
(لأفضل استفادة ممكنة من النص ينصح بتشغيل الكرنك لعبد الوهاب 1 في الخلفية وتخيل أنك ستقوم أو ستقومين برحلة وتحتاجون دليلا للمرافقة والونس أو الأفضل طبعا إذا كنتم تتساءلون عما يمكن عمله في العيد أن تنتهزوا فرصة الإجازة وتنطلقوا للصحراء 😀 متسكعين ومتفرجين)
ياله من سرها الباقي ويالي
ربما يكون من ألطف ما قرأت مؤخرا قصيدة ور2دزورث عن ذلك الصبي الصغير الذي كان يقصد التلال ليُمضي أمسياته في ظلال الأشجار أو على حافة البحيرات متأملا البوم الصامت في أعالي الأشجار ومحاولا أن يحاكي صفيرها، ضاما يديه ونافخا فيهما على أمل أن تجيبه يوما ومايزال يحاول المرة بعد المرة بدأب وصبر حتى يتقن مناغاتها فإذا بها تبادله مناجاته الطفولية المحببة فيروح فرحا تياها بمهارته السحرية.
وبينا هو في خضم ذلك كله تعتري البومات بين الحين والآخر سكتة يقف إزاءها بكل موهبته مبهوتا مصغيا للصمت العميم وحينها يشهد في ذلك السكون العميق جلال ما يحيط به وتتسرب شيئا فشيئا لروعه مهابة الحياة من حوله ومشاهدها الفاتنة حتى ولو لم ينتبه…
تمضي أيام الصبي على رسلها وفجأة يخطر شبح الموت لينتزعه من بين أصحابه وتودعه الأيدي لحده الصغير بين تلك التلال الرائعة..
وبينما الشاعر في أمسياته متجولا تسوقه قدماه لقبره فيقف عليه ساعة في خشوع وإكبار متأملا حيث يرقد.
ويخطر ببالي أن ربما كانت تلك أشبه شئ بمحاولاتي في الأعوام الأخيرة كلما زرت القاهرة، نزور المدينة العتيقة ونطوف بمساجدها ومدارسها وجباناتها ونقف فيها نناجي جدارنها المتهالكة وأشباحها الذاهبة ونضم أيدينا إلى أفواهنا على أمل أن تجيبنا، ننجح حينا ونخفق أحيانا كثيرة، لكن في كل الأحوال فإننا نحاول إعادة تعريف علاقتنا بمدينتنا التي لا مفر لنا منها.
في خلال تلك المساعي استقر الرأي على محاولة تقسيم المدينة العتيقة لمسارات محددة بحيث تختص كل زيارة بمسار منها مستلهمين في ذلك دليل كارولين ويليامز العملي 3 للتعرف على القاهرة، مولعا عند كل زيارة من تلك بجمع كل ما أقدر عليه من كتابات وفيديوهات والأهم الصور القديمة ولوحات المستشرقين، أجمعها بدأب النمل وغريزته مراكما الالبومات الممتلئة بالصور حتى حافتها.

لكني رغم ذلك كله لا أحب زيارتها وحدي، كنت قد جربت التجوال في المدينة قديما وأنا صغير وتهت فيها ! لا التوهان الذي أحب ولكن توهان الذي لا تربطه صلة بها، توهان المستوحش الخائف لذلك رحت أحتمي بأصحابي في تجوالي، نلضم البراءة الغضة المستعدة لطرح الأسئلة إلى أشتات المعارف المتناثرة دون إغراق قدر الإمكان، في النهاية محاولة الإلمام التام بتاريخ الأماكن تستأسر المرء لما يقرأ وتحرمه دهشة التساؤل وتمنعه من الانطلاق مع الخيال لكن البراءة الأولى كذلك توقع المرء في الوحشة المخيفة وتقطع صلته بالمكان.
يحتاج المرء للمزيج المناسب من كليهما، وحدها الأسئلة المتحررة من كل سياق سابق والنقاشات العفوية والافتراضات المفاجئة هي ما يمنح المرء استبصارات فذة في النظر والتأمل وسرعان ما تتعدل المعرفة الأولية مهما كان حجمها وفقا لتلك النقاشات والأسئلة ووالأهم من ذلك كله وهو التهيؤ لكل عجيب وغريب!
بالطبع لا تتساوى المسارات فيما بينها ولطالما كان عندي ولع خاص بالاسماء الملحمية المتناثرة في نواحي القاهرة ولا أزال أذكر شوقي البالغ للتعرف على سوق السلاح، الجامع الأزرق، الدرب الأحمر، سكة المحجر، باب الوداع، تلك الأسامي الشاعرية التي تطلق الخيال في رحلات لا تنتهي لتصور معانيها وأسباب تسميتها، والواحد مننا في النهاية حيوان تأويلي، يسمع الاسم ويروح يخترع له القصص التي تناسبه وفقا لروحه وخياله واستعداده للسرحان وأحلام اليقظة.
ومن بين تلك الأسامي كان اسم صحراء المماليك دوما ما يستهويني ومازلت أمني النفس رحلة بعد الأخرى بزيارتها وأتأمل طويلا الصور التي جمعتها وأراها بعين خيالي صحراء شاسعة تنتصب فيها القباب المملوكية ومآذنها الباذخة والرياح تسفي عليها ترابها والجمال تخطر في نواحيها (والله ما خيال اسنشراقي لكن الصور القديمة تحيل على ذلك فعلا.. انظر…)

واحلم بالخروج من باب الوداع على الدرب السلطاني وفي قلبي ما فيه من شوق وخشية وأمل وقبة يونس الدوادار (صاحب خان يونس بالمناسبة) المهيبة والمميزة في تكوينها الحجري تهيمن على الأفق ملوحة لي، ويغمر كياني كله حينئذ دفق شاعري أكاد أثمل به وأذهل عن كل ما حولي واسرح بخيالي مع السلاطين الذي درجوا على هذا الطريق والحجاج الذين راحوا يذرعونه متهادين على رمال الصحراء وتحت شمسها اللاهبة وعلى الجانبين الأبنية الملوكية الضخمة.

لكن فلنتمهل و لا نستبق الأحداث، ودعنا نقل اننا رتبنا أخيرا لزيارة صحراء المماليك وخطر لصديق انه لربما من قدر جبانات القاهرة الذي لا مفر منه ان تكون متنزهات أهلها، ولعلك تعلم أنها كانت كذلك كما ذكر المقريزي قديما وكانت حافلة بالبساتين والملاهي وكل ما يروق العين وتبهج له النفس حتى من الألحان المطربة 4 وليس ذلك بأول غرائب القاهرة وأهلها ولا آخرها، ثم لما زالت تلك البساتين بقيت الجبانات كذلك متنزهاتنا وإن تحولت إلى متنزهات حجرية تنمو في نواحيها البساتين العامرة بالأساطير والحكايات والعمائر كل ذلك مع الامتزاج المبهر للحياة بالموت فغدت لذلك لها لذتها الخاصة.
أقول رتبنا للخروج وكعادة رحلاتنا لابد لها من بضعة طقوس ترسخت بمرور الوقت، بداية من إعداد السندوتشات والعصائر لمواجهة صهد القاهرة الأسطوري، وليس نهاية بالتفكير في الطريق إلى مقصدنا وكانت البداية من عند الخليج المصري وهذه المرة تحديدا من عند فم الخليج (محطة الملك الصالح) حيث يشرف مجرى العيون ويهيمن ببنيانه الضخم والحق أقول اني قتيل سور مجرى العيون مذ رأيته أول مرة في حياتي ثم تعمق ارتباطي السنتمنتالي به حين رأيت تلك الصورة الجوية التي انحطم فيها جانب منه ليمر المترو خلاله.

وهي صورة لا أمل النظر إليها وتخيل كيف كان مأخذ الماء مطلا على النيل وهو يجري هاهنا تحديدا حيث نقف والسواقي تديرها الثيران المفتولة لرفع الماء لأعلى نقطة حيث يجري متدفقا ليغذي القلعة 5. لا ينشأ التاثر بمكان كسور مجرى العيون في حالتنا هنا من روح مستقرة بالمكان (genius loci) تثير الوافدين عليها جميعا بنفس القدر ولكن من ذلك التلاقي بين العمارة وما فيها من زمن مكثف متراكم وتاريخ مطوي وبين الواحد أو الواحدة منا وما يمتلك من خيال وذكريات وآمال ومخاوف ورصيد من التاريخ والحكايات واستعداد أيضا للإصغاء والتأمل 6.
لم يكد السائق يدري أين نريد تحديدا حين قلنا صحراء المماليك، ظللنا نحاول معه حتى توصلنا أخيرا إلى الإشارة لقرافة آيت بيه (قايتباي) وعندها فقط اتفقت جغرافيا الكتب مع الجغرافيا الشعبية، وراح الاوبر يعدو بنا (كبهوات) من عند فم الخليج مارا بالسيدة عائشة ومقبلا على القلعة ولكن للأسف لن نمر من باب الوداع ولن نتهادى على الدرب السلطاني كما كنت أحلم وإن كنت سألاحظ لاحقا حين أتأمل خريطة رحلتنا كم كنا قريبين لولا أن امتطى بنا الاوبر صلاح سالم ولم يدعنا إلا قرب مشيخة الأزهر.

أنا هيمان ويا طول هيامي
وقبل أن نبلغ الجبانة 7 سرعان ما بدت لنا أعلامها من بعيد، مآذنها وقبابها ملوحة داعية أو ضجرة لامبالية إن أحببت أو قل ماثلة في سكوتها الأبدي إن كنت ممن لا يحب إضفاء الروح على الأماكن، المهم اننا وصلنا وكان أول ما راع قلبي من على البعد خانقاه فرج بن برقوق بسيمتيريتها المذهلة (لو رأيت كذلك الصور الجوية لوقعت في غرامها مثلي وتخيل معي كيف كان يتصور السلاطين وبناءوهم تلك الأبنية الهائلة من الجو؟)
ولخانقاه فرج وابيه برقوق معي حكايات وحكايات ولو كنت من محبي المقريزي فستعرف عداوته الجنونية لفرج حتى سماه أشأم ملوك الإسلام 8 ورأى فيه إلى جانب رجال دولته سبب خراب القاهرة ونقض عمرانها، كراهية راسخة لا يوازيها ربما سوى كراهيته للاشرف برسباي (سنعود له لاحقا) منبثة في نواحي خططه يعود إليها كل حين كلما اضطره خراب مسجد أو انتقاض مدرسة لتذكر ما سماه محنة ٨٠٦ هجرية والتي غيرت وجه القاهرة تماما 9.

لكن ذلك كله لن يمنعنا من الولع بالخانقاه وعمارتها المبهرة 10 ولوهلة طافت ببالي وصية السلطان المغامر برقوق لابنه أن يدفنوه في تلك الخانقاه تحت أقدام شيوخ الصوفية وخلاوي مريديهم العامرة بالذكر الذي لا ينقضي، رحت أحكي لأصدقائي تلك القصة ورحنا نتعجب سويا من ذلك الرجل ناتئ العين كالبرقوقة 11 (ولأجلها دُعي بذلك) و الذي انتزع السلطنة من السلالة القلاوونية منهيا عهدا طويلا من تعاقب السلاطين العيال ونزاعات الأمراء التي لا تنتهي، ذلك الرجل الذي شكا عينيه وللمفارقة المذهلة ستتحول المستشفى القلاووني بجوار مدرسته في شارع المعز دونا عن كل التخصصات لمستشفى رمد ويقال فيما يروى أن الناس كانوا يستشفون من الرمد بتراب تربته 12
سيقول صديق دعنا من تلك الصعبانيات فالرجل كان دمويا فاتكا يراه المقريزي على تخت السلطنة كالقرد على المنبر13 وهو في النهاية يريد من تلك الخانقاه حفظ ثروته من المصادرة بعد موته وتمريرها لذريته من خلال الأوقاف على الخانقاه كسائر السلاطين.
والحق أني وإن كنت لا أميل للدفاع عن برقوق ولا سواه لكني أجد دوما في صدري شيئا من تلك التأويلات المادية وأرى فيها غلوا لا أستطيع تقبله تماما، لا أستطيع التفكير في هؤلاء السلاطين المجتلبين من أقاصي الأرض صبية صغارا تتعاورهم أيدي النخاسين وتتقاذفهم أسواق العبيد حتى يردوا على الطباق فيمروا خلاله بتلك الحياة الصارمة التي تحولهم لآلات حرب متقلبين في صراعات دموية وفق قانون التغلب الذي لا يرحم، مستقبلين حياتهم بفواجع فقد الأهل و الاغتراب وعجمة اللسان وذلة ان تكون مملوكا لسيد يتحكم بك، لا أستطيع تخيل أن يطيقوا تلك الحياة بقسوتها العارمة دون الحضور الالهي بمعنى من المعاني.
أفهم طبعا من خلال ممارساتهم وهاء صلتهم بالدين من حيث هو لكن لا افهم نفيه تماما، قد يكون الرجل سلطانا غاشما وصادقا في رغبته بالدفن تحت اقدام الصوفية، هذا في النهاية قلب الإنسان الذي يصطرع فيه الرحمن والشيطان معا.
قد يرغب السلطان في تمرير ثروته لبنيه وقد يرغب كذلك في ذات الوقت في التقرب من الناس الذين يحكمهم بإنشاء المدارس والأسبلة والكتاتيب لهم، اتصور مملوكيتهم كجرح وجودي واغتراب لا شفاء منه ولا مفر كذلك من الالتفاف عليه بطريقة أو أخرى و ربما يكون في ذلك تفسير لبعض جوانبهم الإنسانية، عمارتهم من ثم ليست عمارة اسلامية بالتعريف لكنها عمارة مسلمين تنطبع فيها رغباتهم وتصوراتهم عن الأنس والدين والله والسماء والأرض.
ندخل الخانقاه للصلاة والتسكع في نواحيها و أول ما يستوقفنا منها تلك الخطوط البارعة على مدخلها الفخم، تسمرنا أمام تلك الخطوط وقد أصبح من عاداتنا الوقوف طويلا أمام تلك الكتابات محاولين فك طلاسمها والتلذذ بالنجاح في قراءتها ولو بعد جهد، بنظري فإن الكتابات والخطوط التي تزين نواحي العمائر بالآيات والاشعار والأحاديث والنصوص التأسيسية هي بعض زهور ذلك البستان الحجري الذي نتجول في نواحيه، كلما وقفت أمامها جذبني انسيابها الهادئ ونحتها على الحجارة أو نقشها على الخشب.
وبعيدا عن نيات السلاطين ودخائل نفوسهم فلا يمكنك تجاهل ما بالخطوط العربية على أبدان الأبنية الملوكية من جمال ورشاقة قاهرة للسنين وإذا كان الزمن يديل من السلاطين ويفتفت عظامهم ويسحق جيفهم بدوراته التي لا ترحم فإنه لا يمر على القباب والمآذن والزخارف والخطوط وعجائب البناء حتى يمنحها الكثير من سحره ويضفي عليها من عتقه ورغم الجهل الشديد و المؤسف بأعيان الخطاطين والجصاصين والنحاتين والبنائين فإن أعمالهم قائمة تدل عليهم والإصغاء إليها دوما يمنح المرء صلة عميقة بأولئك الماضين.
ثم يقفز ذهني لماكس فان برشم السويسري العجيب الذي أتى من بلاده وساح في القاهرة وغيرها من البلاد العربية جامعا تلك الكتابات و منفقا عمره كله في تتبعها وتدوينها 14 وأتخيل السلطان الشركسي يوصي ابنه بإنشاء الخانقاه لصوفية بعضهم من العجم و يزينها الصناع المنسيون ويأتي بعد القرون الطويلة أوروبي يتوقف عند كل نقش ليسجله بإخلاص لا يكاد يصدق وأفكر في ذلك التراكم التاريخي ويقول صديقي كل هؤلاء آنستهم القاهرة بعد غربتهم!

نخطو إلى داخل الخانقاه بعد توقف طويل ونتقدم في ردهتها إلى الصحن وتبدو تلك الردهة بضوئها الخافت بمثابة ممر من عالم الخارج الصاخب إلى السكينة المطمئنة في صحن الصلاة، كأنما تهيؤك نفسيا للدخول على ذلك السكون، اتأمل تلك الظلمة غير القاتمة بين نورين، نور العالم الخارجي ونور الصحن، تثير خيالي بصورة مبهمة وتحملني على إغماض عيني والاسترسال مع السرحان والاستسلام لتيار الماضي المتدفق.15
لا نسرح طويلا فسرعان ما يواجهنا التراكم التاريخي بكل روعته حين نبصر العتب الفرعوني 16 موطئا الطريق لصحن الجامع والذي كان فيما مضى من الرخام كما يقول الأستاذ حسن عبد الوهاب في مقالته العظيمة عن الخانقاه 17 و بعض ذلك الرخام إنما كان منتزعا من القصور الفاطمية منكسا على وجهه الأبيض مخفيا تحته أسماكا وغزلانا وطيورا (سيقتلع ويعرض بمتحف الفن الإسلامي وأخمن أن اللوح التالي كان واحدا منها)

فتخيل معي صانعا في الزمن الفاطمي ينفق زمنه في النحت على الرخام لتتزين به القصور الفاطمية الباذخة ثم يقتلعه شاد العمائر السلطانية بجبروت لا يُتصور لينكسه على وجهه فتطأه الأقدام في صحن الجامع ثم يعثر به الأستاذ حسن ليؤخذ ويعرض في المتحف معقما منتزعا من تاريخه الحافل دون إشارة واحدة، فجدران المتحف وإن حفظت الأثر فإنها حرمتنا سيرته الذاتية ورحلته العجيبة منذ استخرج من شق التعبان مثلا 😀 حتى استقر على جدارنها بعد الف سنة تقريبا، تأمل معي طبقات الزمن المتراكمة و المكثفة على وجه ذلك اللوح الرخامي. يالها من رحلة!
لن ينتهي الأمر هاهنا فلو كان لنا أن نتعارف لحكيت لك طويلا عن جنوني بذلك التراكم والتراصف التاريخي ( palimpsest) وصحراء المماليك برأيي هي خير مقصد لكل من ابتلي بهذه العلة التي لا شفاء منها، فإذا حولت وجهك وتوجهت للقبلة فسيسعدك الحظ بالتعرف مبكرا قليلا (سنمر عليه لاحقا فلا تستعجب) على ولي العمارة المملوكية وسلطان المشائين، سلطاننا الأشرف قايتباي ومنبره الحجري الفاتن والذي ارتأى (كسلطان بنائي القاهرة ومرمميهاا) أن يرصع به هذه الخانقاه البديعة ويؤثرها به على مبانيه هو، لن أتوقف طويلا (وإن كنت أود ذلك) عند براعة ذلك المنبر الحجري لكن لا تفوت فرصة تمليه إن أمكنك زيارة الخانقاه.
نطيل البقاء ونشعر بعمق كما لو كان صحن الخانقاه معزولا عن تيار الحياة الدافق والمربك من حولها، تمنحنا بذلك فرصة ولو ساعة من نهار ليخلو فيها المرء بنفسه متخففا من مطالب الحياة واقتحامها الدائم لخصوصيته ساحبة له في طرقها المتشعبة وهو بيدها ذليل لا اعتراض له مهما حاول ومهما أراد.18
يود أصحابي لو بقينا هناك للأبد، يجلس بعضهم على حافة الصحن مسترسلين مع الخيال وأظل أجري وراء التفاصيل المتناثرة، يحدوني قلق انتهاء اليوم دون أن أملي عيني من كل ما أملت، أسرع من ثم للقبتين الضريحتين والموصدتين للأسف فأتسلل بعيني وأنفي وكاميرتي طبعا من وراء القضبان لأصور زخارف القبة وألوانها الزاهية وشواهد القبور الصغيرة رغم كل هيلمان القبة، ثم أمضي لتأمل الشبابيك الجصية والزجاج الملون والكتابات الممتدة على الجدران.
أتحسسها بيدي وأجس ما نتأ منها وغار، عادة اكتسبتها مع الوقت ولم أكن أدري لها تفسيرا سوى متعة بتلمس ما ترك الماضون وتحسس ما انطبع من موجات الزمن المتعاقبة عليها، ثم سأعثرلاحقا بوصف شديد الشاعرية للمعماري الفنلندي يوهاني بالازما في ثنايا كلامه عن انفعال الحواس ولاسيما اللمس بالعمارة 19، يجعل فيه مقابض الأبواب المملسة واللامعة من أثر تعاقب الأيدي الطويل عليها (ضع مكانها ما شئت من أجزاء العمائر التي تعاقب عليها الماضون) هي مصافحة المباني لنا! ياله من وصف 20
وبعيدا عن النظريات فتحسس تلك الأشياء العتيقة المتناثرة سيرمي بي للتفكير في الأزمنة التي عمرت فيها الخانقاه وتمني لو كنت شهدت بعضها وأتخيل كيف كان يعمرها المريدون وشيوخهم وكيف يجتمع في مكان واحد السلطان والشيخ، الأحياء والأموات، السعي نحو تطليق الحياة زهدا مع الزخرف البالغ الجمال والإبهار وتلوح لي الخانقاه وكل خانقاه بوابة سحرية لعالم لم يسعفنا الحظ بمعايشته.

خوازيق وغفير… اجري اجري
أستحث أصحابي للخروج لمتابعة تجوالنا، يزغرون لي بحنق من يوشك على الخروج من الجنة، أحاول إقناعهم أن ثم المزيد لنراه، نسير قليلا عائدين إلى مجموعتي السلطان إينال والأمير قرقماس 21، يهولنا السور الممتد الذي يلفهم ونبحث عن شق ننفذ منه للداخل، ندور وندور حتى نجد فرجة فنتسلل منها وقد عم المكان صمت مطبق لا يقطعه سوى نباح قطعان الكلاب والتي - وبخلافنا- تمتلك حرية كاملة في التجوال داخل الصحراء دون أن يعيقها عائق.
لا يفجؤنا خلو المكان من كل عناية أو إشارة أو أي شئ لكن المفاجأة كانت في خوازيق الحديد المسلح المتناثرة في الأرجاء، وقبل أن نتأمل تلك التحولات المثيرة في سيرة المكان يهل علينا من جحيم اللاشئ وكما لعلك تتوقع طبعا الغفير السحري للمكان والذي سرعان ما ينهرنا ويهشنا للخارج، نحاول التفاوض معه حول ما يمكن تقديمه ليسمح لنا بالدخول ومواصلة التجوال لكن وللمفاجأة فلم يقبل المساومة إطلاقا ورفض كل عروضنا المنحدرة بسرعة جنونية من السخاء إلى التوسل 😀 لكن يبدو أن للأمر علاقة ما بالخوازيق المتناثرة أو أنه اتلسع خازوق من زميل متجول فلم يعد يساوم.
خرجنا نجرجر خيبتنا التقيلة وتركنا الكلاب تقودنا حتى عثرنا بفرجة بعيدا عن عين الغفير السحري فتسللنا من جديد ورحنا نتملى عمارة السلطان العجوز إينال والذي تولى الحكم شيخا كبيرا وكان من العفانة بحيث لم ينفق مليما على زخرفة عمارته أو زينتها وانا طبعا لست ضد الاقتصاد وتوفير الأموال لكنه سيضيع الأموال في الاستكثار من الجلبان وهم المماليك المستوردين كبارا لا يمرون بكافة مراحل تكوين المماليك منذ الصغر وقد تحولت مصر إلى وجهة احتراف لهؤلاء عسى أن يدركوا شيئا من المجد و يصبحوا سلاطين أو أمراء أو أي حاجة.
لكن هؤلاء الصيع سرعان ما سيثيرون الفتن والمشاكل بالبلاد وسيكونون لاحقا أحد أسباب تعجيل خراب الدولة وحتى تجد مؤرخا وقورا من ولاد الناس22 😀 كابن تغري بردي يروي في تاريخه كيف أهلكت الطواعين المماليك الاينالية الجلبان في إحدى موجاتها فلا يرثى لهم ويختم حديثه بقوله “فإلى لعنة الله وسقره”.
ومما يزيد من تحيزي ضد عمارة إينال (إلى جانب عدم تناسقها فهي في النهاية لم تبن في وقت واحد) مثولها إلى جوار عمارة الأمير الكبير قرقماس مملوك السلطان قايتباي وهي عمارة مدمجة قد تآلفت عناصرها معا بما يجعلك تود لو ضممت عليها يديك واخذتها معك ومضيت.
نتجول في صحراء حقيقية إذن ونستمتع لوهلة بمخالسة الزمن والغفير والدولة ذات الخوازيق والأسوار لكن سيخرب علينا كل شئ صديق قرر في لحظة تهور أن يرفع صوته بالنداء ليرينا شيئا ما، كان صوته وحده كافيا ليبعث الغفير من قعرالأرض ليخرج في رحلة مطاردتنا العبثية حتى عثر علينا وقذف بنا من جديد خلف الأسوار، خرجنا من جديد نجرجر أذيال الخيبة التقيلة ونحاول التلهي بالتقاط المزيد من الصور وتستوقفنا من بين الكثير من الأشياء تلك الصواري المعلقة أعلى مأذنة قرقماس.
نتساءل عنها فيقص علينا صديق حكاية تلك الصواري وكيف كانت تحمل الأضواء التي لا تخبو في ليالي الصحراء المظلمة في رمضان23، كانت تلك لحظة من ال “وه” مجرد تخيل صحراء على مد البصر في ظلمة الليل تخترقها المآذن المشتعلة الاعالي يكاد يذهب بالعقول، أفكر أنه ربما هذه واحدة من اللحظات التي ينصهر فيها المجاز بالحقيقة وتصبح المنارة الهادية إلى الله وسمائه في صحراء الحياة هي منارة حقيقية تهدي بنورها وصواريها المشتعلة التائهين حقا في صحراء المماليك!
سأبحث جاهدا لاحقا عن لوحة أو صورة لتلك الصواري مضيئة وسافرح فرحا طاغيا حين أعثر باللوحة التالية حتى ولو كانت للأسف غير دقيقة تماما لكنها أقرب ما تكون لتخيل ما أعني.
أين يا أطلال جند الغالب ؟
نستأنف رحلتنا على الدرب السلطاني و نمر في طريقنا بخانقاه برسباي وجامعه وكنت أود في الحقيقة الكلام طويلا عن برسباي لكن كفتنا رواية طلال فيصل الأمر 24، نتابع السير وبين كل خطوة والثانية تتجاذبني أبيات الأبوين 😀 أبو الطيب وأبو العلاء فلا أظن أنه خطر ببال أبي الطيب حين قال
يدفن بعضنا بعضا ويمشي أواخرنا على هام الأوالي
أننا لن نمشي فقط على هامات الأوالي بل سنرى الصبيان يتقاذفون الكرة على هاماتهم وبين أحواشهم وأبنيتهم الهائلة دون أن يعبأوا بقض مضاجع السلاطين وإقلاق نومهم تحت التراب ماداموا في لهوهم البرئ، بل ستمضي قطعان الكلاب في كافة الارجاء وستقتحم الأحواش وتطرطر على جدرانها وتتسافد في جوانبها ويعلو نباحها وتأوهها ليلا ونهارا بلامبالاة ملحمية ولا يمكنني تجاهل أن في ذلك نوعا من العدالة الشعرية.
بل يخطر لي أن ثم راحة في البحث عن تلك العدالة ولو من بعيد لبعيد كلما ثقلت على المرء أحزانه بأن يسعى ليذوق لذة أن يطأ بقدميه أجساد الملوك والسلاطين المتفسخة في باطن الأرض وألا يعمل بنصيحة أبي العلاء في تخفيف الوطء على أديمها 25 وأن يشهد بعينيه كيف تتمدد الحياة في أبسط مظاهرها متسورة حرم الملوك والكبراء غير عابئة به ولا بهم.
يقطع علي خيالاتي صديقي ويشير لبعض الورش ويقول لي ضاحكا هاهو برسباي يعود لحيث ينتمي بين الصنايعية (صبي نافخ كير) كما نبزه المقريزي بغل 26 وها هي العدالة الشعرية التي تحدثت عنها تشهد أحد تجلياتها فهل تسعد روح المقريزي بها وبحبنا له أم تتلوى لما تشهد من تكاثر البرسبايات وانقسامهم الميتوزي (ولا الميوزي باين 😅) الذي لا ينتهي حتى محوا قبره نفسه وهاهي مدينته الحبيبة ترزح تحت ظلمهم وظلماتهم الثقيلة…. لست أدري…
ولي العمارة المملوكية وملاكها الحارس
نستأنف السير وعيوننا معلقة بالقباب التي راحت تتابع واحدة بعد الأخرى، تسلمنا زخارف إحداها المورقة لزخارف الأخرى الدالية والتي تهدينا لأختها الزجزاجية ونشعر كما لو كنا في غابة من تلك القباب والتي راح السلاطين من خلال صناعها يتبارون في التفنن في تزيينها ونقشها وكلما مضينا صارت أرشق وأرق ( قباب قرقماس، فرج بن برقوق، برسباي، جاني بك الأشرفي…) حتى تستقر عيوننا على القبة السلطانية درة تاج تحفة قايتباي التي لا ينقضي جمالها، تنفتح المباني الكثيفة كما لو كانت ستارة لتكشف لنا مجموعة قايتباي، والتي سرعان ما ستستقر عليها عيوننا وستقر كذلك بتأملها وجمالها كما قالوا
فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر
لم يكن الأشرف سلطانا عاديا، بل هو واحد من أطول من حكم مصر من السلاطين والملوك والرؤساء على مر عصورها، تولى السلطنة كبيرا وعلى غير رغبة منه كما تروي الأسطورة ولن يتولاها حتى يمضي ليفعل ما يحب ويبرع فيه أعني البناء والترميم و التجوال! يمكننا أن نعتبره سلطان الفلانورز إن شئت، له من العمائر في كافة ربوع مصر والشام وبلاد الحرمين، ولن يكتفي بالإنشاءات الجديدة لكنه سيطوف على العمائر القديمة ويشملها بعطفه مرمما المتداعي ومؤثرا بعضها ببراعات صناعه العظماء كمثل المنبر الحجري الجميل الذي ذكرناه بالأعلى.
لا يمكنني تخيل عفوية تلك الإضافات بل الارجح عندي أنه وفي أثناء تجواله وتفقده لرعيته متنكرا كما يقولون أحيانا بزي المغاربة دون حاشية ولا حرس قد استوقفته أحوال تلك الأبنية المتداعية وجمالها الدارس فراح يرممها ويحليها، وكشيخ فتي طُلعة همه أن يرى كل ما حوله راح يقطع البلاد طولا وعرضا ولعله راح يدخر في خياله الكثير من التفاصيل التي رآها أو يصطحب معه شاد العمائر ومهندسيها ليجمعوا تلك التفاصيل الفنية المميزة، فزار الأهرام كما قالوا وراح الفيوم وتنقل في الدلتا بين طنطا ودسوق والإسكندرية ورشيد وغيرها وفي كلٍ ترك بصمته المميزة ثم عبر البحر ليحج ويقول المؤرخون أن السلاطين كانت قد تركت الحج منذ ما ينيف على القرن حتى جدد ذلك الأشرف.
ثلاثين عاما من البناء والتجوال والحروب والمصادرات أيضا لكن يمكنك أن تشعر أن روح السلطان الفنية قد طبعت كافة امراءه فزينت مبانيهم ومنحتها ذلك الجمال السلطاني الباهر وأعادت للقاهرة مدينته التي ألفها وأحبها رونقها ولم يزل حتى يومنا هذا وسمه المميز في كل ناحية من نواحيها، تراه في الأزبكية التي أنشأها اميره الكبير أزبك من ططخ وتراها في حدايق القبة.. القبة الفداوية قبة اميره الآخر يشبك من مهدي وتراها في سائر ما ذكرنا وما لم نذكر فلعل المقريزي كان يقر به عينا ويسعد إن كان ساءه زمنه بمعايشة فرج بن برقوق وبرسباي.
وما أرق رثاءه على لسان شاعر زمانه
مات الأشرف والقبر صار حاويه، بعد لسعو بالموت وسمّو حاق
لهف قلبى عليه شجاع وقتو، والخوندات تبكى عليه باكر
وداع على جسر التنهدات
يشملنا الليل ونهم بتوديع الصحراء/الجنينة وأحس بثقل ما في قلبي لست أدري سببه بالضبط، أهو من مفارقة تلك الأبنية الأليفة ووشوشاتها التي لا تنتهي أم من إدراكي أن بنهاية تلك الرحلة يقترب ميعاد سفري والفراق، أتذكر كيف وصف ماكس هيرتز باشا (الخواجة النمساوي-المجري اليهودي مهندس لجنة حفظ الآثار العربية المسحور بالقاهرة) صحراء المماليك وقارنها في جمالها وسحرها بجسر التنهدات في فينيسيا، ياله من وصف.
لم أكن أعرف شيئا عن ذلك الجسر يا صديقي لكن الاسم وحده شاعري، سأبحث عنه لاحقا وسأعرف أنه الجسر الذي يلقي عليه المرحلون نظراتهم الأخيرة في وداع المدينة مع تصاعد تنهداتهم واشعر بكل الرمنسة الممكنة بذلك الشعور تماما (لشالرز ازنافور اغنية جميلة عن الأحزان التي تصبغ فينيسيا تصلح كذلك لوداع القاهرة كلما رحلت عنها 27)
هاهنا تنتهي الرحلة أو على الأقل ما دونته منها…
أتمنى من كل قلبي ألا تكون طويلة مملة، فإن تسرب لك الملل فالعتب علي ولعلي أنجح المرة القادمة في التخلص منه قدر الإمكان أما الطول فقد حاولت جهدي حذف الحشو والزيادة لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
وعلى كل حال فكلي ترحيب بكل من لديه ملاحظة أو تعليق أو تعديل أو تصور عما يمكن حذفه، أرجو ألا تجد في نفسك شيئا يا صديقي و يا صديقتي من إخباري بتصورك عما يمكن تعديله…
ولعل من اعتذاري أن ادع هذه المجموعتين من الصور لمن يحب التقليب فيهما
*ألبوم جميل للغاية للقاهرة عام ٢٠٠٧ وفيه بضعة صور لطيفة للصحراء
https://www.flickr.com/photos/ddpn/albums/72157600583913509/
*بعض الصور التي التقطناها وجمعناها
https://flic.kr/s/aHBqjCUVmC
ابغي اقول للمزيد إن كان فيك حيل لمزيد بس استحي 😅😅
للمزيد حول شروط النشر انظر هنا
أما ما يلي فهي إضافات وهوامش للمستزيد والراغب في الرحلة لعله يجد فيها رفقة تؤنسه وتيسر عليه رحلته وتسكعه.
هوامش و إضافات للمشتاق إلى اختراق الآفاق
لعشاق الخرائط وراغبي التسكع
*الخريطة التالية من كتاب الدكتور هاني حمزة لما بقي من آثار صحراء المماليك مما يعني أننا لم نلم سوى باليسير منها فلعل الزمان يسمح برحلات أخرى قبل أن تعدو عواديه عليها…
*في الحقيقة فأنا مدين للبشمهندس أحمد عياد والذي لا أعرفه للأسف صاحب مجموعة الخرائط الممتعة والتي حاول فيها بإخلاص مثير للإعجاب أن يدون كما هنا على جوجل ايرث المسارات والمعالم التي يمكن مشاهدتها خلالها وهو جهد عظيم لا يقدره إلا من تاه بين الآثار ولم يكد يدري يساره من يمينه فأرجو أن تبلغه تحيتي وسلامي.
للمزيد المفصل عن صحراء المماليك أو الجبانة الشمالية أو مقابر الخلفاء يمكنك قراءة
*بطن البقرة لخيري شلبي في قسمه الأول يتناول الصحراء ويمر على أحياءها المختلفة ليحكي قصصها وقصته معها ونحن في رحلتنا هذه لم نكد نجاوز حي قايتباي من احياء الصحراء.
*كتاب الدكتور هاني حمزة المؤسس صحراء المماليك بوابة السماء الشرقية وهاهنا عرض موجز له للأستاذ حسن حافظ
https://www.facebook.com/share/18BCHVJ3Ek/
*كتاب الدكتورة جليلة القاضي العظيم جبانة القاهرة التاريخية والذي أعادت إصداره مؤخرا دار المرايا و فرحت به فرحا كبيرا
https://www.facebook.com/share/p/17A6wwUZHr/
*هاهنا كذلك مقال للأستاذ أحمد متاريك يروي فيه الكثير من التفاصيل التاريخية والتي لم أتوقف عندها كما يشير للهدم والتخريب الذي تعرضت له المنطقة منذ بضعة أعوام لأجل شق بعض المحاور.
https://www.ida2at.com/mamluk-desert-oasis-islamic-history-egypt/
*للمزيد عن خانقاه فرج بن برقوق
يمكنك مشاهدة كل من الفيديوهات التالية عن الخانقاه وتاريخها وعمارتها ليوسف أسامة
أو المغامرة الشيقة للدكتور صالح لمعي مع الخانقاه في اللقاء التالي
وعن يونس الدوادار وقبته في حرم خانقاه فرج بن برقوق
*بقيت الإشارة اللطيفة للصورتين التاليتين لمدخلي قبتي خانقاه فرج بن برقوق الضريحتين المتقابلين وأجمل ما فيهما ذلك التناغم بين الضوء والظل، الحياة والموت والعبور بسلاسة من عالم للآخر وذلك بفضل تلك الصنعة الخشبية الدقيقة التي تسرسب الضوء وتخلق ذلك الإحساس السحري، أظن محبي ال liminal spaces سيقعون في غرامهما كما وقعت وللأسف لا أملك معلومة عن صاحب التصوير العبقري
هذه المقالة كُتبت في ظلال قصيدة الكرنك كما غناها عبد الوهاب وتصوري أنها أصلح ما تكون للقاهرة والتجوال بين عمائرها الهائلة رغم كل محاولات عبد الوهاب لكرنكتها (نظريتي المرتجلة أن روح عبد الوهاب ربيب غناء المشايخ وابن القاهرة وحي باب الشعرية لا يمكن أن تنخلع من آثار القاهرة وجوها الذي نشأت فيه حتى لو أمضى بضعة أيام في حرم الكرنك المهيب إن صح أنه لحنها هناك فعلا، ويتبدى ذلك في ثنايا الموسيقى و المقامات والنقلات رغم السلم الخماسي والايقاعات، هي على كل حال نظريتي غير الواثق منها ولكن أحبها) وأرشح حلقة عمار الشريعي الجميلة عنها
وللموسيقى سيرتها الذاتية أيضا فتجد لازمة الكرنك المميزة تحيا حياتها الخاصة وتتسرب لكمان عبده داغر مصاحبا محمد عمران في توشيحه الشجي سيد الكونين وكأن كل جمال رسولنا صلى الله عليه وسلم أولى به.
قصيدة وردزورث المؤثرة
https://www.poetryfoundation.org/poems/45558/there-was-a-boy
Islamic Monuments in Cairo: The Practical Guide. Caroline Williams
المقريزي “وقال موسى بن محمد بن سعيد في كتاب المعرب عن أخبار المغرب: وبت ليالي كثيرة بقرافة الفسطاط، وهي في شرقيها بها منازل الأعيان بالفسطاط والقاهرة، وقبور عليها مبان معتنى بها، وفيها القبة العالية العظيمة المزخرفة التي فيها قبر الإمام الشافعيّ رضي الله عنه، وبها مسجد جامع وترب كثيرة عليها أوقاف للقرّاء، ومدرسة كبيرة للشافعية، ولا تكاد تخلو من طرب، ولا سيما في الليالي المقمرة، وهي معظم مجتمعات أهل مصر، وأشهر منتزهاتهم وفيها أقول:
إنّ القرافة قد حوت ضدّين من ... دنيا وأخرى فهي نعم المنزل
يغشى الخليع بها السماع مواصلا ... ويطوف حول قبورها المتبتل
كم ليلة بتنا بها ونديمنا ... لحن يكاد يذوب منه الجندل“
لازلت أذكر فيديوهات يوسف أسامة الأولى والتي يرقى فيها السور ليرينا قنوات الماء وانحدارها المهندس بدقة حتى تمد القلعة بما تحتاجه من المياه
أظن تجربة اللقاء بمجرى العيون تلك أو فلنقل الارتطام به وما نجم عنها (وهو كذلك ما يمكن تعميمه على سائر العمائر القديمة) هي كما يصفها المعماري الفنلندي يوهاني بالازما
(إن التجربة المعمارية ذات المغزى ليست مجرد سلسلة من الصور التي تمر على شبكية العين. فـ«عناصر» العمارة ليست وحدات بصرية أو أشكالاً مادية؛ بل هي لقاءات ومواجهات تتفاعل فيها مع توقعاتنا وذواكرنا.)
كل اقتباسات بالازما من كتابه
eyes of the skin juhani pallasmaa
وهو أحد أرق التأملات المعمارية شاعرية وعليه كبير اعتمادي هاهنا
مررنا في الطريق سريعا بمأذنة ازدمر الماثلة بمفردها إزاء السيدة عائشة وكالعادة رحت ألتقط الصورلأبحث عنها لاحقا، حينها بالطبع لم أكن أعرفها وسأعلم لاحقا من بين ما أعلم أن المدرسة والمسجد راحوا ضحية غشومية الفرنسيين والذين هدموا الكثير من نواحي القاهرة وتمترسوا فيها في خلال مواجهتهم للثورات المتتالية ضدهم ونال المدينة نصيبها من انتقامهم خلال مساندتها لأهلها الثائرين.
*هنا فيديو يوسف أسامة عن مأذنة أزدمر
*وفي الأثناء استوقفتني قبة يعقوب شاه المهمندار كجزيرة معزولة وسط الطريق (ألا تذكرك بجامع يوسف أغا الحين قرب دار الكتب معزولا بين نهري السيارات ؟) مطلة عليه وعلى جدرانها تاريخ انتصارات صاحبها على العثمانيين في الأيام الأخيرة لدولتهم قبل أن تطأ سلطانها الغوري سنابك الانكشارية في مرج دابق.
فيديو يوسف أسامة عن قبة يعقوب شاه المهمندار
قال المقريزي عن فرج بن برقوق
“وكان الناصر هذا أشأم ملوك الإسلام، فإنه خرب بسوء تدبيره جميع أراضي مصر وبلاد الشام، من حيث يصب النيل إلى مجرى الفرات... وطرق ديار مصر الغلاء من سنة ست وثمان مائة…لا جرم أن خرب إقليم مصر وزالت نعم أهله وقلت أموالهم وصار الغلاء بينهم كأنه طبيعي لا يُرجى زواله”
في النهاية فالعمارة كما يقول بالازما
“تحررنا من قبضة الحاضر وتتيح لنا أن نعيش تدفق الزمن البطيء والمعالج. فالمباني والمدن هي أدوات الزمن ومتاحفه، تمكّننا من مراقبة التاريخ وهو يمر وفهمه، ومن المشاركة في دورات زمنية تتجاوز عمرنا الفردي.
تربطنا العمارة بالماضين؛ فمن خلال المباني نستطيع أن نتخيل صخب الشوارع في العصور الوسطى، وأن نتصور موكبًا مهيبًا يقترب من الكاتدرائية. زمن العمارة هو زمن متوقف؛ ففي أعظم المباني يجمد الزمن تمامًا. في البيرستيل الكبير في الكرنك، تحجر الزمن ليصبح حاضرًا ثابتًا وخالدًا. الزمن والمكان متشابكان إلى الأبد في الفراغات الصامتة بين هذه الأعمدة الضخمة؛ تتحد المادة والمكان والزمن في تجربة أساسية فريدة، وهي الإحساس بالوجود..”
قال المقريزي
“وَكَانَ اسْمه ألطنبغا فَسَماهُ الْأَمِير يلبغا - برقوق - لنتوء فِي عينه” وسيرد عليه ابن تغري بردي في سجال لطيف يدفع به تغيير الاسم ويعزو الأمر لجهل المقريزي واولاد العرب عموما بالتركية 😀
قرأت هذه التفصيلة في موضع ما وسأجن وأعثر عليه وحتى الان عاجز عن ذلك.
قال المقريزي في السلوك “ولقد سمعت العبد الصالح جمال الدين عبد الله السكسري المغربي يخبرني رحمه الله - أنه رأى قردا في منامه صعد المنبر بجامع الحاكم خطب ثم نزل ودخل المحراب ليصلى بالناس الجمعة ، فثار الناس عليه في أثناء صلاته بهم، فأخرجوه من المحراب وكانت هذه الرؤيا في أواخر سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فكان ذلك تقدم الملك الظاهر برقوق على الناس وسلطنته تأويل هذه الرؤيا، فإنه كان متخلقا بكثير من أخلاق القردة شحا وطمعا وفسادا ولكن الله يفعل ما يريد ولله الأمر من قبل ومن بعد”
سيظل من أشد الأشياء تأثيرا بنفسي ما نادى به عام ١٨٩٢ من استنقاذ الآثار العربية و الإسلامية قبل أن يدركها الفناء
“تعيش الآثار الإسلامية في العالم في حالة من الإهمال. فهذه الأطلال التي كانت يوماً ما رائعةً ستصبح قريباً بقايا متداعية لماضٍ مجيد وجميل، وستفقد نقوشها التاريخية. ينبغي تسجيل جميع النصوص المنقوشة على المساجد والمقابر والخانات والمدارس الدينية والحصون والجسور المختلفة، وتصوير جميع المعالم الأثرية، واستكشاف كل منطقة إسلامية، ودراسة مختلف القطع الموجودة في المجموعات الخاصة والمتاحف، ونشر النصوص بشكل منهجي لإنشاء سجل حي للمؤسسات الإسلامية. “
كما يقول بالازما “العين هي حس المسافة والانفصال، في حين أن اللمس هو حس القرب والحميمية والمودة. فالعين تراقب وتسيطر وتستقصي، بينما اللمس يقترب ويداعب. وخلال التجارب العاطفية الجارفة، نميل إلى إغماض بصرنا الذي يخلق المسافة؛ فنغمض أعيننا عند الحلم، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو مداعبة أحبائنا. تستقبل العين إيماءات المودة، لكن اليد هي التي تردها. الظلال العميقة والظلام ضروريان، لأنهما يكسران من حدة البصر، ويجعلان العمق والمسافة غامضين، ويستدعيان الرؤية الطرفية (peripheral) غير الواعية والخيال النابع من اللمس.
يتم تحفيز الخيال وأحلام اليقظة بواسطة الضوء الخافت والظلال. من أجل التفكير بوضوح، يجب كسر حدة البصر، لأن الأفكار تتخلق بالنظرة الشاردة وغير المركزة. الضوء الساطع المتجانس يشل الخيال بنفس الطريقة التي يضعف بها تجانس الفضاء تجربة الوجود، ويمحو الإحساس بالمكان.“
هناك الكثير من التفسيرات حول استخدام العمارة الفرعونية في الأبنية الإسلامية والمملوكية تحديدا لكني أرى دوما في تثبيت الآثار الفرعونية الرخامية والجرانيتية عتبا للمساجد والمدارس والخانقاوات رهبة وجلالا كبيرا وتخيل معي أن تصبح آثار الملوك العظام الذين عمروا الأرض وبنوا أعظم البناء عتبا تطؤه اقدام العامة مثلي ومثلك خلال دخولهم للصلاة أو طلب العلم.
لا تفوت قراءة بحث الأستاذ حسن عبد الوهاب الممتع عن الخانقاه.
https://islamicarchaeology.blogspot.com/2012/03/blog-post_03.html?m=1
ذلك السلام النفسي هو ما يراه بالازما أحد أهم وظائف العمارة :
“وإن أهم تجربة سمعية توفرها العمارة هي السكينة. فالعمارة تُجسد دراما البناء التي تحولت إلى صمت متجسد في المادة والفضاء والضوء. وفي نهاية المطاف، فإن العمارة هي فن الصمت المتحجر. فعندما تهدأ ضجة أعمال البناء، وتخفت صيحات العمال، يتحول المبنى إلى متحف للصمت الصبور المنتظر. في المعابد المصرية، نواجه الصمت الذي أحاط بالفراعنة، وفي صمت الكاتدرائية القوطية، نتذكر النغمة الأخيرة لترنيمة غريغورية، وقد تلاشى للتو صدى خطى الرومان من جدران البانثيون. تعيدنا المنازل القديمة إلى الزمن البطيء وصمت الماضي.
صمت العمارة هو صمت متجاوب ومذكِّر. التجربة المعمارية المؤثرة تُسكت كل الضوضاء الخارجية؛ فهي تركز انتباهنا على وجودنا ذاته، وكما هو الحال مع كل الفنون، تجعلنا ندرك وحدتنا الجوهرية.”
أو ندرك الله ونبصر يده وتجليات صنائعها!
هذا بعينه ما يثير التأمل في أطروحة هذا المعماري الشاعر والتي تحتاج تفصيلا ليس هذا موضعه ولكن باختصار فهو يرى تجربة الالتقاء بالعمارة ليست تجربة بصرية فقط ولا ينبغي لها أن تكون كذلك بل ينبغي أن تكون جسدية مستندة لسائر الحواس أيضا تحسسا وشما وسماعا وتذوقا حتى وحتى أكتب عن ذلك لاحقا يمكنك تخيل ما يعنيه ذلك أو الاطلاع السريع على كتابه/المانفيستو الذي يقدم به نظريته.
يصف بالازما ذلك في الفقرة التالية والتي تجعلك تود لو تحسست كل حجر عتيق سبق و مررت به
“تستشعر البشرة ملمس المادة ووزنها وكثافتها ودرجة حرارتها. يغري سطح الأشياء القديمة والتي صقلته أدوات الحرفي وأيدي مستخدميها الدؤوبة إلى حد الكمال، اليد بلمسه. فمن الممتع الضغط على مقبض باب لامع بفضل آلاف الأيدي التي دخلت من هذا الباب قبلنا؛ فقد تحول البريق الصافي الناتج عن ذلك البلى الصامد والمتجاوز للزمن إلى صورة للترحيب والضيافة.
مقبض الباب هو مصافحة المبنى. يربطنا الحس اللمسي بالزمن والتقاليد: من خلال انطباعات اللمس، نصافح أيدي أجيال لا حصر لها.”
فيديو يوسف أسامة عن مجموعة إينال
فيديو يوسف أسامة عن مجموعة قرقماس
وكما يمكنك أن تلاحظ فكل ما أشرت له من فيديوهات هو من شغل يوسف أسامة والحقيقة أني مدين له بالكثير من تعلقي بالقاهرة والدلالة على تفاصيلها الساحرة ولطالما كان رفيق تجوالي فيها وتعرفي عليها مذ شاهدت عمله لأول مرة منذ سنوات بعيدة فأحببت الإشارة له والتعبير عن امتناني وإرسال التحية على البعد تأسيا بسنة يحيى الجميلة في حديثه عن عمر النعمانى هاهنا..
أعني من أبناء المماليك وهو الاسم الذي كان يطلق عليهم حينها.
نقلا عن أستاذنا أبو العلا خليل وأرجو ألا أكون مخطئا عن صواري المآذن
“ وهي خاصة بتعليق القناديل فى شهر رمضان . وكانت العادة أن تظل موقدة طيلة ليل رمضان فإذا ما أطفئت علم الناس أنه بداية الصوم وعليهم الامتناع عن الطعام والشراب…
وقد افتى العلماء فى ذلك الزمان على حرمة إطفاء القناديل بصاري المآذن في رمضان قبيل طلوع الفجر والعلة فى ذلك - والحديث للسخاوى فى التبر المسبوك فى ذيل السلوك - لما يحصل من الإجحاف بمن ينام ثم يستيقظ وهو عطشان فلا يجد القناديل فيظن أن الأكل والشراب حرم….
وكانت الناس تبتهج وتتفائل بتعليق وانارة هذه الصواري الخشبية كما كانت تنقبض وتتشائم عند سقوطها. “
هاهنا مراجعتي المفصلة عن رواية طلال فيصل وعن الأشرف برسباي…
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
يصفه المقريزي فيقول “كان أبوه من أوضع أهل بلاده قدرا وأشدهم فقرا فأسلم إبنه هَذَا الحداد فَكَانَ ينْفخ عِنْده بالكير ثمَّ مَاتَ فتزوجت إمرأته بِرَجُل فَبَاعَ برسباى هَذَا وَهُوَ صَغِير من رجل يهودي إسمه صَادِق. فخدمه مُدَّة وتلقن أخلاقه وتطبع بطباعه حَتَّى جلبه إلى ديار مصر فإبتاعه الْأَمِير دقماق”
في الأغنية الإشارة اللطيفة لمفهوم الtriste وهو أعمق قليلا من الحزن، تحدث عنه أورهان باموق في وصفه الحميمي لاسطنبول لو مكسل تطلع على كتابه التحفة عن اسطنبول يمكنك النظر هنا في مقالتي عن القاهرة والتي استعير فيها وصفه (كما يمكنك أن تتخيل) استعارة زميل من زميل عادي
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ما هلت الديم وما جرت على المذنبين أذيال الكرم



































تحفة فنية ... سلمت يدك