(من مشروع دانيلا أورتيز الجميل تمرد الجذور (1))
الأشياء تنادينا
حسنا فلنلعب معا هذه المرة لعبة مختلفة، في الغالب أنت لا تملك وقتا وربما تختلس دقائق للاطلاع سريعا على ما يحتويه المقال والذي كما أتفق معك تماما لا ينبغي أن يكون في النهاية كتاب حياتي يا عين، أعني طويلا مملا، أو ربما تملكين الوقت لكن تفضلين فعل شئ آخر. سأفضي مباشرة إلى قلب الأمر وأعرض الفكرة ببساطة واختصار فإن راقتك واصلت قراءته وسرنا سويا في رحلة تتبع تلك الفكرة و تجلياتها وإن لم تستلطفيها فبوسعك على الأقل أن تمضي بالفكرة و تتأمليها منفردة. وكما قال البروفيسور أفيناريوس (2)
“ وأنت تلتذ بلحم البط الشهي، أتشعر بالملل؟ أتستعجل الوصول إلى الغاية؟ بالعكس، أنت ترغب في أن تبتلع هذا البط أبطأ ما يمكن، وأن تدوم نكهته في فمك إلى الأبد. لا ينبغي أن تشبه (الحكاية) سباق دراجات، بل مأدبة نتذوق فيها ألواناً من الأطباق.”
طبعا مع تمني أن يكون المكتوب في النهاية كمثل لحم البط الطري.
الفكرة كالتالي : في سياق الفرار من الملحميات الزائفة والبطولات الوهمية كتبت زميلتنا الرميصاء أنه لا بأس أن يكون المرء عاديا، يحكي حكاياته البسيطة الصادقة ويمضي في سلام بلا حلب ولا حزق.
أتفق تماما لكني أرى أن ثَم طريق آخر غير حكاية المواقف الشخصية ملحمية كانت أو متواضعة وذلك هو تلقط الحكايات المنثورة و الإصغاء لنداءات الأشياء حولنا. فتحت كل حجر حكاية تطلب من يرويها وفي كل زاوية قصة تحتاج فقط من يلتفت إليها، وللأشياء حيواتها السرية المثيرة وفي الخلفية من حولنا أحاديث ممتدة لا تنقطع، ورغم ما يبدو عليها من هدوء وادع وما تخاتل به العين العابرة من صمت خادع فإن صمتها ذلك لا يلبث أن يتبدد متحولا إلى صخب عارم متى أصغى إليه المرء أو المرأة إذا شئت. أحيانا يكون كل ما يتطلبه الأمر أن يرفع الإنسان رأسه وينظر من حوله.
هذه هي الفكرة، أرأيت ؟ بسيطة وقد تبدو ساذجة وليس فيها من ابتكار ولا أزعم بطبيعة الحال أنني أول من التفت إليها. هي فكرة قديمة متجددة لكني أحاول هاهنا أن أعرض كيف تجلت لي بقدر ما وسعني الإصغاء وامتلكت من انتباه وبقدر ما يتسع مقال لذلك دون ان أحظى بشرف شتيمتك قارئي العزيز على الطول المفرط. ولعلك أقدر مني على الالتفات لما حولك ولعلك تملكين بالفعل من تلك الحكايات الشئ الكثير. ولعلك ترى مثلي في الكثير مما حولك عتبات لعوالم سحرية لا نعرف عنها شيئا وتجمع من ذلك في صدرك و ذاكرتك أشياء قد حكيتها لأصحابك أو لم تجد الفرصة المناسبة بعد للحديث عنها ومن هنا فيمكنك التعامل مع دردشتي (ثرثرتي؟) هاهنا كدعوة للتأمل في الأشياء من حولنا والسير في الأرض بأعين مفتوحة وآذان مرهفة بدون افتعال قدر الإمكان. ولعله كذلك يحفزك على أن تروي لنا شيئا مما جمعت.
وشوشات المدن المثيرة والمخيفة
في رحلتنا الأخيرة لبروكسل ما إن خطت أقدامنا في وسط المدينة حتى تعلقت العيون بمبانيها العتيقة والتي راحت تحاوطنا من كل اتجاه وتلقي في القلوب الروع والشعور المتنامي بالضآلة ازاءها. لم تكن بروكسل كبعض المدن الأخرى تتوزع فيها الصروح على مساحات واسعة فتنشغل العين بمبنى مبنى وتستشعر نوعا من التباين بينه وبين ما حوله بحيث يعمل ما حوله على إبرازه وتجلية فخامته، لكنها هاهنا بدت من وفرتها مكدسة على رقعة ضيقة لا تكاد العين ترتاح من ملاحقتها ولا يلبث أن يرتد البصر حسيرا عن ملاحظة تفاصيلها الوفيرة ومنحوتاتها الباهرة، كما لو كان ثم منافسة محمومة لعمارة أكبر قدر من الأبنية الضخمة في أصغر مساحة ممكنة.
لكن ما إن تتجاوز العين تلك الأبهة التي تكاد تخطف البصر حتى يلح التساؤل ،الذي لا يني، عن طبيعة الموارد الوافرة التي تهيأت لرعاة البناء فيها حتى استتم لهم ذلك العمران الباذخ والذي تلمح العين خلاله شيئا من وحدة منسجمة دون نتوءات تنم عن تفاوت الصناع أو اختلاف الملوك المنشئين أو تعاقب العمران على أزمنة متباينة.
(قصر العدل ذو المعمار الوحشي الضخامة في بروكسل (3))
لازمني التساؤل في تجوالنا رغم تتابع مختلف المشاعر تجاه المدينة على خاطري والتي تتجاوز الانبهار بعمارتها إلى الاستئناس بما فيها من جاليات عربية هونت من وقع الغربة بالوجوه المألوفة والألسنة المأنوسة والطعام اللذيذ والبشاشة الحاضرة إلى جانب الاستمتاع بغناها المثير بالرسوم الممتدة على جدرانها واثبة بالنوستالجيا من أفلام الكارتون القديمة والمحببة.
الملك المهووس
لم أستطع الفرار من تساؤلاتي فرحت ألتقط التفاصيل عن تلك المباني الهائلة وشيئا فشيئا كان الشبح اللعين للملك ليوبولد الثاني يتجلى لي وراء تلك العمارة الشاهقة. بدا لي الأمر أشبه شئ بالسياحة في عقل الملك المهووس بالعمارة وإعادة خلق المدينة على هيئة فارهة تشي بجلالته وعظمته، تخلد ذكراه وتبث كذلك الهيبة في صدور زائريها.
وتلبي قبل كل شئ رؤيته الخاصة عن العمارة والبنيان الضخم والذي يهدف من ورائه إلى إعلاء قدر الأمة البلجيكية وإظهار عظمتها. كانت تلك أحلام الملك المجنون (الملك البنّاء Roi Bâtisseur كما كان يسمي نفسه!) والأوهام القاهرة التي تسيطر على عقله والتي كانت تؤزه لبناء الأضخم والأكبر والأطول دوما بجانب الرغبة الحثيثة للتفوق على سائر الملوك المجانين في أوروبا.(كما قال يوما؛ ليقسر الزوار على نسيان ضآلة قدر الأمة التي هو ملكها!)
ومن ذلك مثلا قوس النصر الهائل الذي أنشأه ليبز قوس النصر في روما و بوابة براندنبورج في برلين. (لو لم يكن هذا المخبول بلجيكيا لظننته مكسيكيا).
لكن وللمفارقة الملعونة فلم يكن قوس النصر في هذه الحالة احتفالا بأي نصر سوى النجاح الهائل الذي حققته شركته والشركات التي منحها حق الاحتكارلاستلاب خيرات ما سماه “دولة الكونغو الحرة!”.(4)
(تصور المعماري الفرنسي شالرز جيراو لمبنى Cinquentenaire)
أتوقف عند مفارقة التسمية الفاقعة “دولة الكونغو الحرة!” وأحاول التعرف أكثر على سرها، ومع كل تقدم في تلك المعرفة كنت أشعر كما لو كنت أخطو ببطء في مستنقع كريه، رائحة عطنة وقرف لا ينتهي وقبح يكاد يعمي العين.
قلب الظلام
ينهض الملك ليخطب في جمع غفير من المهتمين بالأعمال الخيرية وعلماء الجغرافية والنبلاء ورجال الكنيسة بعد أن دعاهم جميعا لبروكسل ليشهدوا الاجتماع التأسيسي للكيان الوهمي المسمى بالجمعية الدولية لاستكشاف أفريقيا ونشر الحضارة فيها (International Association for the exploration and civilisation of central Africa) أعلنها أمامهم حملة صليبية مباركة لإخراج الأفارقة المساكين من ظلمات الهمجية إلى نور الحضارة و الاقتصاد المحدث والمعيشة الرغيدة والقضاء على الاستعباد بلا بلا بلا من ذلك الهراء الوقح بلا ذرة احتشام. يباركه الجمع ويشدون على يديه ويهنئونه على سمو نفسه وطبيعته الطيبة.
تبدأ المهمة بإرسال المستكشفين لرفع خرائط تلك الأراضي البعيدة والتعرف على أهلها وطبيعتها، في العلن طبعا أما سرا فكانت خطة الملك تقتضي خلق تحالفات مع أهل البلاد ووضع اليد على كل ما أمكن من الأراضي وإيجاد قواعد متقدمة للسيطرة، كان الملك البزنس مان يطمح إلى مستعمرة تعوض ضآلة بلاده وتمول مورادها مشاريعه الوارمة لكنه نزع لتغليف طموحه بتلك النزعة الخيرية والتي سرعان ما ستنقشع تحت وطأة النزاعات بين القوى الاستعمارية الأخرى على أفريقيا.
(سيسل رودس التايكون الإنجليزي مادا خطوط التليغراف والسكك الحديد من الكيب إلى القاهرة كما تصوره إدوارد سامبورن في هذه التورية المرسومة في مجلة بنش بعد المؤتمر المذكور)
يجتمع الاربعون حرامي في برلين ليتقاسموا البلاد بمن عليها فيما بينهم بالعدل كما تقتضي أخلاق الحرامية وينجح ليوبولد عبر المناورات والتلاعب بالقوى الكبرى حينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا في أن يحتفظ بدولة الكونغو الحرة! والذي بدأ بجمعية خيرية انتهى بشركة خاصة للملك تنتهب ثروات تلك البلاد وتمارس على أهلها أفظع الجرائم التي تعتصر قلب المطلع عليها فضلا عن إعادة روايتها.
بدت المباني وتفاصيلها أثرا من آثار ذلك النهب الاستعماري العارم ممولة من فوائض تجارة المطاط المخضبة بالدماء و المفروضة بعنف مفرط في لا إنسانيته. سرعان ما تراجع الانبهار إلى الاشمئزاز من تلك الصروح يخالجني شعور عارم بالتقزز. وبدت
“العاصمة البلجيكية بمبانيها التي تزداد فخامة عبارة عن شاهد قبر يرتفع فوق مجزرة للأجساد السوداء، ويبدو المارة وكأنهم يحملون جميعًا في دواخلهم هذا السر الكونغولي القاتم. وبالفعل يوجد في بلجيكا إلى يومنا قبح يندر أن يراه المرء في مكان آخر، يعود إلى فترة استغلال مستعمرة الكونغو من دون أي رادع“(5)
(الملك الملعون كما صوره الرسام الإنجليزي ادوارد سامبورن في مجلة بنش)
كان وراء تلك المباني حواديت كثيرة وللمدن بالأخص حكاياتها المثيرة لكن وكما أدركت بمرارة فإن بعض الحكايات أخطر من بعض.
بارون هليوبوليس
بدت المدينة رازحة تحت ظل الملك الثقيل حتى وهو يتفسخ في قبره. ورغم مفارقتها ظل خياله يلاحقني كأنما يأبى أن يفارق بالي. كان السؤال المؤرق دوما : كيف اجتمعت له تلك الموارد الهائلة التي كرسها بسخاء للعمارة المفرطة الضخمة والوفرة ايضا ؟
أبحث عن شفط الموارد الخام من الكونغو لبلجيكا و اقرأ عن عقبات الطبيعة التي تعترض النهابة. ومن بينها تعذر الملاحة في موضع من نهر الكونغو وكان ممر النقل الرئيسي لتلك الثروات، عند تلك اللحظة من القراءة والبحث شعرت بشبح الملك يتنطط من حولي يلعب حواجبه ويخرج لي لسانه. فللتغلب على تلك العقبة التفت الملك حوله، لاحظ حينها شركة البلجيكي الذي تولى إنشاء خط السكك الحديدية الأولى في البلاد كما تولى إنشاء مترو باريس وعددا غير قليل من سكك الحديد والترامات في كثير من الدول الأخرى، كان يراه أحيانا في حفلاته دون أن يعبأ به كثيرا، لكنه وفي ظل الحاجة إلى الشحن البري عبر سكك الحديد وفي ظل الحاجة إلى استثمارات لتمويل مشاريعه الأخرى كذلك راح يقربه، كان الرجل إدوارد إمبان ولعلك تساءلت مثلي : البارون إمبان بتاعنا ؟
هو بشحمه ولحمه والملك نفسه من أنعم عليه بالبارونية ! آه يا ولاد الكااالب!
إدوارد إمبان الأب انتربنور ومهندس وعالم مصريات ردئ ويد الملك اليمنى في أعماله الخيرية هاه، فإذا كانت الاستعارة الحيوانية تجعل الملك أسدا فإمبان ثعلبه المفضل. وهو كما تقول الأسطورة عصامي بنى بيديه العاريتين مجموعة شركات ضخمة تخصصت تحديدا في إنشاء محطات الكهرباء وخطوط الترام وسكك الحديد والتي توزعت على طول القارات الثلاث أوروبا وآسيا وأفريقيا. وانشأ بنكه الخاص لتمويل مشاريعه.
(البارون إمبان في كاريكتور يصوره هاربا بأموال الفرنسيين ساخرا)
سيهبط إمبان مصر وفي نيته إنشاء بعض سكك الحديد وخطوط الترام، في النهاية هذه هي خبرته وما تقدمه شركته وسيؤسس بالفعل شركة سكك حديد مصر الكهربائية وواحات هليوبوليس.
لكن وكما نعرف جميعا لا يمكنك مقاومة أن تصبح مطورا عقاريا في مصرهذا شئ من المعلوم بالتاريخ بالضرورة وجانب من عبقرية المكان غفل عنه جمال حمدان أو كما قال هيرودوت مصر هبة المطورين العقاريين. فتتحول الخطة لتأسيس ضاحيته العجائبية على مساحة مقتطعة من الصحراء تكلفة الفدان فيها جنيه واحد بالعدد والتي ستمتزج فيها الطرز المختلفة (على الطريقة الاكليتكية eclecticism طريقة الحلو من هنا على الحلو من هنا كما كان طراز ولي نعمته في بروكسل). وتمثل في عمارتها وبنيانها أحلام الاستعماري المحموم بالشرق - ساعة العصاري- مكثفة في قصره الذي لن يتوقف منذئذ عن لفت الأنظار إليه.
(صورة جوية لمصر الجديدة(6))
تقول الحكاية أن الملك لاحقا سيزور صديقه البارون في مصر في خلال رحلة استشفاء امرأته من داء ألم بها وستضع في الأثناء حجر تأسيس الكنيسة الكاثوليكية، البازيليكا بمعمارها المميز.
سيغادر مصر وسيقضي سائر حياته في تقلب وتطواف ويموت في بروكسل لكنه لن يدفن إلا في ضاحيته وفي كنيسة البازيليكا تحديدا! (لأنه وفيما يبدو قد شرب حقا من نيلها) (7)
أقف طويلا عند ذلك الأمر وأتأمل سعة القاهرة الهائلة والتي توشك أن تحتوي العالم أجمع فتراه ممثلا فيها.
أفكر في فروق العمارة الملوكية الماثلة بين المدينتين وهل ثم فروق حقا أم الانتماء للمدينة الأولى يمنع من الحكم القاسي عليها وعلى سلاطينها وعمائرهم ؟
هناك بالطبع فروق بنيوية بين استعمار منظم تنتهب فيه الأطراف وترزح تحت وطأة الفقر والاستغلال لصالح مركز ينعم بالفوائض الوفيرة وبين حكم ما قبل الدولة الحديثة في دولة مثل الدولة المملوكية.
أفر من التفكير في عمائر الملك الباذخة وضاحية خادمه التي منحها للقاهرة وأستعيد صورة جامع المؤيد شيخ المهيب، لعلك ولك كل الحق تتساءل عن الرابط العجيب بين الأمرين، إِذا تجاوزنا وثبات الذهن العفوية فأظنه ضخامة الجامع وملوكيته والتي تحضر لذهني في مقابل أبنية ليوبولد الفخمة.
استعيد ما روى المقريزي عنه وعن دوي مجالس العلم فيه وما استودع خزائنه من نفيس الكتب. يشاغلني دوما التفكير في ذلك الجانب الديني والغيبي من عمارة السلاطين وهو الركن الذي لا يمكن تجاهله في تلك العمائر الشاهقة، أتذكر حين ملت لزيارته مع صحبي في إحدى رحلاتنا وكان بخاطري ذكرى ما كان من أمره الأول سجنا قاسيا ثم ذلك النذر الذي قطعه على نفسه السلطان حين ناله البق والحشرات لما امتحن بالسجن فيه، فلما تسلطن نقضه وبنى محله جامعه الضخم وقرر فيه الدروس والشيوخ ومجالس العلم ووقف عليه الأوقاف الوفيرة.
فلما مضينا إليه للصلاة ورحنا نذرعه إذا هو خلاء قفر إلا من نفر قليل قد تناثروا في الارجاء كل مشغول بصلاته أو قراءته المنفردة أو قد استلقى يختلس لحظات من كبد الحياة في ظل بيت الله، فكانت المفارقة هائلة بين ما يعمر أرجاءه من حكايات تمور بالتفاصيل لكنها تاريخ غير باد للعيان وبين الموات المخيم بالأرجاء المعشش في الزوايا.
يثور التساؤل المشروع الذي لعله يهوم ببالك أيضا بشأن ضخامة البنيان من الأساس "أتبنون بكل ريع تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ؟" أو بشأن طبيعة موارد إنشاء تلك الأبنية وما يتوارى خلفها من ظلم واعتساف وقهر بل ودماء ومذابح ؟ أين موضع المدينة من ذلك وآثار ذلك على شعورنا تجاهها ؟ هل تمثل العمارة أداة لتبييض التاريخ الدموي للمؤسسين وتجميله بعيون اللاحقين ؟ هل يمكن حقا الانتشاء بفنية البنيان وعظمته و تجاهل ما وراءه ؟ والسؤال الأهم لماذا نسلم بحكايات فُرضت على المدينة ؟ لماذا لا نستعيدها بحكاياتنا فيها وعنها ؟
أسئلة كثيرة و معضلة لا أزعم أن لدي إجابات وافية عليها لكني كذلك أحب تأمل تاريخ الأبنية نفسها وما يرتبط بها بعد أن تبدأ حياتها الخاصة بعيدا عن منشئيها، يمكن للمرء هاهنا أن يشهد تباينا حقيقيا بين الأبنية، فإلى جانب ارتباط جامع كجامع المؤيد بالصلوات والعبادات وحلقات العلم والتدريس فإنه كذلك بتنامي حيوات الناس العادية من حوله وأسواقهم و اندماجه فيها قد نجح إلى حد ما بالتنكر لماضيه السلطاني واستعاده الناس لصالحهم ولم يعد يشير إلى بانيه الأول إشارات باهتة. وهذا بتصوري في جانب منه على الأقل بعض ما يطمح إليه الآن الساعون لاستعادة مدينة كبروكسل وتحريرها من تاريخها الاستعماري أو تخفيف وطأته على الأقل وهو ما يحتاج حديثا مطولا على حدة.
أفكر في تلك العلاقة الحية مع المدينة والتي لا تستسلم لتاريخها السابق بل تشتبك معه وتسعى لإعادة كتابته وإعادة المدينة لأيدي أهلها وممن يستحقون الانتماء لها لا الاغتراب عنها، لكن المؤسف أن الكثير من ذلك ما زال ينقصنا، يشمل مد الحياة العفوي تلك الأبنية ويعيد تشكيل علاقاتنا بها ويدمجها في حيواتنا بلا شك لكنه لا يعوض ذلك التجاهل والإهمال الذي نوليه لها ومنه تعطيل الكثير من أخص شعائرها.
أتوقف عن البحث والقراءة بعد تزايد شعوري بالصداع و أترك الكثير من التفاصيل التي كنت أنوي الكتابة عنها على أمل العودة لها لاحقا. أبتسم لغرابة الرحلة..
في النهاية كما قال فؤاد حداد شرفت يا ولدي…
(1) THE REBELLION OF THE ROOTS
(2) البروفيسور أفيناريوس شخصية خيالية مثيرة من رواية الخلود لكونديرا.
(3) يكن المؤلف الألماني زيبالد المولع بالمدن احتقارا ضخما لقصر العدل يمكنك الاطلاع على تصوره هاهنا
(4) في البحث التالي تفصيل مطول لرؤية الملك ليوبولد المعمارية وصروحه الهائلة والتاريخ المظلم الدموي الذي احتف بها.
(5) حلقات زحل لزيبالد وفيه فصل رائع عن استعمار الكونغو وبروكسل والمناضلين عن حق لأجل المستضعفين هناك.
وفي الفيديو التالي لتميم عرض لطيف لشئ من تاريخ ذلك الاستعمار وللأسف عثرت به بعد القراءة والكتابة ولربما لو كنت رأيته سابقا لترددت في الكتابة
(7) ها هنا مقالة لطيفة عن تاريخ البارون إمبان
اذا كنت تحب التسكع في المدن مثلي يمكنك ان تلقي نظرة هنا
ميونخ
المناو
القاهرة














جميلة،في غاية الجمال،you made my day والله
شكرا جزيلاا :))))
متشكر ليك وتسلم أيديك على مقالتك اللطيفة