لم أحب ركوب المترو مطلقًا، منذ كنت مراهقة لا أكف عن الحركة و”التنطيط” و”الشعبطة” في كل وسائل المواصلات العامة والخاصة، حتى أصبح من أولويات قضاء المشاوير في نظري: ألا يتطلب ركوب المترو أو أكثر من وسيلتي نقل حتى نقطة الوصول. وحين أتأمل الزمن لا أعلم كيف غيّر مروره كل هذه التفاصيل ومتى، ولكنني كنت واثقة من كراهيتي الأبدية لمترو الأنفاق كوسيلة مواصلات، بل كوجود معدني في المطلق.
وكأي شيء نكرهه في هذه الحياة ونسعى لتجنبه، يقتحم قطار الأنفاق حياتي رغمًا عني ويجبرني على استخدامه بين الحين والآخر؛ فتخرج مني زفرة تجمع بين الامتعاض والتسليم، وأهبط تلك السلالم اللعينة إلى وجهتي. بل وأجدني أحيانًا، رغم الامتعاض من الرائحة والتكدس ونداءات البائعين -وآهٍ من نداءاتهم الصارخة- والروائح النفاذة، والشعور المتزايد مع كل دقيقة أقضيها بداخل هذه الصفيحة المعدنية محكمة الإغلاق بالحصار- أجدني أستمتع ببعض الرحلات بداخله، كسائر الأشياء التي يكرهها المرء فتجبره أن يعتادها، بل ويألفها.
بالأمس القريب وجدتني مضطرة إلى استقلال الأنبوب المعدني المدفون. كنت مرهقة ومتأخرة، فكان قرار استقلاله ملجأً أخيرًا لا أتمناه بالفعل، ولكن ما باليد حيلة. انتظرته طويلًا على الرصيف، وفي أذنيّ سماعتان، وفي عينيّ شرار أحذر به الجميع من الاقتراب، الرجال والنساء على حد سواء، ولكن الرجال على وجه أخص، وعلى وجهي أمارات الامتعاض تتجلى وتبهت تبعًا لما أحدث به نفسي، تراوحًا بين “ايه القرف دا؟!“ و”عيشي عيشة أهلك وما تتنكيش على خلق الله يا علياء“.
وحين يصل أخيرًا الوحش المعدني القبيح معلنًا عن نفسه بصرير مزعج يخترق الهواء والبشر والسماعات، أكتسي بالمزيد من الامتعاض، الآن نتدافع للدخول بالأذرع والكيعان، وسأجد رجالًا في عربة السيدات يحتلون المقاعد بمنتهى اللزوجة فتضطر النساء إلى الوقوف، أختار عادةً الوقوف ولا أهرع إلى الجلوس تفاديًا لمواجهة مع السماجة والتلاسن غير الضروري، ويزاحمنا البائعون المتجولون لينغصوا علينا حياتنا فحسب، فلا هم يبيعون ولا أحد يشتري. هكذا أنتظره وهكذا يأتي، ولكن ما هكذا أجده هذه المرة.
كانت عربة السيدات فارغة إلا من بعض النساء المنهكات والمتناثرات في أرجائها، وثمة رجلان فحسب بداخلها، ولم يكن ثمة بائعون، فلا نداءات صارخة ولا جلبة تسمع سوى أصوات اندفاع الهواء الناتج عن سرعة الحركة وأصوات احتكاك العجلات بالقضبان، ولأول مرة أستطيع سماع الأغنية عبر سماعتيّ ومتابعة ماهية اللحن والكلمات بيسر، فجلست. وكان عبد الحليم يشدو بأسى “شوف بقينا فين يا قلبي وهي راحت فين“ ثم يكررها، ثم يقول والأسى ينهكه وبصوت أكثر حسرة “شوف خدتنا لفين يا قلبي، وشوف سابتنا فين“. وكانت أذناي قد اشتاقتا لصوته قليلًا، فلا أكاد أحرمهما من صوت الست ليلًا ونهارًا، أما حليم فيتناوب مع فريد في الفواصل بين أغنية للست وأخرى، وهذا مقطع أحبه كثيرًا وأدّعي أنه من أجمل وأصدق ما غنى العندليب، ثم أتى صوته مجددًا في استسلام خاضع، كخضوعي المستسلم لركوب الوحش المعدني، “في سكة زمان راجعين، في نفس المكان ضايعين“.
لا أعلم إن كان ما اعتراني حينها بتأثير من الإكثار من مشاهدة الأعمال الدرامية طوال حياتي، أم أن صوت حليم العذب الصادق كان السبب، أم أنه مزيج من المشاهد الملونة الهادئة والعيون المتطلعة فيما حولها مع رؤيتي لانعكاسي في الزجاج، أو ربما اجتماع كل تلك العوامل معًا، ولكنني شعرت حينها أنه يتحدث إليّ مباشرة، وتحديدًا، “شوف بقينا فين يا قلبي“ التي أشعرتني بمدى التغير الذي طرأ عليّ، من أعمق فكرة اعتملت في رأسي منذ الطفولة وكيف نضجت وتغيرت وتبلورت فأصبحت كما هي الآن، مرورًا بالتغير الكبير في مظهري وسمتي، إلى التبدل الكبير في كراهيتي المطلقة القديمة لقطار الأنفاق المزعج ومدى استمتاعي به الآن. ثم “في سكة زمان راجعين، في نفس المكان ضايعين“ التي تثير الشكوك في أي تغير حقيقي قد أظنه اختمر بداخلي، فأطالع انعكاسي في الزجاج من جديد، وأطالع الناس المبعثرين من حولي، فأراني كما كنت دائمًا، تلك الفتاة العنيدة والمتشبثة برأيها، وأرى المترو ورواده كما كانوا دائمًا، أليس كذلك يا حليم؟
لم ألبث في تلك الحالة التأملية طويلًا، حيث توقفنا في محطة مكتظة وسرعان ما انهمر سيل من الناس، أكثرهم رجال وبائعون، واحتلوا الهواء الذي كان ساكنًا قبل لحظة، وقرر رجل أن يقفز إلى المقعد الذي كان فارغًا إلى جواري قبل أن تسبقه إليه سيدة، وابتسم في بلاهة، بينما علا صراخ السارحين ببضاعتهم التي بدأ أحدهم يلقي بها في حجر الجالسين، وهو من الأسباب التي من أجلها أكره الجلوس في المترو، وتوارى عبد الحليم وصوته وكلماته في خلفية المشهد، فعلمت أن خروجي من هذا الصندوق المعدني أصبح لازمًا، وأنه -كما كان يحاول حليم إخباري منذ قليل- لا مفر من عودة ريمة إلى عادتها القديمة، فنهضت مسرعة من مكاني وتسللت خارجة قبل إغلاق الأبواب مباشرة في محطة لم أكن أقصدها في البداية.
ولكن لم أتمالك أن أرمقه بنظرة وداع وهو يغادر المحطة، وحشي المعدني الأليف، وأن أشكره مرغمة على تلك اللحظات الطيبة التي حاول أن يستدرجني بها، مستغلًا قدرات حليم الغنائية، ليقنعني أنه ليس بهذا السوء، ولكنني في عناد متمسك بموقفي الأصيل منه ودعته بلطف قبل مغادرته بالتقاط هذه الصورة، متمنية ألا ألقاه مجددًا إلا بعد دهر بعيد.




