مش أنا لسة شايف التريند ده الشهر اللي فات؟
“Algorithms are limiting the future to the past.”
Jarod Lanier
سأل برادة الروائي صنع الله إبراهيم سؤالًا مدهشًا:
“هل لو توقفت مصر يومًا عن الكلام، يمكن للمجتمع أن يستمر؟”
في كتابه “البجعة السوداء“، ينصحنا عالم الإحصاء نسيم طالب بتقنية رائعة لنكتشف جهل المتخصصين، ولقياس حجم الكوارث التي يرتكبونها، وهي ببساطة أن نسجل تنبؤاتهم ونراجعها بعد مرور بعض الوقت، هذه التقنية تعالج ما يسميه عالم الاجتماع زيجمونت باومان مشكلة “فقدان الذاكرة النقدية”؛ فنحن لا نتذكر الأحداث لنستطيع انتقادها أو التعلم منها، فالقبض على تجارب الحياة السائلة عسير، وعندما ندخل عالم المنصات الاجتماعية، نَقتُل ما تبقى من الذاكرة النقدية بأيدينا، فتتابع الأخبار والأحداث وسيلان التفاعل والتريندات لا يترك متنفسًا للتفكير أو التذكر، تلك المساحة الضرورية لممارسة أبسط مهارات التحليل والنقد.
جربت تطبيق نصيحة نسيم طالب على التريندات، فوجدت نمطًا مكررًا من الأحداث والتفاعلات والمعارك، يختلف أشخاصها وأحيانا المجموعات المتفاعلة أيضا، ولكن يبقى جوهر التريند ثابتًا، لنجد حضورًا مستمرًا لتريندات الميمز، الزواج والتعدد، فضيحة أخلاقية، حدث كروي شهير، إساءة عنصرية، تضامن اجتماعي واسع، خلاف عقدي، مشاركات رومانسية لجزء حميمي من الحياة الخاصة، وقد تطول القائمة للحصر، وعند إبداء التبرم من تكرار التريندات، يدافع البعض مبررًا أن تلك المشكلات ما زال الناس يعانون منها، ولكن هل يمكن طرح تفسير آخر؟
في كتابه “عالم مُنقّى“ يحاول كايل تشايكا الإجابة على سؤال: كيف سطحت الخوارزميات الثقافة؟ عبر تحليل طريقة عمل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، فهي تقرر ماذا سترى، اعتمادا على مجموعة كبيرة من البيانات والأنماط الخاصة بك والمستخدمين الذين يشبهونك، تقرر ولا ترشّح، فلا يوجد هامش حرية للهرب، وهو ما ينتج عنه مشكلة الثقافة السطحية، التي عبّر عنها الباحث جارود لانير بجملته:
“الخوارزميات تحصر المستقبل في الماضي.”
فالخوارزميات تعيد إنتاج الماضي بعناوين جديدة، لتحصر التفاعل على المنصات في دائرة مغلقة، تجبر المستخدمين على تعزيزها، لأنها الطريقة الوحيدة التي سيحققون منها إشباع الذات الرقمية، لاحتياج المرء الأصيل للاعتراف | recognition، ليكرر المرء سلوكيات تعزيز الذات عبر إعادة المشاركة في المحتوى المحصور خوارزميًا في الماضي.
يوضح كايل تشايكا أن منصات التواصل انتقلت من كونها حالة هروب من الواقع إلى قوة تشكّل الواقع، وبالتالي، فإن التشابه والتكرار الرقمي يطل على واقعنا المعايش، ويصبغ به كل شيء، تتكرر المشاريع والدعايا، الأفراح والديكورات، الخطابات الإصلاحية، أنماط التعبير عن الحب والعواطف، موديلات الملابس والأذواق، كل شيء أصبح نسخة ردئية عن نسخة، وتحفّز هذه العملية المستمرة بالريتش الذي يناله نوع معين من المحتوى الرقمي.
ليأخذنا ذلك إلى سؤال آخر، هل نتفاعل برغبتنا الحقيقية؟ هل تنبع آراؤنا من أفكارنا الأصيلة ورؤيتنا عن العالم حقا؟
ينتشر اعتقاد عام أن المستخدمين يشاركون ويتفاعلون بآراء وأفكار أصيلة، شاركوا في بنائها بأنفسهم، وعبر عملية عقلية وتفكير، ولكن في كتابه “الذرّة الاجتماعية”، يضيء لنا مارك بوكانان زاوية أخرى، عندما يوضح أن هناك قوانين عامة للتفاعل الاجتماعي، يمكن تطبيقها على البشر، مثلما نطبق قوانين الفيزياء العامة على الأجسام، تلك القوانين أحيانا تهدينا إلى التفسير الأفضل للسلوك البشري.
القانون الاجتماعي الأول للسلوك البشري هو التقليد، وهو السلوك الأقرب حدوثه عند غياب المعلومات الكافية، فنميل إلى تقليد الرأي أو السلوك أو الفكرة، ولكن من نقلد؟
يقلد كل شخص ما يسميه آلان دو بوتون الفئة المرجعية، المجموعة التي تنتظر منها الثناء، تطمح في التقرب إليها، متوددا إلى أشخاصها، وهي الفئة التي صنعت نجاح صورتك الرقمية أو علامتك الشخصية في منصات التواصل الاجتماعي، تذكّر كم مرة تقلّبت آراؤك بين اليمين واليسار كلما قرأت رأيا لأحد المؤثرين عليك، وفسّرت ذلك باتضاح الرؤية، هل تعتقد أنك ستخرج بنفس الآراء في الأحداث إذا انعزلت لفترة؟
أما القانون الثاني للتفاعل الاجتماعي هو التكيّف. نميل إلى التقريب بين الأطراف، نحاول سد الفجوات، تعديل استجاباتنا حتى نتماهى مع ردود الأفعال، لاحظ الاستدراكات والتعديلات ومحاولات التوضيح التي تتصدر الدفاع عن فكرة أو رأي شاذ وصدامي.
أما القانون الثالث فهو الاحتياج العاطفي للمصادقة | Validation. يتحرق المرء لسماع المجاملات والشكر والاعتراف بمهاراته، ينتظر مقابلًا لتضحيته وتقديرًا لأفعاله، ويشكّل ذلك دافعًا قويًا للأفعال.
إذًا توجد احتمالية معقولة أننا نُسحب إلى مساحات ما رغما عنا، ماذا إذا عن الأمور التي نحبها؟ هل نرى ما نحب أم نحب ما نراه؟ لنتحدث قليلا عن الذوق.
من الممكن تعريف الذوق بأنه تفضيل شخصي، يشترط توافر أربع عناصر، العنصر الأول هو المفاجأة. تختبر تجربة أو أمرًا غير متوقع، أما العنصر الثاني فهو التفاعل، أي الجهد العاطفي المبذول للتعاطي مع التجربة المفاجأة. لنصل إلى العنصر الثالث وهو الوقت اللازم لذلك التفاعل. وأخيرًا الحكم الشخصي على تلك التجربة، هل أحببتها أم لا؟ وبالنظر إلى طبيعة تصفح منصات التواصل الاجتماعي، فنحن نفتقد لعنصر المفاجأة والوقت، فالمحتوى معد مسبقًا، ونستهلكه، أما وقت التفاعل فهو من 3 إلى 7 ثواني قبل متابعة التصفح، إذا فنحن لا نرى ما نحب بل نحب ما نراه، ببساطة لأنه ليس نتاج أذواقنا الشخصية.
أما من الجانب الاجتماعي، فيمكننا النظر إلى أزمة تكرار التريندات من خلال رؤية روس داوثت في كتابه “المجتمع المنحط“، عندما تحدث عن مشكلة اجتماعية سماها “التصلب”، وهي فقدان أفراد المجتمع القدرة على التجاوز، ليصبح التكرار سمة أصيلة في أي نمط تعبير ثقافي اجتماعي، يدفعنا حنين غامض لاستعادة عصر ما، وإعادة إنتاج محتوى رقمي نال اعجابًا ووصولًا فائقًا، فمقدمو الإرشاد النفسي والأسري يبنون سجنًا، يمنعهم من الانتقال إلى مرحلة مختلفة من التأثير الحقيقي ،والانفلونسرز يستحيل أن يغيروا نمط تفاعلهم مع الأحداث وعرض ذواتهم كعلامة تجارية، وفي ظل غياب هامش الحرية، يلتزم الجميع بمواقعهم الآمنة، التي تستمد أهميتها من وجود الآخر، وضرورة وجود الأزمة.
ماذا يمكن أن نفعل؟ نعود إلى نسيم طالب ونصيحته، وباومان وذاكرته النقدية، لنضيف أكثر من نقطة ممكنة، ولنبدأ بمساءلة أذواقنا الشخصية، ومحاولة نقل التصفح إلى مساحة الوعي، عن طريقة الانتباه واليقظة لما نستهلكه من محتوى رقمي، وهي عملية مرهقة وشديدة بل ومعاكسة لطبيعة عمل المخ والخوارزميات، ولكن النقطة الأهم بالنسبة لي، هي عدم التعامل مع التريندات – التي تبدو مهمة خصوصا – بحرص، فأهمية الموضوع لا تعفيه من العملية الحتمية التي سوف يمر بها، والتمرن على مهارة عدم اعتناق الآراء، والتحلي بمفهوم التواضع الفكري، الذي أفرد الباحثون والفلاسفة عدة تعريفات له، أميل شخصيا إلى هذا التعريف:
“عدم الاكتراث الانفعالي بالمكانة الاجتماعية المرتبطة بالآراء الفكرية.”
لمزيد من مقالات الكاتب فارس محمد
للمزيد حول شروط النشر انظر هنا







