اقتحمت خلود حياتي بسرعة دافئة وبسلاسة لا مثيل لها بفضل بقلاوتها الشهية التي تهاديني بقطعة أو قطعتين منها كل حين، فأصبحت رفيقتي في أغلب تحركاتي، فنذهب إلى المناسبات التي ينظمها جامع الولاية معًا وتصحبني يوم الجمعة لتساعدني في توزيع الوجبات الساخنة على المشردين، وترافقني أحيانًا أخرى إلى المنزل بعد انقضاء ساعات العمل، بل وجدت طريقها إلى قلب والديّ فأصبحا يسألان عنها إن عدت يومًا إلى البيت في موعد العشاء من دونها، وفي كل مرة تأتي خلود مصطحبة معها ابتسامتها العذبة وبقلاوتها التي أعدّها من نعيم الجنة المعجّل، وإن حضرت يومًا من دونها أشعر بقليل من خيبة الأمل، فأثني على بقلاوتها، والحرج يملأ نظراتي ويغمر بشرتي بحمرته، لأذكرها - بمواربة - أن تأتي بها في المرة القادمة، فتضحك خلود وتعدني أن تفعل.
وذات ليلة أوشكت على الاستغراق في النوم حين سمعت صوتًا ينبعث من هاتفي لأجد رسالة من خلود تذكرني فيها برغبتها في مرافقتي غدًا لتوزيع الوجبات على المشردين، فأجبتها أن مرحبًا بها على الدوام، فأضافت، ويا لفرحتي، أنها ستحضر البقلاوة من أجلي، بل وستصنع كمية تكفي لتوزيعها كحلوى مع الوجبات، فارتسمت ابتسامة واسعة على صفحة وجهي، وأخذت أذكر نفسي وأمنيها بمذاقها العذب، فزارني النوم ليلتها بسرعة غير معهودة واستغرقت فيه عميقًا.
جلست إلى جواري في السيارة وعلبة البقلاوة ساكنة بين يديها، ورائحتها تجري لعابي داخل فمي فأبتلع ريقي بين الحين والآخر. وحديثها، كبقلاوتها، ممتع وشهي، وعقلي منشغل به وبحلواها وبالطريق معًا، فلم نشعر بمرور الوقت.
وسرعان ما وصلنا وبدأنا بتحية “الطيبين”، كما تسميهم خلود، ثم بتوزيع الوجبات المصحوبة بقطعة من البقلاوة، التي اكتسبت شعبية فورية بينهم، وشتان بين أدائي لهذه المهمة وبين قيام خلود بها، فبينما اعتدت توزيع الوجبات بشكل عملي ونمطي، لأتم الأمر في وقت قياسي، اجتذبت بقلاوة خلود وضحكاتها وحركتها البطيئة وكلامها الوفير الكثيرين للدردشة.
فأقبلت سيدة رثة المظهر، قصيرة القامة ومكتنزة بعض الشيء، وسألتنا بحماس، “هل أنتما من العرب؟” هممت بالرد، ولكن خلود سارعت بالإجابة بحماس مماثل، فإذا بالسيدة تكاد تقفز وهي تعبر عن سعادتها لمقابلتها عربًا من جديد، وأخذت تحكي بحماس وبصوت مرتفع عن جدتها التي عملت في مطعم كان يملكه رجل عربيّ، وعن حبّها لصوت الحروف العربية ومذاق الأطعمة العربية، ثم بدأت تصف لنا كيف كان الرجل يصلي وهي تحاول تذكر بعض الكلمات العربية بصعوبة شديدة، وتحلّق حولنا آخرون في إعجاب، منهم كهل طويل القامة، أبيض الشعر وطويله، كث اللحية والشارب، ويرتدي قبعة صوفية ومعطفًا طويلًا لا يبدو مناسبًا له تمامًا، يمضغ البقلاوة ويستمع إليها وهو يحدق بي في فضول، ثم بادرني بالسؤال فور ابتلاعها، “من أي البلاد أنت؟”، فأجبته بأنني من مصر وأن صديقتي من سوريا، وما إن أنهيت كلامي حتى نكس الرجل رأسه وشرع في البكاء.
وقفت أحدق به في غير فهم أولًا، وانضمت إليّ خلود تسألني عمّا به، فلم أحر لها جوابًا، وظللت أكرر “لا بأس عليك” فحسب، بينما هرعت خلود إليه، تربت على كتفيه وتواسيه وتحاول سؤاله عمّا ضايقه، وبعد شهيق مرتفع أخذ يجفف دموعه ويقول من بينها “المعذرة، فإنني أشعر بالخزي لما نفعله بكم”.
انعقد لساني وتجمدت في مكاني، بينما تجمعت الدموع في عيني خلود، ورغم انعقاد لسانها كذلك، ظلتا يديها تواسيان الرجل في رفق، ورغم أنني أعتبرني شخصًا عمليًا يجيد تدارك المواقف وابتكار الحلول المناسبة سريعًا، وجدتني الآن حائرة فيما ينبغي عليّ فعله، فوقفت أحدق به والدموع تتدافع، ترجو الانفجار من بين مقلتي وأحاول كبحها بقوة، ولا أنطق بشيء.
ظننته، حين بدأ نحيبه، يبكي على حاله، وربما يبكي لشعوره بالامتنان، بل مر في خاطري أن دموعه حركتها عنصريته، فهو أمريكي مشرد، وفتاتان عربيتان محجبتان تتصدقان عليه بالطعام، مرت كل الاحتمالات بذهني، ولكن لم يخطر لي مطلقًا أن يشعر بهذا القدر من التعاطف المسؤول تجاهنا! ما الذي يسعني قوله في مثل هذا الموقف؟ “ولا يهمك”؟ “حصل خير”؟ فكرت أن أقول “جميعنا ضحايا فلا تبتئس”، فلم أستطع! ما الذي ينبغي قوله لمواساته، ومواساتنا؟ وهل نحن من نستحق المواساة حقًا؟ أسئلة لا تنتهي، وشعور كالجحيم يطبق على صدري، تصاحبه آلام التوتر التي تحب أن تبدأ من أسفل رقبتي، ثم تنتشر سريعًا كاللهب في جميع أنحاء جسدي.
انتهى المشهد بتبادل العناقات والكثير من الكلمات الملطفة والمواسية من الجانبين، فأسرعت إلى السيارة أنتظر خلود لأتفادى المزيد من المواجهات المماثلة، وأخذت أطالعهم من وراء الزجاج، وعقلي يلح عليّ بتفاصيل ما حدث في العامين الماضيين، بل في الأعوام العشرة الماضية، كل تلك الشرور والفظائع، كل تلك القسوة تبدو الآن مستحيلة، ثمة رقة وعذوبة وحنان في هذه البقعة ها هنا تكفي لهزيمتها جميعًا، ولكنها، مع ذلك، لا تنهزم! تبًا للشرور ومرتكبيها، حولونا جميعًا إلى ضحايا لا يفارق طعم المرار ألسنتنا، ونحن من نبكي!
لحقتني خلود بعد دقائق وجلست إلى جواري في رفق، وأخذت تتحدث بحنان جم طوال طريق العودة، عن فرحتها بقرار صنع البقلاوة وتوزيعها اليوم، وعن سلامة حدسها الذي ألهمها أن تسميهم بالطيبين، وعن بلادنا الجميلة الحزينة، وعن الإنسانية العابرة للمكان والزمان والأديان، واستمعت إليها طوال الطريق وفي حلقي غصة تمنعني من الكلام، وحين وصلنا أخيرًا أمام باب منزلها بعد عشرات الدقائق التي حسبتها دهرًا أبديًا، التفتّ إليها وقلت لها، “انزلي يا خلود، منك لله انتي وبقلاوتك!”
وشعرت المنطقة كلها بأزيز توتري المؤلم الذي انعكس في صوت احتكاك إطارات السيارة بالطريق وهي تنطلق مسرعة، هربًا من خلود وبقلاوتها، ومن آلامنا التي لا تنتهي!
من وحي حكايات صديقتي الجميلة يسرا المقيمة في ولاية أركنساس، ومن أجل مكالمات نصف الليل المبهجة والمؤنسة.
من مقالات علياء السابقة
للمزيد حول شروط النشر انظر هنا






