ملحوظة محرر: تنتمي هذه المقالة إلى سلسلة مقالات في ديلولو عن صورة الشرير على الشاشة كلها تبدأ بـ POV
المقالة السابقة عن الجوكر
شاهدت في طفولتي فيلم Snow White and the Seven Dwarfs (1937).
انتهى الفيلم كما بدأ تقريبًا؛ بلا تغيّر حقيقي في دواخل شخصياته.
الشريرة بقيت شريرة حتى النهاية، لم تتبدّل، لم تتعلم، لم تتردد. وكأن الحكاية لا تؤمن أصلًا بإمكانية التغيّر.
يتكرر هذا النمط في حكايات مثل Cinderella (1950): خيرٌ واضح، وشرٌ واضح، ونهاية تُكافئ هذا وتعاقب ذاك.
كما أن الحكايات الأوروبية الكلاسيكية مثل Hansel and Gretel التي كتبت 1812 تعلم الأطفال الحذر، الشجاعة، والذكاء في مواجهة المخاطر.
توضح أن الخير لا ينجح دائمًا بالبراءة وحدها، بل يحتاج إلى قرار واعٍ وتصرف شجاع للنجاة.
لكن بعد سنوات، شاهدت How the Grinch Stole Christmas! (2000)،
وهنا… حدث شيء مختلف. الغرينش ليس شريرًا تقليديًا،
بل كائن—كما تصفه القصة—
“Every Who down in Whoville liked Christmas a lot, but the Grinch… did not.”
هو لا يحب الكريسماس، ولا يسعى لشيء كبير، فقط… أن يطفئ فرحة الآخرين.
في المقابل، تظهر الطفلة الصغيرة Cindy Lou Who، العطوفة الحنونة على الجميع وعلى أمها، التي ترى فيه ما لا يراه هو في نفسه. تعامله بلطف، بلا خوف، بلا أحكام.
وحين يسرق جرينيش كل مظاهر العيد، يحدث ما لم يتوقعه:
“It came without ribbons! It came without tags!
It came without packages, boxes, or bags!”
عيد بلا مظاهر استهلاكية!
الفرح إذا لا يعتمد على الأشياء. الناس يغنون رغم الفقد، ويحتفلون رغم الغياب.
وهنا، لا يُهزم الغرينش، بل… يتذكّر:
“Maybe Christmas… perhaps… means a little bit more.”
ربما الكريسماس يعني الكثير أكثر من ذلك!
يتذكّر طفولته، وحدته، حرمانه، وفي لحظة إدراك صافية—
“And what happened then…?
Well… in Whoville they say… that the Grinch’s small heart grew three sizes that day!”
وهنا يكبر قلبه، مرتين… أو ربما ثلاثًا.
وفي تراثنا العربي، نجد مثالًا على القيم التقليدية في قصة الشاطر حسن.
الولد المجتهد والمثابر يُكافأ دائمًا بحياة جيدة وسعادة وغنى.
هذه الحكايات القديمة كانت تهدف لتعليم الأطفال أهمية العمل الجاد والفضائل.
قبل الحرب العالمية الأولى والثانية، كانت حكايات الأطفال تميل إلى الوضوح الأخلاقي الصارم: الخير يُكافأ، والشر يُعاقب.
حكايات Brothers Grimm في أوروبا وغيرها لم تكن للترفيه فقط، بل للتأديب والتحذير، وتوجيه الأطفال نحو الفضائل والسلوكيات الصالحة. الإنسان لم يعد مجرد “طيب” أو “شرير”. لكنها تظل بسيطة وواضحة في أخلاقها: الخير يُكافأ، والكسل أو الشر يُعاقب.
بعد الحربين، تغير العالم، ولم يعد الخير والشر مفهومان مطلقان. العنف والخوف أصبحا تجارب حقيقية، والأطفال صاروا أكثر وعيًا بالتعقيدات النفسية للبشر.
تطور علم النفس لعب دورًا مهمًا في هذا التحول.
فهم دوافع الشخصيات، traumas الطفولة، والاضطرابات النفسية أصبح جزءًا من سرد القصص، مما جعل الأطفال يقرأون ليس فقط ماذا حدث؟ بل لماذا حدث؟ وكيف يمكن أن تتغير النفس البشرية مع التجارب والظروف.
عند ظهور الكرتون، لم يكن هدفه دائمًا أخلاقي.
في البداية، كان ترفيهيًا بالكامل، وأحيانًا يحتوي على مشاهد غير مناسبة تمامًا للضحك فقط، مثل Tom & Jerry، حيث الفكاهة تعتمد على العنف المبالغ فيه وليس على درس أخلاقي.
مع مرور الوقت، بدأت الرسوم المتحركة تميل إلى إيصال قيم أو دروس بطرق مبتكرة، لكن المرح والترفيه ظل حاضرًا بقوة.
تذكّرت أيضًا قصة قرأتها في طفولتي لم أفهمها جيدًا وقتها: العاصي والمعابد.
في القصة، يتحول العابد إلى عاصي، والعاصي إلى عابد، وينتهيان حياتهما على هذا التحول المتبادل.
هذا المثال يوضح أن القصص ليست دائمًا عن الخير والشر المطلق، بل عن التغيرات الداخلية المعقدة، وعن أن البشر قد يتغيرون بحسب تجاربهم وقراراتهم، وأحيانًا بشكل غير متوقع.
وهنا تصبح الحكاية أكثر إثارة للاهتمام…
لأن Dr. Seuss نفسه (1957) يُقال إنه في أحد الأعياد لم يشعر بالفرح، فزوجته كانت حينها مريضة، وحين نظر في المرآة… رأى كائن الغرينش لأول مرة!
بل إن الكلمة نفسها—”Grinch”—لم تكن موجودة في اللغة، حتى صكها هو.
القصص الحديثة لا تسأل: ماذا فعلت؟
بل: لماذا فعلت؟
نرى ذلك بوضوح في أفلام مثل:
Maleficent، حيث نُجبر على رؤية القصة من زاوية الساحرة نفسها، وفهم دوافعها، وليس فقط الحكم عليها كشريرة.
Cruella، حيث يُستعرض ماضي الشخصيات المؤلمة وأسباب سلوكها، فيُصبح الشر أحيانًا نتيجة التجارب والمحن. تتغير تفاصيل القصة وبنائها حتى كأنها قصة أخرى تماما عن الفتاة التي تحب الأزياء! وربما هنالك رمزية في نصفها الأبيض ونصفها الأسود تمامًا.
حتى القصص الكلاسيكية يمكن إعادة النظر فيها عند تغيير زاوية الراوي.
مثال واضح: Little Red Riding Hood / ليلى والذئب، حيث تتغير الصورة لو سمعنا القصة من الذئب نفسه: هل هو شرير بطبعه، أم ضحية سوء الفهم، أو استجابة لمحفزات خارجية؟
السلطة للراوي.
الراوي هو من يقرر من يُنتصر، من يُعاقب، ومن يُبرر. في كل قصة، من زاوية من تُروى الحكاية، تتشكل نظرتنا للشخصيات وللخير والشر، أحيانًا بشكل واضح، وأحيانًا بشكل مُضلل. فهم هذه السلطة يمنحنا وعياً أكبر عند قراءة أي حكاية، سواء كانت للأطفال أو للكبار.
وكما يقول المؤرخون:
“التاريخ يكتبه المنتصر.”
هذا صحيح أيضًا في الحكايات: من يروي القصة يحدد من يُنتصر، من يُعاقب، ومن يُبرر.
من زاوية الراوي، تتشكل نظرتنا للخير والشر، أحيانًا بشكل واضح، وأحيانًا بشكل مُضلل.
فهل كل من تألم… يؤذي؟
أم أن هذا مجرد تفسير مريح؟
يظل هنالك احتمال.
احتمال أن يتغير الإنسان،
أن يرى نفسه بوضوح،
أن يختار—رغم كل شيء—أن يكون أرحم.
لكنها ليست قاعدة.
وبين هذا وذاك،
تظل الحكايات تتغير…
لأننا نحن نتغير.
وفي تراثنا الإسلامي نؤمن أن قلوب العباد بين يدي الله يقلبها كيفما يشاء. كما قال رسولنا الكريم.
يخلق هذا بداخلنا شك واجتهاد دائمين ومحاولات لاختيار الخير لا تنتهي.
اقرأ أيضًا لـ Khadijah :
الشاعر أبو ماضي قال ايه؟
ما وظيفة الشعر؟ سؤال بحاجة لإجابة لكن لي قصة وقصص مع الشعر. في 2018 ابني قاسم كان يباغتني كلما رآى تغير وجهي قائلا لي الشاعر أبو ماضي قال ايه؟ الشاعر اللي أكبر مني ومنك اللي مات قال “ابتسم”.. كنت حينها أعاني بعد ولادة ليلى من اكتئاب بهدلني... اسأل نفسي الآن عن وظيفة الشعر الذي كان دائما قريبا من القلب..









عظيم يا دوچا استمري حبيت التأملات دي جدًا والمقال كله بشكل عام ممتع وحسيته خدني في رحلة طويلة ممتعة لأفلام الكارتون والقصص ومنها للدروس الأخلاقية ♥️
"فهم السلطة يمنحنا وعيا أكبر عند قراءة كل حكاية".. فلسفة مثيرة للاهتمام مغلفة بنوستالجيا محببة وسرد سلس وسينمائية لذيذة ❤️