السيد ماكس بلانك،
قرأتُ لك بحثاً عن السببية، فوجدتني أتساءل عن الحرية.
ولهذا أشكرك، وأبدأ رسالتي إليك عابرةً قرابة القرن من الزمان.
لقد سردتَ الإشكالية بقلم عالم أديب، وطرحتَ السؤال: إذ كيف يمكن مواءمة حرية الإرادة البشرية مع حقيقة كوننا جزءاً لا يتجزأ من الكون الذي يخضع لنظام الطبيعة “الصارم” على حد وصفك؟!
حيث إن الظواهر الطبيعية تحدث وفق التسلسل الدقيق للسبب والنتيجة “عادة”، وفي المقابل يخبرنا الوعي البشري أن أفكارنا وإرادتنا في نهاية المطاف لا تخضعان لهذا النظام السببي، فأنت قادر على اتخاذ ما تريد من خيارات في أي وقت، ونتيجة لذلك فأنت مسؤول بصفة عامة عن أفعالك، وعلى هذا يقوم النبل الأخلاقي للإنسان!
وصفُ الإشكال يجعلنا نقر باستحالة حل شامل نهائي؛ فهنا صوتان:
الأول: السببية مسلمة لا استثناء لها، وكل ما في الكون يخضع لها.
الثاني: الروح والإرادة والعقل الواعي فوق قانون السببية.
بين الصلاحية المنطقية للأول والمشروعية الأخلاقية للثاني يزداد الانقسام. ولا تظن أن هذا مجرد إشكال فلسفي سطحي، بل إن قيمته تمتد لتشمل كل ثمار البحث العلمي؛ فإن لم يكن مبدأ السببية أساساً سليماً للبحث العلمي، فكيف يمكن اعتبار القرارات التي تُبنى عليه قرارات موثوقة؟!
أصل الإشكال: نسيان كلمة “عادة”
على بساطة فكرة السببية والإلف بها في حياتنا اليومية، لا يصعب التفكير في أن حدثاً ما قد وقع دون سبب يفسره، كالمعجزات، ولا ينطوي هذا على تناقض منطقي. بل إن أصل الإشكال يرجع إلى نسيان كلمة “عادة” في قانون السببية.
وأظن أنه تناسٍ؛ إذ لو صدق ادعاء صرامة السببية لتوقف سيل البحث العلمي والإبداع الفني. إذ كما تقول:
”الإنسان الذي يعجز عن تخيل أحداث الوجود وأحواله التي تناقض مبدأ السببية كما يعلمه، لن يثري علمه أبداً بإضافة فكرة جديدة إليه، وهذه القدرة على التفكير فوق نطاق السببية شرط لا غنى عنه للتنسيق بين النتائج التي يصل إليها العلماء عبر البحث العلمي بنحوٍ مرضٍ.”
تعدد المدارس حول هذا الإشكال
نظراً للحاجة إلى إلباسه ثوب الميتافيزيقا حيث نشأ في صراع بين العلم والدين، هناك:
من رأى أن علاقة السببية مقدسة بسبب الحلولية.
ثم جاءت مدرسة الأنوية.
وصولاً إلى كانط، مؤسس المدرسة النقدية.
وإن كنا نتفق معه أن الانطباعات الحسية في الوعي البشري ليست مصدر المعرفة الوحيد، نعم فالإدراكات أوسع؛ فقد صاغ كانط “المقولات”، أي ينطوي العقل على مفاهيم محددة مستقلة عن التجارب الحسية، وقال بأن السببية مقولة في حد ذاتها؛ فهي أحد الأشكال الاستنباطية الأساسية التي يعمل بها الإدراك على تنظيم التجارب الحسية تلقائياً.
بمعنى أنها لا تصدر من التجربة الحسية، بل على العكس: هي ضرورة لتحقيق التجارب الحسية المنظمة، معارضاً بذلك المبدأ الوضعي القائل بأن العقل قد صاغ مبدأ السببية لأجل راحته، رافعين شعار “الإنسان هو مقياس كل شيء”.
ثاني عمود لفك هذا الإشكال
هل تنقسم فروع العلم المختلفة حول مسألة السببية مثلما تنقسم فروع الفلسفة؟ والمقصود هنا الحديث عن العلوم المتخصصة.
هل يركز العلم اهتمامه حصراً على البيانات التي تمدنا بها التجارب الحسية مباشرة وتنظيمها بشكل منهجي وفق قواعد المنطق، أم أنه من البداية يتجاوز حدود المعرفة التي يمدنا بها ذلك المصدر المباشر ويقفز إلى عالم الميتافيزيقا؟
ولا شك أن الخيار الثاني قد تم تأكيده في جميع العلوم المتخصصة.
نظراً لأن جميع فروع العلم الحديث تعتبر مبدأ السببية منذ البداية أحد تلك القوالب التي لولاها لم يُحرز أي تقدم على طريق المعرفة، خلافاً لكانط الذي اعتبر أن معنى قانون السببية نفسه (وليس مبدأ السببية وحده) أحد معطيات المعرفة إلى حد ما، ومن ثم خلص إلى صلاحيته المطلقة.
لكن العلوم الخاصة لا يمكنها أن تبلغ هذا الحد، بل ينبغي لها أن تُلزم نفسها بالتساؤل حول الأهمية التي يشغلها قانون السببية في كل حالة على حدتها؛ فالصلاحية خاصة وليست مطلقة.
لتبين هذا الجانب أكثر، استفضت في بيان هيئة السببية في العلوم الحديثة، فقد صيغت في مجموعة من المعادلات الرياضية يمكن من خلالها توقع جميع الأحداث التي تشملها صورة فيزيائية بعينها، بشرط: معلومية الزمن، وظروف المكان، أي معلومية الحالة المبدئية والمؤثرات الخارجية على تلك الصورة.
فعلى هذا الشرح نستنتج أنكم أنشأتم بين السببية وشبه اليقين التنبؤي علاقة ترادف ما؛ فكلما أنشأتم نموذجاً قادراً على التنبؤ بحدث مستقبلي بدلالة إحصائية عالية، جزمتم بالعلاقة السببية.
وعند الاصطدام — وهو اصطدام حتمي — بالاستثناءات، لا يُعزى ذلك إلى إخفاق قانون السببية، بل إلى ضعف المهارة ونقص المعرفة، ثم يُؤخذ هذا الاستثناء للدراسة التفصيلية لإنشاء نموذج آخر نستدل منه على علاقة سببية أخرى.
وفي بعض الأحيان تتجاوزون لحل ما لا يمكن تفسيره بتقديم فرضية ما لا يمكن التحقق منها! فعجز السببية أمام الاستثناءات يفترضون لها حلاً: “إذا أتيح لنا متابعة كل جزء في تلك العملية المتشعبة التعقيد، فسنرى بالتأكيد تحقق تلك القوانين بحذافيرها!”
الاستثناء الأكبر: العلوم الإنسانية
ويتربع على رأس تلك الاستثناءات العلوم الإنسانية، خاصة السلوك البشري؛ فلم يتم إلى الآن — برغم كل دعاوي هيمنة السببية — عمل نموذج واحد تنبؤي للسلوك البشري.
فتجاوزتم هذا العجز أيضاً بافتراض أن هناك نقطة واحدة في عالم العقل والمادة لا ينطبق العلم عليها (باعتبار أنهم جعلوا العلم والسببية مترادفين)، ومن ثم لا ينطبق عليها طرق البحث السببي، معترفين أن هذا الحال سيظل قائماً أبداً.
تلك النقطة هي الذات، محتضنة أفكارنا وإرادتنا، مصدر أعمق عذاباتنا وأقصى سعادتنا، ولا يمكن أن يسيطر عليها قوى تنبؤية تحدد مصيرها الخارجي، إذ إننا لا ننحي سيطرتنا على أنفسنا ومسؤوليتنا عنها إلا وتخلينا عن الحياة نفسها!
متناسين بذلك (بالإضافة إلى نسيان الكلمة السحرية “عادة”) السؤال المحوري:
كيف يكون للحياة — وهي صفة — مبدأ حتمي صارم، ويكون موصوفها — وهو الذات — خارج حدود هذا المبدأ؟!
كيف لصفة أن يكون لها ما يستحيل لموصوفها؟!
ختاماً
أنا ما زلت في أول خطواتي لفلسفة العلم، استعنتُ بكتابك الثري حقاً “إلى أين يتجه العلم؟”، وخرجت منه بأسئلة أكثر من أجوبة، وأظن هذا حال كل قلم بناء نقرأ له.
اتفقتُ واختلفتُ معك في هامش كتابي كثيراً، لكن ظل هذان التساؤلان قاعدتي للبعد عن حتمية السببية الصارمة، وإن كنت أعترف بفضلها في جميع التطبيقات العلمية اليوم، ولكن هذا لا يمنع من رؤية قصورها.
ويسعني الأمل أنني ما زلت في بداية البحث، وأن ما لا أعرفه أكثر بكثير مما أعرفه، وأن هناك إجابة ستزيل حيرتي يوماً ما.
سيد ماكس،
لقد قلتَ إن العلم رحلة لا نصل إلى نهايتها أبداً، ولكن هل كنت تشعر بهذا القلق أيضاً عندما تتكاثر عليك الأسئلة بلا أجوبة؟


