بول أوستر : اختراع العزلة
بين الإسماعيلية والسويس، تقع منطقة كسفريت، التي تُعد حلقة وصل بين المحافظتين. لكنها ليست مجرد نقطة جغرافية، بل هي واحدة من الأماكن التي تستقبل آلاف الشباب سنويا، لكن ليس لغرض السياحة، بل بسبب الخدمة العسكرية.
تضم كسفريت مركز تدريب عسكري ذائع الصيت، مخصص للقوات الجوية وملحقاتها، المركز متوسط الحجم، هادئ ويبعث على الرهبة، تحيط به الأساطير عن الأشباح واللعنات، وهو سبب شهرة المركز بين الجنود، الذين يعتبرون دخوله نقطة تحول في حياتهم.
كان قد مر أسبوعان منذ أن عبرت بوابة مركز تدريب كسفريت، وفي أحد الأحاديث الجانبية، حاولت أن أذكر كلمة باللغة الإنجليزية، لكنني عجزت، تكرر الأمر عدة مرات، كأن الذكريات تتلاشى تدريجيا، تختفي بعض الوجوه، تسقط بعض المصطلحات، وتضيع الكتب والأفلام، لم أعد أستطيع تذكر بعض الأشياء التي كانت واضحة في ذهني قبل دخولي المكان، تساءلت: ماذا أصابني؟ هل الزهايمر أحد لعنات كسفريت؟
“كانت ذكرياتي هي ملاذي الوحيد، ملجأي من واقع الحياة الممل.”
-طه حسين: الأيام
بعد أن هدأت قليلا، خمنت أن الجواب ربما يكون هو الروتين العسكري، لكن الإجابة ناقصة، الذاكرة لا تقتصر على مجرد تخزين المعلومات واسترجاعها، هناك شيء أعمق، التفت إليه باحثان في عام 1975م.
قرر جودن وبادلي اختبار مفهوم جديد متعلق بالذاكرة، فاختاروا 18 غواصًا محترفًا، كان عليهم حفظ قائمة من الكلمات، ثم تقسيمهم إلى مجموعتين: الأولى كانت تحفظ الكلمات تحت الماء، بينما الثانية كانت تحفظها على اليابسة، وبعد دقائق فقط من حفظ الكلمات، تم اختبارهم عشوائيًا.
البعض اختُبر تحت الماء، والبعض الآخر على اليابسة، وكانت المفاجأة في النتيجة: الغواصون الذين حفظوا الكلمات تحت الماء واسترجعوها في نفس البيئة - أي تحت الماء - سجلوا أعلى معدلات النجاح في تذكر الكلمات، تكررت النتيجة مع المجموعة الثانية التي حفظت الكلمات على اليابسة واختُبرتها هناك، ولكن عندما اختلف مكان التعلم عن مكان الاسترجاع، حينها، تدهورت ذاكرة الغواصين بشكل كارثي، ولم يستطيعوا تذكر الكلمات بشكل جيد.
هذه التجربة فتحت الباب أمام فهم أعمق لمفهوم “”Context - Dependent Memory أو “الذاكرة المعتمدة على السياق”.
السياق، كما يعرّفه العلماء، هو كل العوامل المحيطة التي تؤثر في تكوين واسترجاع الذكريات، يشمل هذا المكان، الأصوات، الروائح، هل حدثت الذكرى في غرفة معينة؟ أو ربما في الشارع؟ ما تأثير الأصوات التي كانت موجودة في الخلفية؟ هل كانت هناك موسيقى، ضوضاء، أم كان هناك صمت تام؟ قد تكون هذه العناصر الصغيرة، التي نتجاهلها أحيانًا، هي التي تحدد ما إذا كانت الذكرى ستظل حية أم ستتلاشى مع الزمن.
السياق أيضًا يتضمن العوامل الزمانية، متى حدث الحدث؟ وأيضا ترتبط الذاكرة بشكل كبير بحالة الشخص العاطفية وقت الحدث، هل كانت لحظة عاطفية قوية أم لحظة عادية؟ فالمشاعر القوية، سواء كانت فرحًا أو حزنًا، تُعمق الذكريات وتجعلها أكثر وضوحًا في الأذهان، كما أن الحالة النفسية تلعب دورًا محوريًا، إذا كنت في حالة مزاجية جيدة، قد تكون ذاكرتك أكثر حدة، لكن إذا كنت في حالة ضغوط أو اكتئاب، قد تجد صعوبة في تذكر بعض التفاصيل.
ويضاف إلى ذلك العوامل الاجتماعية، الأشخاص المحيطون بك ونمط التفاعل معهم له دور أساسي في تشكيل الذكريات، كيف تفاعلت مع الآخرين خلال الحدث؟ وهل كانت لديك محادثات مهمة؟ كل هذه التفاصيل تُضاف إلى السياق الذي يؤثر في كيفية استرجاع الذكريات.
“الذاكرة هي السجن الذي نقبع فيه، نعيش فيه ونموت فيه.”
-صنع الله ابراهيم: اللجنة
لكن إذا كان كل هذا هو ما يشكل السياق، فما الذي يحدث عندما يصبح هذا السياق مُتغيرًا؟
كما يظهر في دراسة ميلر وبنتلاند وتشوي للروتينات التنظيمية داخل المؤسسات، فإن الروتين المؤسسي يُشكل سياقًا جديدًا كليًا، قسّم الباحثون الذاكرة إلى ثلاثة أنواع: الذاكرة الإجرائية، التي تعتمد على تكرار المهام دون تفكير مكثف، الذاكرة التصريحية التي ترتبط بالمعلومات الواضحة المباشرة، والذاكرة التفاعلية التي هي المعرفة المشتركة بين الأفراد.
عندما يتغير الروتين والسياق، تحدث فجوات بين الروتين المعتاد والروتين الجديد، هذا التغيير يخلق تحديات في كيفية استرجاع المعلومات، مما يُنتج صراعًا داخليا، فالروتين المعتاد يحاول إعاقة التغييرات الجديدة، مما يستدعي التدخل بأساليب العقاب والمكافأة لتحفيز التغييرات الجديدة وتثبيتها، فيُفسد الروتين الجديد الروتين المعتاد، مسببًا فجوات في الذاكرة.
لا شك أن التعلم في سياقات متعددة له أثر إيجابي على الذاكرة على المدى البعيد، حيث يساهم في تعزيز القدرة على استرجاع المعلومات من بيئات وسياقات مختلفة، لكن، كما هو الحال في أي تجربة حياتية، قد تتفوق السلبيات إذا كانت التغيرات السياقية مفاجئة وعنيفة.
“الذاكرة أكبر من أن تحاصرها اللحظات، فهي بحور من الأحلام، لا تطاق... تذكرت كل شيء، وبقيت غارقًا في لحظة واحدة، ناسيًا باقي العمر.”
-نجيب محفوظ: الحرافيش
في النهاية، بعض الأماكن ثقب أسود يبتلع النسخة التي كنتَ عليها ليُخرج منك نسخةً تجيد الطاعة ولا تجيد التذكر، السياق فيها جبار، يفرض سطوته بالرائحة، وباللون الواحد، وبغياب الأنا.
لكن، إذا كانت الذاكرة معتمدة على السياق، فإن المقاومة تكمن في خيانة هذا السياق، أن تدسّ في جيبك ورقة صغيرة عليها بيت شعر، أو أن تستعيد خفيةً ملامح وجه تحبه وسط الزحام، أو حتى محاولة استعادة حكاية ناقصة.
نحن البشر حكائين، والذاكرة، وإن خانتنا في استرجاع معادلة رياضية أو اسم مؤلف، فهي لا تخوننا أبدا في استرجاع شعورنا، لذا، قاوم بذاكرتك، استعدها قطعة قطعة كأنك تجمع أجزاء لغز مفقود، ففي تلك اللحظة التي تتذكر فيها عنوان كتابك المفضل وسط الزحام، تكون قد أعلنت انتصارك الصغير على السياق.
مقالات قسم العيادات الخارجية هي المقالات التي نتلقاها عبر البريد الإلكتروني. للمزيد حول شروط النشر انظر هنا






