ما وظيفة الشعر؟ سؤال بحاجة لإجابة لكن لي قصة وقصص مع الشعر. في 2018 ابني قاسم كان يباغتني كلما رآى تغير وجهي قائلا لي الشاعر أبو ماضي قال ايه؟ الشاعر اللي أكبر مني ومنك اللي مات قال “ابتسم”.. كنت حينها أعاني بعد ولادة ليلى من اكتئاب بهدلني... اسأل نفسي الآن عن وظيفة الشعر الذي كان دائما قريبا من القلب..
لطالما أحببت الشعر، أحببت الشعر الذي درسته في المدرسة وبحثت عنه أكثر بعد ذلك. مازلت أحفظ بعضا منه:
اِلْعَبْ بِالرَّمْلِ وَلاَ تَتْعَــــبْ
قَدْ أَوْشَكَ صَيْفُكَ أَنْ يَذْهَبْ
وَقَرِيبًــــــــا تَكْبُرُ يَا أَمَلِـي
وَيَعُودُ الصَّيْفُ وَلاَ تَلْعَــبْ
من منا لا يحركه الشعر؟ سمعت مقولة أعجبتني في الراديو في المرات القليلة التي استمعت فيها له “من لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج”.
نضيف الشعر للربيع والأزهار والعود والأوتار وإن كان الشعر يجمع كل هذه الأشياء جميعا فهو ربيع وحدائق وموسيقى وألحان وشجن وكل هذا بالكلمات.
درست لأبي فراس الحمداني قصيدة كتبها في أسره:
أسرتُ وما صحبي بعزلٍ، لدى الوغى ، ولا فرسي مهرٌ ، ولا ربهُ غمرُ!
و لكنْ إذا حمَّ القضاءُ على أمرىء فليسَ لهُ برٌّ يقيهِ، ولا بحرُ !
كتبت... كتبت بعض الكتابات خلال دراستي الثانوية. أختي عائشة كانت تحب أن تسمع ما أكتبه وكان يعجبها. من أوائل ما كتبته كان محاكاة لقصيدة درويش ليتني شمعة في الظلام. عرفت أمل دنقل من المدرسة واعتقدت بأنه سيدة لأن اسمه أمل، درست له البكاء بين يدي زرقاء اليمامة
أسأل يا زرقاء ..
عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ!
عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟
كيف حملتُ العار..
ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟!
ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !
درست بعدها الطريق إلى رأس التل:
ماذا لو تقتَصُّ الأرضُ
من الُكلِّ
بما كسبتْ أيدي البعض ؟
تُراها ، هل تَخْضَرُّ لسائمةٍ ؟
أو تُنبِتُ فُلاًّ لحبيبين ،
تراءى لهُما أنّ العُمرَ طويلٌ
وبياضٌ كالفُلِّ .
تُراها ، هل تنضحُ, ماءً ،
لجبينٍ يتغشّاهُ لهيبُ الصّحراءْ ؟
ماذا لو تقتصُّ الأرضُ من الأبناء ِ
بما كسَبَتْ أيدي الآباءْ ؟
أتذكرني الآن فتاة جميلة أحبها، تجلس على كرسي مكتبها في الغرفة التي كانت مطبخا صغيرا حين انتقلوا لهذا البيت.
تذكر الفتاة مشهدا لوالدها وهو في المطبخ وهي تنظر إليه من شباك الغرفة المطل على المطبخ. تصبح الغرفة بعد ذلك غرفة أخي، ونبنى مطبخ كبير في حوش البيت في المكان الذي كان من قبل تراب فيه نخلة، وأحضر خالي طيور لا اذكر نوعها لكن اذكر مراقبتي لها فجرا من باب الصالة.
بعد ذلك سافر أخي وأصبحت غرفته غرفة المكاتب والدراسة. أختي عائشة كانت تحب أن تمسك كتابها وتذاكر في الصالة مع كل الضوضاء، أما أنا فأغلق باب غرفة المكاتب وأنظف المكتب وأعد مشروبا لي وأجلس للمذاكرة، وفي أوقات أخرى أجلس تحت المكتب لصنع أشياء يدوية، كم تمنيت وأنا صغيرة أن أنضم لنادي صيفي أتعلم فيه حرفا يدوية.
هذه الفتاة كانت تضع ملصقات حول المكتب وترش عطرا وفي إحدى ليالي الثانوية العامة ظهر لها برصًا من فتحة المكيف. فزعت وقلبي كان يؤلمني من السهر -كانت أختي عائشة لا تسهر للمذاكرة أبدًا وتنام مبكرا- ركضت لغرفة أمي وأبي ووقفت فوق الأريكة في غرفتهم من الفزع.
أما عن ليلة مذاكرة العربي كانت أجمل الليالي جلست أتغنى بالقصائد وأضحك وأمرح:
سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعْداءِ كالنِّسْر فوقَ القِمَّة الشَّمَّاءِ
أَرْنو إِلَى الشَّمْسِ المضِيئّة ..،هازِئاً بالسُّحْبِ، والأمطارِ، والأَنواءِ
لا أرمقُ الظلَّ الكئيبَ..، ولا أَرى ما في قرار الهَوّة السوداءِ
وأسيرُ في دُنيا المشاعِر، حَالماَ، غرِداً- وتلكَ سعادة الشعراءِ
أُصغِي لموسيقى الحياة ، وَوَحْيها وأذيبُ روحَ الكونِ في إنْشائي
لم أواجه صعوبة في البلاغة أو النحو ولم تتداخل علي الأساليب البيانية أو أنواع التشبيه: التشبيه البليغ التشبيه الضمني.
العروض والبحور الشعرية كانت جمال:
بُحُورُ الشعْرِ وافِرُها جَمِيلُ - - - مُفَاعَلَتُنْ مُفَاعَلَتُنْ فَعُولُنْ.
تقف مدرستي وتلبس فستانا وشباك الصف مفتوح والهواء جميل ونرفع صوتا ونحن ندرس العروض:
كَمَلُ الجمالِ من البُحُورِ الكامل - - - مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ.
كتبت خلال الثانوية عددة نصوص بها لحن “بتتوه وتتوهني” كتبتها عن مصر وهنا وهناك، عن الثورة والحلم الأبيض، عن رغبتي في الزواج والنجاح وكتبت “حاجات عبيطة” وكنت امشي مع صديقاتي واقرأ لهم ما كتبت.
من كل قلبي أحب فتاة الثانوية أحبها بكل جمالها وحيويتها.
سافرت مصر وقرأت لأبو قاسم بعضا مما كتبت، واشتريت ثاني ديوان أشتريه في حياتي كلها مجموعة أعمال درويش ثلاثة أجزاء -كان الأول ديوانًا لأحمد مطر أهديته بعدها لأختي عائشة-
قرأنا درويش سويا وعشت الشعر معه. اشترينا سويا ديوان أمل دنقل وبعدها أتى ديوان أبي القاسم الشابي هدية مع مجلة.
توقفت عن كتابة النصوص الملحنة كتبت القليل منها على فترات متباعدة.
ثم انقطعت عن الكتابة. قابلت الشاعر أحمد بخيت.
قرأت شعر صديقنا عبدالرحمن ناصر وأذكر أجزاء منه. سجلت في إعلام حلوان ودرست لسنتين وأخذت مساق لغة عربية أذكر منه:
تسائلني : و هل أحببت مثلي ؟ وكم معشوقة لك أو خليلة ؟
فقلت لها و قد همّت بكأسي إلى شفتيّ راحتها النحيله:
نسيت و ما أرى أحببت يوما كحبّك ، لا ، و لم أعرف مثيله !
وقاسم صغير قرأت له من ديوان أبي القاسم الشابي وسجلت همهماته التفاعلية مع قرائتي للشعر لكن التسجيلات ضاعت مني.
قرأت في راوية فرج عن لعبة الشعر التي كانت تلعبها البطلة ندى مع والدها، تمنيت مشهدا كهذا مع أولادي: اللعبة قائمة على مبدأ أن تأتي ببيت يبدأ بالحرف الذي انتهى به البيت الذي قاله اللاعب الآخر وهكذا... لعبت هذه اللعبة مع أختيّ زينب وعائشة ولكن بكلمات الأغاني.
وأنا صغيرة كنت أدندن مع نفسي دوما “الشب الأسمر جنني يا عيوني يا عيوني” ولطالما شغلتني أغنية “الأرض بتتكلم عربي الأرض الأرض” كنت اتخيل من يغني واقف في مكان خال واسع لا بشر ولا زرع.
أغنية “هذا اللون عليك يجنن يشبه لون عيونك نظرات العالم ما تطمن أخافهم يحسدونك” حفظتها لأن ابن صديق أمي حرفها وأزال حرفا منها فصارت مضحكة.
وفي فترة ما انقطعت تماما عن الأغاني.
في مصر، سمعت أم كلثوم وكانت أغنية انت عمري تبدأ مع بداية الطريق من القاهرة حتى الوصول للسويس. سمعت فيروز وسمعت “اهو ده اللي صار”، وفي بداية زواجي سمعت زوجي يدندن “يا برنس الليالي يا رمانة الميزان يا هاف دفندر قلبي فينك من زمان كان حبك بالمجاني دلوقتي بقيت الماني”.
وكنا نسمع في الطريق سويا ماجدة الرومي تذكر إسراء ذلك وصديقة أخرى تخبرني بأنها حين يصادف أن تركب تاكسي يكون به ريحة سيارتنا ترغب في أن يطول الطريق.
في جامعة الشارقة سجلت في مادة تاريخ عباسي وحصلت على جيد جدا مرتفع وبعد ذلك تبين أنها ليست مطلوبة مني ولكن ذات صباح حدثنا الدكتور عن عباس بن الأحنف وقصيدته التي مطلعها:
أَزَينَ نِساءِ العالَمينَ أَجيبي دُعاءَ مَشوقٍ بِالعِراقِ غَريبِ
كَتَبتُ كِتابي ما أُقيمُ حُروفَهُ لِشِدَّةِ إِعوالي وَطولِ نَحيبي
أَخُطُّ وَأَمحو ما خَطَطتُ بِعَبرَةٍ تَسُحُّ عَلى القُرطاسِ سَحَّ غُروبِ
أَيا فَوزُ لَو أَبصَرتِني ما عَرَفتِني لِطولِ شُجوني بَعدَكُم وَشُحوبي
وبعد ذلك اشتري لقاسم مجلة ماجد ويأتي مع العدد هدية بوستر لقصيدة إيليا أبو ماضي ابتسم اقرأها له.
علمت ابني كلمة قصيدة وشعر والصدفة الجميلة عرفتنا على قصيدة “ابتسم” وقرأناها مرة وعلقناها في الغرفة قرأت له “صوت صفير البلبل” قلت قد ينسجم معها سألني سؤال لا أذكره فقرأت له قصيدة أخرى لا أذكرها.
لا أحفظ الكثير من الشعر ولا أدري إن كنت سأعلم ابني وأحفظه شعرا ولا أدري إن كنا سنلعب لعبة الشعر كندى ووالدها من رواية فرج لرضوى عاشور ولكن الشاعر إيليا أبو ماضي قال ايه؟ قال “ابتسم”.
قال السماء كئيبة وتجهما قلت ابتسم يكفي التجهم في السما
قال الصبا ولى فقلت له ابتسم لن يرجع الأسف الصبا المتصرما
قال التي كانت سمائي في الهوى صارت لنفسي في الغرام جهنما
خانت عهودي بعدما ملكتها قلبي فكيف أطيق أن أتبسما
قلت ابتسم واطرب فلو قارنتها قضيت عمرك كله متألما
قال التجارة في صراع هائل مثل المسافر كاد يقتله الظما
أو غادة مسلولة محتاجة لدم وتنفث كلما لهثت دما
قلت ابتسم ما أنت جالب دائها وشفائها فإذا ابتسمت فربما
أيكون غيرك مجرما وتبيت في وجل كأنك أنت صرت المجرما
قال العدى حولي علت صيحاتهم أأسر والأعداء حولي الحمى
قلت ابتسم لم يطلبوك بذمهم لو لم تكن منهم أجل وأعظما
قال المواسم قد بدت أعلامها وتعرضت لي في الملابس والدمى
وعلي للأحباب فرض لازم لكن كفي ليس تملك درهما
قلت ابتسم يكفيك أنك لم تزل حيا ولست من الأحبة معدما
قال الليالي جرعتني علقما قلت ابتسم ولئن جرعت العلقما
فلعل غيرك إن رآك مرنما طرح الكآبة جانبا وترنما
أتراك تغنم بالتبرم درهما أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما
يا صاح لا خطر على شفتيك أن تتلثما والوجه أن يتحطما
فاضحك فإن الشهب تضحك والدجى متلاطم ولذا نحب الأنجما
قال البشاشة ليس تسعد كائنا يأتي إلى الدنيا ويذهب مرغما
قلت ابتسم ما دام بينك والردى شبر فإنك بعد لن تتبسما




يا سلام على الجمال 💘