه المرحلة أكثر من غيرِها من مراحل حياتي.
فكان أول ما عَلَق في ذهني، أنّ الاهتمامات والهوايات هي جزء من ذات الإنسان — حتى وإن تغيرت مع الوقت — تعبر عنه، وتوسع مداركه، وتضعه على أول طريق اكتشاف ذاته شيئًا فشيئًا.
وطِيلةَ أعوامي في المرحلة الابتدائية لم ألتحق بأيِّ درسٍ خصوصي مثل بقية أقراني — وهذا ليس بسبب عدم حبي للدروس الخصوصية — وإنما بسبب ظروف نشأتي المادية التي لم تُتِحْ لي هذا الأمر. كنت أحاول الانشغال عن هذا الأمر تماشيًا مع الواقع الذي لم يكن فيه أي خيار آخر سوى مواصلة التعلم الذاتي، مع ما كان يبذله أبي من جهدٍ لمساعدتي في بعض المواد.
انهمكتُ في الكتبِ والتعلم انهماكًا شديدًا، حتى صارت الكتب والمعرفة ملاذًا ورفيقًا لي في هذه المرحلة. كنتُ أقضي وقتًا أطول في التعلم، مُحَاوِلَةً فهم الأشياء بمفردي.
كان أبي دائمًا يُذَكّرني في كل لحظة بتلك الآية العظيمة:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾
والتي أدركت أثرها بعد ذلك بعمق في نفسي.
أتممتُ عامي الحاديَ عشرَ وأنا في الصفِّ السادسِ الابتدائي، ذاك العام الذي أينعت فيه ثماري — بعد خمسِ سنينَ امتزجت بالشقاء والرضا — ورزقني اللهُ من فضله رزقًا وفيرًا.
حصلت في ذلك العام على المركز الأول على المدرسة. ربما يبدو خبرًا عاديًا عند أغلب الناس، ولكنَّه بالنسبة إليَّ كان خبرًا سَطَّر في ذاكرتي أثرًا لا يُمْحى.
كان هذا العام جديرًا بأن يُعلِّمَني معانٍ عِدَّة نُقِشَت في أعماق قلبي. تعلمت فيه معنى الرضا، والصبر على العقبات، ومحاولة تخطيها. أدركتُ أنَّ قدرة الله لا يحدُّها حد، مهما قلَّت المعطيات والأسباب الدنيوية.
شعرت بطعم النجاح لأول مرة في حياتي، فأحببت معناه وكينونته، وأخذت العزم على أن أجعل السعي إليه طريقًا لا أحيدُ عنه.
كان النجاح في نظري معنًى جميلًا براقًا، لم تفسدْه مفاهيم المجتمع المحيط بي.
فمن ضمن معاني النجاح التي أدركتها آنذاك، أن تضع هدفًا نصب عينيك، وتسعى جاهدًا لتحقيقه، متجاوزًا العقبات التي تعترضُ طريقك. وأن تصبر على سعيك وجهدك، حتى يحينَ موعد قطف الثمار.
غربة في المكان…وغربة في النفس
حياتنا هي لوحةٌ نظن أننا نملك خيار تلوينها من البداية للنهاية، ولا نعلم أن الفرشاة تتناوبُها أيادٍ كثيرة. فقراراتنا التي نحسبها حرة، لا تخلو من بصمة مجتمع يفرض، وعائلة تأمل، وظروف تُرغم.
-سمير المرزوق
حان وقت تقديم أوراقي للالتحاق بالمرحلة الإعدادية. وكانت هناك مدرستان لهذه المرحلة، كلاهما في نفس الحي الذي أسكن فيه. إحداهما قريبة من منزلي، والأخرى تبعد عن منزلي قليلًا، وشتَّان بين بيئة التعلم في المدرسة الأولى وما توفره المدرسة الثانية.
كان في مُخيِّلتي أنَّ أهلي سيقدمون أوراقي إلى المدرسة الثانية، كيْ أتواجد في بيئة تساعدني على التطور، وتدعم تفوقي ونبوغي وتُتِيحُ لي أنشطة متنوعة تساعدني على اكتشاف ذاتي شيئًا فشيئًا. ولكنَّ القدر كان له كلمته، التي سبقت إرادتي وطموحي.
تفاجأت أنَّ قرار أهلي الأخير، أن تُقَدَّم أوراقي إلى المدرسة الأولى، لِقرْبِها من منزلي، وخوفهم الزائد عليَّ أن أبتعدَ عنهم ولو قليلًا.
صُدِمْتُ صدمةً كان لها الأثر البالغ على تغير مشاعري تجاه المستقبل والأحلام والطموحات.
لم يكن أمامي أي خيار آخر، سِوَى مواصلة إقناع أهلي بتغيير قرارهم قبل انتهاء مدة التقديم.
بذلت الكثير من المحاولات في إقناعهم، وظللت أُلِحُّ على أمي كثيرًا كي تُغيّر قرارها، ولكن محاولاتي ذهبت أدراج الرياح، وكل جهدي ضاع سُدًى.
استسلمت في النهاية وذهبت إلى المدرسة. كرهت المدرسة كما توقعت؛ لعدم توافقها مع طموحاتي واهتماماتي. فلم أستطع أن أشترك في أي أنشطة مدرسية، وفقدت جزءًا من ذاتي يتمثل في اهتماماتي وهواياتي. كما لم أستطع تكوين أي صداقات في تلك المدرسة؛ فالفجوة الفكرية بيني وبين زميلاتي كانت كبيرةً جدًا. بدأت أشعر بالعزلة والاغتراب عمَّن حولي، ثم امتد هذا الشعور حتى طال نفسي. فكنت أغدو للمدرسة كجسد بلا روح، بينما عقلي في مكان آخر؛ واقفًا عند لحظةٍ لم يستطع تجاوزها لمدة ثلاث سنوات.
أتى الصف الثالث الإعداديّ، وحصلت أيضًا في نهاية العام على المركز الأول على المدرسة. لكنَّ هذه المرة لم تكن كسابقتها؛ فقد غاب الفرح عني.
لم يكن ما فقدته مجرد مكان، بل جزءًا من ذاتي لم أستطع استعادته كما كان.
فأقسى أنواع الغربة أن يعيش المرء غريبًا عن نفسه. كأنّ روحي انقسمت يومًا، ومضى نصفها في اتجاه لا أعرفه.
ومع هذه الروح الباهتة التي سكنتني، غدت أيامي تشبه بعضها، فعمري عمْرُ فتاة مراهقة، وروحي روح عجوزٌ أنهكها التيه حتى اغتربت عن أحلامها.
أدركت متأخرة أن الإنسان لا يزهر إلا في تربةٍ تشبهه…وأن كل تجربة يخوضها مهما كانت مؤلمةً، تكشف له جزءًا من ذاته.
الإجابة النموذجية…وكليات القمة
مخاوفُنا أوهامٌ سكنتْ عقولَنا، وتغذّت على أفكارنا، واختلطت بمشاعرنا، حتى غدت جزءًا أصيلًا من نفوسنا، فلا يكاد المرء يميّز بين حقيقته ونسخته المشوّهة من نفسه.
كبرت عامًا وانتقلت بعدها للمرحلة الثانوية. مرحلة كرداء أسود في خزانة ذكرياتي. مرحلة استعصى عليَّ فهم أيامها وأحداثها، فلم أستطع آنذاك هضم عصارة ذكرياتي فيها.
بدأتُ عهد هذه المرحلة وأنا أتنقل بين الدروس الخصوصية والمنزل فقط، ناسيةً أي ملامح أخرى لهويتي. شخصية تشكلت على أنقاض هوس المذاكرة، وسباق المجموع، وكليات القمة، مهملةً لجوانب حياتها الأخرى. لم أدْرِ ما السبب الذي قادني لهذه الشخصية: أهو المجتمع، أم نفسي، أم مزيجٌ منهما؟
سأكشف لك، عزيزي القارئ، سرًا قد يغوص بك معي في رحلة ذكرياتي؛ رغم أني لا أحب الاستجداء، ولا استدرار الشفقة ولا التعاطف الزائد؛ خشيةَ أن أقع في دور الضحية. كم أمقت هذا الدور الذي يجرد الإنسان من مسؤولياته ويُعيق خطوات سعيه.
تخيَّل أن تعيش بعقلٍ أسيرٍ للكمالية والتفكير المفرط، اللذين يقودانك شيئًا فشيئًا إلى الاكتئاب والقلق. أن تغدو أيامك كلها خائفًا من أوهام مستقبلية لن تحدث، ولكنك لا تستطيع أن تُوقِف طاحونة عقلك؛ فهو يعمل كل لحظة كالماكينة التي لا تتوقف. يحلل الأشياء والمواقف المهمة وغير المهمة، ويفكر في كل شيء بشكل غير واعٍ دون توقف. وكل هذا والكماليةُ أمرٌ آخر؛ فهى تجعلك تتأخر في كل خطواتك، وتستغرق وقتًا أطول في كل شيء.
ظهرت الكمالية بشكل جليّ في مرحلة الثانوية، حيث تسللت إلى شخصيتي وأثرت على جميع جوانب حياتي، وامتد أثرها لسنوات كثيرة بعد تلك المرحلة. لا أعلم إن كان لها بذور طفيفة منذ الصغر أم لا. كل ما أعلمه أنها هدمت جزءًا كبيرًا من حياتي في سنوات تلك المرحلة وما بعدها. فالكماليةُ هي أن يرى عقلك الأشياء بمنظار الأبيض والأسود، إما 0% أو 100%، لا يستطيع أن يرى أي نسبٍ أخرى بينهما، إما أن الدرس تمت مذاكرته أو لم يُذاكر بعد، فلا يوجد في خريطة عقلك نصف الدرس الذي انتهيت منه، بل عقلك يرى أن الدرس كاملًا لم يذاكر بعد؛ فيضطر لإعادته من البداية. فكل شيء في عقلك إما يبدو مكتملًا تماما، ومُنجز بإتقان لا مثيل له بالنسبة لك، أو لم يبدأ بعد.
وأضف إلى كل هذا ضغط المجتمع المحيط بك، الذي يظهر بشكل غير علنيّ، يُفصح عن ذاتِه في ثوْب ناصحٍ أمين، يريد لك الخير. وشعاره أن تحصل على مجموعٍ عالٍ، وتدخل كلية من كليات القمة؛ حيث المكانة الاجتماعية المرموقة التي يحتلها ثلة الملتحقين بها، والوظيفة التي تنتظرهم عند تخرجهم….الخ من المميزات التي لن يجدها أي شخص آخر لم يلتحق بتلك الكليات. وكأن الحياة بأسرِها تُختَصَر في تلك الكليات فقط. ليس شَرطًا أن يكون والداك هما المجتمع الذي يضغط عليك. فقد يأتي الضغط من معلم، أو قريب لك، أو مفهوم يسري في المجتمع كسريان المرض في جسد الإنسان حتى ينال منه.
لم أنس معلم الكيمياء الذي كتب في آخر صفحة من مذكرة الكيمياء للمراجعة النهائية (طب - صيدلة - شرطة)، وفي آخر حصة قُبَيْل الامتحان بعدة أيام، قالها لنا (مشوفش حد منكم دخل حاجة غير كده)! … عقلي كان في تلك اللحظات مُشوّشًا، يفكر في شيء واحد: ماذا لو لم أحصل على مجموع عالٍ؟ ما شكل لحظات الحياة بعد هذه اللحظة؟ هل سأفشل حقًا؟ هل مستقبلي مرهون بتلك الامتحانات؟ هل أنا أمثِّل رقمًا من تلك الأرقام التي تمنحنا باب الحياة والنجاح فيها؟ … معلم اللغة الفرنسية أيضًا، كان له موقف من تلك الكليات، يشبه موقف معلم الكيمياء، لم أنسْ مقولته في حصة من حصص القواعد “ ذاكروا عشان متطلعوش زيي يا عيال”.
لكن لمْ أدْرِ لِمَ معظم المعلمين كانت أذهانهم، وألسنتهم توجه لنا هذه الرسائل، سواء بشكل جادٍ أو هزلي أو بشكل ناصحٍ أمين يعلم مستقبلك وقدراتك أكثر من نفسك. تلك الرسائل كانت تبعثُ في نفسي، من حينٍ لآخر، قدرًا من جلد الذات عند التفكير في لحظات عدم تحققها.
المشكلة أن كل ما كان يُرَوّج له، ويلقى على مسامعنا بين الفينةِ والأخرى، أن تلك الكليات فقط هي التي تضمن لك حياة هنيةً، وعيشةً سوية. لم يكن لدينا الوقت الكافي لنحلل أي كلامٍ نتلقاه من هنا أو هناك، ونتدبر في صحته أو خطئه؛ فكل وقتنا محصورٌ في مذاكرةٍ تؤسس لإجاباتٍ نموذجية في كل مادة، كي لا نحيد عن المسار المرسوم لنا من مجتمعنا.
عندما لاحَت لي فكرة في ذهني — كانت مجرد فكرة — أن ألتحق بالقسم الأدبي قبل مرحلة كتابة التخصصات، وجدت آراء غريبةً لم أدرك “عَبَثِيَّتَها” إلا بعد أول سنة في الجامعة. كانت تلك الآراء الغريبة التي سمعتها آنذاك من عدة أشخاص، أن القسم الأدبي يلتحق به فقط ثُلّة الطلاب قليلو الفهم والذكاء، الذين لا يهمهم التعليم بقدر ما يهمهم الحصول على ليسانس أو بكالوريوس من أي كلية أدبية في النهاية. وأن المواد الأدبية كالفلسفة، والمنطق، وعلم النفس، والتاريخ، والجغرافيا هي مواد ليست بأهمية المواد العلمية. هي في النهاية مجرد مواد نظرية لا يُستفَاد منها، وليس لها مستقبل.
في تلك المرحلة راودتني الكثير من الأسئلة عن مفهوم القدر والسعي، وهل أنا مُخيّرة أم مُسيّرة؟ ما فائدة مذاكرتي وجهدي طالما أن قدري معلومٌ عند الله ولن يتغير؟ لم أكن أفهم الكثير من الأشياء، فعقلي لم يزل في مُستهَلّ رحلته نحو الحياة والتأمل فيها.
أغرقتني أسئلتي التي داهمتني كثيرًا — عن مفهوم القدر والسعي والنجاح والفشل — في دوامة من الحزن وجَلْد الذات؛ فلم أجد لها إجابات بمفردي. كنت أتمنى أن أجد ناصحًا أمينًا حكيمًا يخبرني بإجاباتها، يختصر علىَّ بعضًا من الألم الذي يعتصرُني.
في الصف الثالث الثانوي، ذاكرتُ أول أربعة أشهرٍ من العام وآخر شهرين. أما الشهور التي في المنتصف كانت بمثابة رحلة اكتئابٍ لي، طرقت حياتي دون استئذان مُسْبَقٍ، راوَدَتْني فيها بعض الأفكار السيئة لأتخلص من نفسي.
طبعُا، لن أتكلم عن جَلْد الذات الذي رافقني في معظم أوقاتي، ولا عن احتقار النفس والنظرة الدونية إليها، ولا عن الضغط الذي تملكني حتى نال من جسدي فأُصبت بالقولون العصبي، ولا عن مقولة “أنا فاشلة” التي حفظتها أكثر من اسمي، ولا عن عَبَرَاتي التي رسمت طريقًا في وجهي، ولا عن أسئلتي لنفسي في كل لحظة “ ما جدوى حياتك إن لم تدخلي الطب؟
حاولت كثيرًا أن أؤجل بعض المواد، كيْ أدرسها في السنة التي تليها، وأحصل على مجموع في السنتين يؤهلني لدخول كلية الطب، ولكن باءت محاولاتي بالفشل؛ حيث رفض أهلي هذا القرار.
خضت تجربة الامتحانات التي كانت تلقب في تلك الحقبة الزمنية ب “بعبع الثانوية العامة”، لا أستطيع وصف مشاعري قبل وبعد، ولكن كل ما أتذكره أن جزءًا كبيرًا من قلقي الذي استوطن نفسي وعقلي طيلة العام قلّ بمعدل كبير، حتى استطعت أن أرى الحياة في تلك اللحظات على حقيقتها، وكأنّ القلق الذي كان يساورني كل لحظة كان بمثابة غشاوة على عيني يعيق رؤيتي، ولكنه في الأساس كان يعيق فهمي وتأملي لمعاني الحياة.
أدركت حينها أن القلق عدوٌ خفيّ، قد يُورِدُك المهالك، ويعصف بك، إذا ما استسلمت له، وتركت له نفسك يفعل بها ما يشاء. وأنه قد يكون صديقًا وفيًّا إذا اعتبرته زائرًا خفيفًا يأتيك ليلفت نظرك لبعض الأمور.
دخلت الامتحانات وحصلت على 93.5%، مجموع جيدٌ بالنسبة لحصيلة مذاكرة ستة أشهر فقط، وسيئٌ في “عُرف المجتمع”.
خرجت من تلك المرحلة وأنا مجرد “رقم”، اخْتَبَأَتْ خلفه هُويتي الحقيقية.
مرت أيام هذه المرحلة ولم أفهم بعد ما كان يشغل بالي. لم أحظْ بأن أخرج من تلك المرحلة بمعنى أتشبَّثُ به، معنى يؤازرُني في أوقاتي الصعبة، وينيرُ ظلماتِ قلبي، ويُهَدْهِدُ روحى في أيام انطفائِها، ويكون سلوى لي في سَقَطَاتي، ويُلَملِمُ شَتاتَ قلبي.
ولكن كل ما خرجت به من تلك المرحلة كان العزمُ أن أسلك طرقًا عِدَة، عَلِّي أجد إجاباتٍ تريح فؤادي وعقلي.
كانت سنة الثانوية العامة بمثابة رحلة لبدء الحياة، والتأمل في معانيها.
تحوّلات فكرية مختلفة
التجربة هي مُستَهَلّ رحلتك في الحياة للتعرف على نفسك. أن تُجرّب الأشياء معناه أنك ما زلت على قيد الحياة كإنسان.
مضت أيام المرحلة الانتقالية — وهي المرحلة التي بدأت بعد ظهور نتيجة الثانوية العامة وحتى موعد كتابة رغبات التقديم على الكليات — بمشاعر امتزجت بين بعض الخوف وشعور بالأمل في المستقبل.
في ذلك الوقت، كان لديّ عدد قليل من الخيارات بالنسبة للكليات العلمية؛ حيث انحصرت بين كلية العلوم، والفنون الجميلة، والعلوم الصحية، والتمريض. أمّا بالنسبة للكليات الأدبية، فقد كانت جميع الخيارات متاحةً لي.
في تلك اللحظات، غَمَرَنِي لطفُ الله دون أن أدري، فأوْدع في نفسي مشاعر رفضٍ لكتابة أيّ كلياتٍ علمية في رغبات التخصص، والاكتفاء في الاختيار بين الكليات الأدبية. وبالفعل اخترت كلية التربية ثم قمت بالتحويل إلى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية أولَ يومٍ في الجامعة.
دخلت الجامعة مع رفيقيْن لم يتركاني لحظةً؛ الرفيق الأول «الكمالية»، والرفيق الثاني «التفكير المفرط». لازماني طيلةِ أربعِ سنواتٍ، وكانا أوْفَى صديقيْن؛ إذْ قاما بأداءِ واجبِهِما على أكمل وجهٍ معي.
تنفستُ الصُّعَدَاءَ خلال فترة الجامعة، حيث نلْتُ قدرًا كبيرًا من حريتي. فاستطعت أن أشارك في بعض الأنشطة الطلابية، التي كان لها أثرٌ لا أُنْكِره في إعادة الثقة إلى نفسي، وتغيير بعض المعتقدات، وتوسيع أُفُقِي ومداركي. لكن، رغم كل هذا، لم أجد ضالتي.
مضت سنوات الجامعة وأنا أبحث عن معنى النجاح الحقيقي وسُبُلِ بُلُوغِه، متنقلةً بين تجارب مختلفة في التعلم تارةً، وفي البحث والتأمل تارةً أخرى.
كنت في تلك الفترة أتنقَّل بين شخصيات شَتَّى، تحاول كلٌّ منها أن تنتزع ملامح هُويّتي الأصلية. فمِمَّن تأثرت بهم في بعض الأمور، حاولت أن أتشبّه بهم في بقيتها؛ حتى كِدت أفقد ملامحي أنا، وأضيع عن نفسي.
تسرّبت إلى ذهني مفاهيم كثيرة عن النجاح من أولئك الذين تأثرت بهم، بعضها كان مخالفًا للقيم الدينية التي أؤمن بها، وبعضها الآخر مخالفٌ للفطرة البشرية التي بداخلنا. لا أنكر أنّي تأثرت ببعض هذه المفاهيم لفترة من الوقت لقلة إدراكي، لكن رغم كل هذا، لم يرتح عقلي أو قلبي لأيٍّ منها.
حملت نفسي حمْلًا على المُضِيّ قُدُمًا حتى أنهيت تلك المرحلة.
التجربة بغير مرشدٍ أشبه برحلةٍ في الصحراء بلا بوصلة.
معنًى يُكشَف…نورٌ يظهر.
لا شيء يُضاهي فرح الإنسان بمعنى يتوهج في ذهنه ويضيء دربه.
تخرجت في الجامعة وأتى وقت الانخراط في سوق العمل. عملت فترة في مجال التدريس..المجال الذي أغْدقَ علىَّ بمعانيه، فأنارت لي جزءًا من ظلاماتي.
من خلال هذا المجال، تكشّفت لي معانٍ عدّة غير التي كنت أبحث عنها.
فهمت جزءًا ضئيلًا من معاني الأبوة والأمومة، فاختنقت العَبَرات في مآقيّ عند رؤيتي لبعض مشاهد علاقة الآباء والأمهات بأطفالهم؛ لامَسَتْ كل هذه المشاهد والمشاعر شغاف قلبي حتى أدركت حقيقة غلو “الضّنا” الذي تتعلق به أرواحٌ أخرى.
فهمت شعور التأثير في الآخرين، حين عَبّرَت لي طالبتي في الصف الثاني الابتدائى عن أمنيتها أن تصبح معلمةً مثلي عندما تكبر.
من خلال ذلك المجال، استشعرت عِظَم مهمة التربية التي تقع على كاهل الآباء والأمهات، وضخامة مهمة التعليم التي يُناطُ بها المعلمون.
مرت الأيام، وتغيرت أولوياتي لفترة من الزمن؛ نَتَج عنها تركي لهذا المجال وللعمل بشكلٍ عام.
عاودتني الكثير من الأسئلة عن مفهوم “النجاح” مرةً أخرى في عقلي بلا استئذان، فظللت أعاود البحث عن إجاباتٍ لها مرارًا وتكرارًا حتى هداني الله — بغير حولٍ مني ولا قوة — إلى معنى أضاء أيامي، وغيّر في شخصيتي الكثير من الصفات، وبدّل حياتي رأسًا على عقب.
من المعاني التي منّ الله علىّ بمعرفتها معنى “الفلاح”، وهو معنى أقرب للفطرة البشرية التي خُلِق عليها الإنسان.
عرفت هذا المعنى من خلال منشور على الفيسبوك، حيث شرح كاتبه باستفاضة كل جوانب المعنى. ربما ينشر الإنسان شيئًا لا يلق له بالًا فيغير هذا الكلام حياة إنسان آخر.
علمت أن النجاح في الدين الإسلامي يُسَمى فلاح، وأنه أوسع من جميع المفاهيم الحديثة التي تختزلها الرأسمالية في النجاح المادي بأشياء يمكن قياسها، بل رحابته تشمل كل فئات البشر بجميع أعمارهم وقدراتهم وطرق تفكيرهم.
في الإسلام تجد أن كل عمل يقرب الإنسان للآخرة فهو فلاح، ولا يُشترط أن يكون العمل كبيرًا، ولكن المهم أن يكون خالصًا يُبْتغَى به وجه الله.
فميزان الدين في تعريفه لمفهوم الفلاح هو الفوز بالجنة والنجاة من النار. قد يعمل الإنسان عملًا صغيرًا في ميزان البشر ولكنه عند الله يُعَدُّ كبيرًا، وقد يدخل الإنسان الجنة بهذا العمل، وقد يعمل المرء عملًا كبيرًا في ميزان البشر ولكن يُورِدُه المهالك ويَزُجُّ به في النار. فيخبرنا القرآن في آياته أن الفلاح هو أن ينجو الإنسان من النار في الآخرة ويفوز بالجنة. قال الله تعالى في كتابه العزيز في سورة آل عمران “ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)”.
وأيضًا في السُنّة النبوية نجد الكثير من الأحاديث التي تحُضّنا على مفهوم الفلاح وليس النجاح والتي تسع جميع الناس بمختلف قدراتهم وأعمارهم وطباعهم.
قال رسول الله ﷺ:
“لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ”.
بمعرفتي لهذا المعنى، تبدّد الكثير من غياهب الغموض، وشعرت كأنّ نافذة جديدة قد فتحت في عقلي.
أعجز عن وصف شكل حياتي قبل معرفتي بهذا المعنى وبعده، وعن التغيرات التي انهالت عليّ في جوانب كثيرة من حياتي، لكن كل ما أعلمه يقينًا أن معاناتي طوال الأعوام السابقة مع «التفكير المفرط» و«الكمالية» قلّت بنسبة كبيرة، وكأني أُولَد من جديد.
أدركت حينها أن المعنى هو أغلى شيء يمتلكه الإنسان. فكل شيء في هذا الكون يسير في فَلَك المعنى.





"معنًى يُكشَف…نورٌ يظهر"
جميل جدًا💙
"كل شيء في هذا الكون يسير في فلك المعني "
قد أفلح من تزكي وذكر اسم ربه فصلي
عظيم جداً وصف تعريف مصطلح الفلاح بشكل قصصي مدمج بتجربة شخصية