منطق مختلف.. سؤال مشترك
مررتُ بالأمس، خلال تصفحي، على معرض يحمل عنواناً طويلاً بعض الشيء:
"X frames per space _ Different logics, shared questions"
تتمحور فكرته حول بيان أنماط التفكير المختلفة من قوالب معرفية متباينة قد تقود ممارسوها إلى طرح الأسئلة نفسها، أو أن حتى الأسئلة المختلفة قد تقود إلى إجابات قابلة للمقارنة، فيكون الناتج "تصوراً متعدد المنطق".
وهذا التصور في سياقه الأصلي، كما في المعرض المذكور الدامج بين علم الأحياء والفن، يتناغم تناغماً مثمراً؛ تكمل كل يد عمل اليد الأخرى لتصل بنا إلى إجابة رصينة، ضابطة، وجميلة جذابة، تُفتح بها باباً جديداً لاستيعاب التعقيد من خلال دمج الأرقام مع الألوان، والتنقل بين المنطق التجريبي النظامي والمنطق التخيلي المجازي.
ولكننا حين نحاول إسقاط الفكرة على ثنائي آخر -السياسة والأدب- (ويرجع الفضل إلى بعض الأصدقاء في التفكير في هذا الثنائي)، نرى علاقة أكثر توتراً؛ لأن المنطقين هنا لا يتكاملان على طول الخط، بل في أغلب الأحيان يتنازعان.
منطق مختلف.. سؤال مشترك.
السؤال المشترك بينهما ليس حول الماهيات، ولكن حول الفاعلية!
مَن هو الصوت ومَن هو الضجيج؟
أين حدُّ المتن وبداية الحاشية؟
وأثناء محاولتي لفك وفهم هذا النزاع وتبسيط خطوطه لي أولاً -لأن هذين المجالين بعيدان عن دائرة اختصاصي، وإن كنت في بعض الأحيان أُلزم نفسي بقطع بعض من المسافات بيني وبين ما هو بعيد عن دائرتي ردءاً للعداء المصاحب لكل ما نجهل- صادفتُ أثناء بحثي عن الفلسفات الرابطة بين المجالين كتاب "تحرير المحسوس" للشاعرة والروائية التونسية أم الزين بنشيخة المسكيني، ووجدت في فلسفة "الاشتراك في المحسوس" -كأطروحة أساسية في الفكر السياسي والجمالي المعاصر لجاك رانسير- غايتي (الفصل الحادي عشر من الكتاب).
ماذا يحدث عندما نفتح ميدان الجماليات على حقل السياسة؟
سنحاول، أنا وأنتم، ولوج هذا الرأي قدر الوسع وإلى حدِّ ما قبل الملل (أرجو ذلك).
بداية بالسياسة: «فالسياسة تتعلق بما نراه وبما نقوله، وبمن يملك مهارة ما نراه والطريقة لكيفية قوله»، ولا يتم ذلك إلا عبر «لحم الكلمات»؛ إن الكلمات بقدر ما تسمي الأشياء، وبقدر ما تأمر وتغضب وتنادي وتعزي وتصرخ، هي تصنع الجماعة وتخترع المشترك.
فتأتي يد السياسة باسطة سوار [سياسة الإجماع] التي تؤدي إلى «تشييء المحسوس»، وتأكيد وضعيات ما هو معطى، وما هو رسمي، وما هو جاهز؛ للحفاظ على الجماعوية بأشكالها الهووية والأصولية مختلفة الأطياف. فتجيب عن سؤال الفاعلية عبر القوانين والطبقية بصرامة لا تقبل النزاع، فتضع آلية مقيسة، وأحياناً هذا التسلط عبر ادعاء الإجماع يكون سبباً لإصابتها بفوبيا السلب؛ فوبيا سياسية تقدم نفسها بوصفها سياسة مضادة.
ولكن، ماذا يحدث عندما نفتح ميدان الجماليات على حقل السياسة؟
فننتقل من مفهوم "الطبقية" إلى مفهوم "الفلانية"، حيث «لأي شخص كان» الحق في تقاسم المحسوس.
فنجد يد الأديب أشبه بيد جراح يزيح عن وجه المدينة حجاب واقعها السميك ليرى فيها هواه، مستدعياً مفهوم المساواة من ميدان الفكر السياسي إلى ميدان التفكير بالممارسات الفنية عبر اختراع «مجموعة المتساويين»، تضم أيضاً أولئك الذين لا نصيب لهم، أولئك الذين لا مسكن لهم ولا أوراق ولا جوازات سفر...
«فتصير الممارسة الفنية نمطاً من الفعل الجماعي الذي يعيد توزيع العام من أنماط الوجود وأشكال المرئي، وهنا يذوب الفارق بين ما هو جمالي وما هو سياسي؟
وما هو فن وما هو ليس بفن؟"
إن هذا "المحسوس" الذي يُتشارَك في اختراعه وفي إعادة توزيعه ليس هو المحسوس المعطى من يد السياسة، بل هو إمكانيات التخيل اللامتناهية للممكن الذي بحوزة البشر. فعند ذلك، نرى النزاع بين المجالين حول توزيع الأزمنة والأمكنة، المرئي واللامرئي، الصوت والضجيج، المقول والمسكوت عنه.
«فنحن حين نكتب إنما نكتب "لأي كان"، فنعيد توزيع المحسوس بالقضاء على السلم الاجتماعي المعطى والجاهز، ونعطي الحق للجميع للانتماء إلى فضاء يتسع لكل الناس. فيعتبر الاشتراك في المحسوس خلق شكل آخر من المساواة بين كل القراء الممكنين.
وذلك لأن الأدب لا يعترف بأي طبقية ولا أفضلية بين البشر؛ فكل صفحة نكتبها هي قابلة لأن تُقرأ من طرف أياً كان، مهما كان لونه أو انتماؤه وطبقته. فالفن بهذا خلق فضاءً خيالياً مغايراً للأمكنة التي تستولي عليها المنظومة السياسية بأجهزتها المهيمنة، واخترع نوعاً آخر من الحرية بعيدة المدى، فيما هو أبعد مما تنص عليه الأجهزة الحقوقية القانونية. وبذلك فتح آفاقاً من المساواة والعدالة الرمزية بإعادة توزيع محسوسٍ توزيعاً عادلاً عبر الفن، الذي يتخطى كل الظروف الظالمة، مخترعاً مشتركاً من نوع خاص؛ ليس هو بمشترك الحدود الجيوسياسية لشعب ما، ولا هو بالمشترك الهووي في جماعة تنتمي إلى هوية ثقافية وتتقاسم ذاكرة واحدة، إنما الأمر يتعلق بمشترك «أصدقاء الفن» بوصفهم مواطنين كونيين في عالم يحتضن الجميع."
وتلك الجماليات المشتركة لا تعد بأي شكل من اليوطوبيا، إنما هو تخيل للواقع ووضعه بإمكانيات لا متناهية من فن الممكن.
«وفي ذلك أمر يجعلنا ندافع عن ضرب من المجانية والاعتباطية، بل وحتى الابتذالية، ضد كل أشكال الشرف الاجتماعي، والتراتبية، وأنساق التوزيع المختلفة للمحسوس، ضد كل ألقاب الشرف والنبل الزائفة. إن أياً كان بوسعه أن يشترك في الممارسة الفنية، وإن الفن بوسعه أن يوجد في أي مكان وبأي طريقة وبوسعه أن يكون متاحاً للجميع، وإن أي شيء يمكننا أن نحوله إلى فن... غليون، أو أحذية قديمة، أو بسمة عابرة...».
فهو بذلك يعيد المعنى إلى الحياة المشتركة التي صارت تشكو من الفراغ والاختزال ونقاط العطالة، باختراع أجساد مغايرة للأجساد الخاضعة للهيمنة.
مجيباً عن سؤال: كيف نختراع جسداً مغايراً لذلك الذي تأقلم على الخضوع؟
«فذاك أمر بوسع الممارسات الفنية -بوصفها أنماط فعل، وأنماط كينونة، وأنماط إعادة توزيع المحسوس- أن تحققه، وهذا هو معنى [خرق الإجماع]؛ أي تغيير أنساق التمثيل المكتسبة، وكسر أجهزة المحسوس الجاهز، أو القطع مع نظام الإدراك المهيمن».
فحين ترى التاج يحارب القلم — رافضاً بل وقاتلاً بعض آرائه المصادمة لما بناه من تشييئ المحسوس — فهو لا يقبل المساس بحدوده من أي اتجاه. ليس لأن الحدود صحيحة. بل لأن الاعتراف بوجودها شرط بقائه
تسيس الأدب أم تأديب السياسة
علينا أن نميز في السياسة بين الكلمة والصرخة، وهنا يأتي دور الأدب تحديداً.
«أو سياسة الأدب: التي تعني أن الأدب يمارس السياسة بوصفه أدباً،... وتفرض أن ثمة رابطة جوهرية بين السياسة بما هي شكل خاص من الممارسة الجماعية، والأدب بما هو ممارسة خاصة لفن الكتابة؛ الرابط هو فكرة الممارسة الجماعية المشتركة بينهما».
بل عند إمعان النظر، نجد علاقة حميمة بين الفن والديمقراطية: «فالديمقراطية لا تنحصر في صياغة القوانين والتشريعات الحقوقية، إنما تكمن في تغيير العقليات؛ بوسع الفن زرع الفكر الديمقراطي والحس الديمقراطي ضمن المشاعر والسلوكيات وميدان الفعل البشري، لأنه يقترح علينا سياسات خاصة للمرئي واللامرئي، للمحسوس والمقول، والمفكر فيه والمسكوت عنه معاً، سياسات تنجز شروخاً وقطيعات داخل النسيج المحسوس للإدراك، داخل ديناميات الأهواء».
فتتسع بذلك إجابة سؤال: لأي شيء يصلح الأدب (الفن)؟
«فلا تقتصر فقط على تسجيل ذاكرة كوارث العصر، أو التواصل بين البشر وبناء علاقات اجتماعية مغايرة بين الناس، أو حتى جعل المعاصرين مسؤولين عن الماضي، أو جعلهم قادرين على اختراع علاقات أفضل بين الأمم، بل تمتد وتتأصل على التدريب على هذه المسؤولية وعلى ذاك الاختراع؛ ذلك لأنه بوسعه اختراع جماعات من الموضوعات، والصور، والأصوات، والوجوه، والأقوال التي تنسج العلاقات بين الماضي والحاضر، وبين أمكنة بعيدة وفضاءات للعرض.... إن هذه الجماعات لا تجمع بقدر ما تفصل، ولا تقرّب إلا بقدر ما تخلق من المسافات، غير أن ذاك الفصل وخلق المسافات إنما هو أيضاً وضع الكلمات والصور والأشياء ضمن جماعات من أشكال التفكير والخلق والكلام والسماع التي تتقارب وتتكامل».
ولا تظن بأن ذلك «يجعل الجميع فنانين»، «إنما يعني أن الفن يحيا من الفن الذي يغيّره، ومن الفن الذي يهيئ ظهوره معاً».
لا تصلح مدينة بلا شعراء
وهنا ينتهي سردنا لهذا الرأي الفلسفي الجامع بين مجالين، يدعي كلاهما أنه يعرف الحقيقة الإنسانية ويرى الصورة كاملة.
وينشأ النزاع الذي قد يصل في الأغلب إلى بسط يد أحدهما (السياسة) على الآخر، فلا يكتفي بتجاهل الأدباء ونتاجهم، بل يحجب بعض هذا النتاج، ويجعل ما أنتجه البعض الآخر من خرق الإجماع مجرد زينة للواجهة السياسية، في سجال يعيب كلاهما على الآخر أنه لا يملك إلا نصف الصورة.
ربما هذا صحيح.
وربما نصف الصورة هو أقصى ما يستطيع أي منطق تصوره مهما تعدد.
فنعلم أن النزاع لن ينتهي. لكن ربما هذا هو الشكل الوحيد للحوار بين من يحكم المدينة ومن يروي قصيدتها؛ أن يبقى النزاع حياً، لأن اللحظة التي يتفقان فيها تماماً هي اللحظة التي يبتلع فيها أحدهما الآخر.
ختاماً،
« لا تصلح مدينة بلا شعراء»؛ إنها لا تصلح إلا لهدهدة الرضع، على حد عبارة رنسيار.
لقراءة المزيد من نصوص بسمة
للمزيد حول شروط النشر انظر هنا






