سبح وزنابق
“في سراييفو والبوسنة كل أم حزينة من فراق أحبتها”
نشيد قديم
في مواجهة بحر الشواهد البيضاء الممتد حولي رحت أقبض على المسبحة القانية بيد وبالأخرى على يدها، وحين التفتت نحوي قلت لها أنا خايف!
وفقط حين سمعتُ اختلاجة صوتي أدركت كم كنت خائفا حقا…
كنت أطفر حولها قبل قليل وأهتف بين الحين والآخر متى نزور تربة علي (يطلقون اسم تربة على مدافنهم) لم يكن هذا أول عهدي بالقبور وأصحابها بل يمكنني أن أزعم أن لي بها عهدا وألفة 1، ألم بها كلما حننت إلى قبر أمي الذي طالما عجزت عن الاهتداء إليه وعن السؤال عنه كذلك فرحت أقف على قبر ستي راجيا أن تبلغها السلام.
ولعلي من حينها لم أكد أنقطع عن زيارة الترب في كل مدينة حللتها، أزورها وأساءل أهلها وأرثى لهم، لكني لم أخشها يوما، تهيبتها أحيانا واعتصر قلبي الحزن أحيانا أخرى ولم يفارقني تأمل أحوالهم في كل الأحيان لكن هذه المرة اخترقني سهم الله وجللتني البرودة المفاجئة ولم أعد أدري ماذا أفعل هنا ؟
وحين فوجئت بنفسي قابضا على مسبحتي ذعرت ورحت أفكر في السيدة العجوز الرقيقة التي باعتنا إياها الليلة الماضية أهي أم لواحد من المدفونين بتلك المراقد البيضاء ؟ أم هي مهجرة من قرية بعيدة عن شواهدها العزيزة ؟
ارتعدت وغمرني البياض الكثيف من حولي وراحت هي تطامن من خوفي لكني ذهلت عن نفسي، لم تكن تلك مقابر السلاطين العظام ولا مراقد المستضعفين في سفح المقطم ولا تربنا البائسة على حافة مدينتنا الصغيرة بل جموع حاشدة تتوالى صفوفها، أزهار صغيرة انتزعت قبل إبانها وفُرطت على مد البصر.
وأينما وليت بصرك رأيت الفاتحة وسبحة وزهرة زنبق مرتسمة على الشاهد الأبيض، كدت أنسى عليا تماما وذهلت بهم عنه ثم عاد به لذهني ملاحظة الفتاة الصغيرة لأبيها عن الصغار المدفونين من حوله ووفرتهم وإشارة أبيها الذكية لتربة علي ملاكهم الحارس!
التقطت الفكرة ورحت أتامل تربته الغالية وسط هؤلاء جميعا ترعاهم بعد الموت وتطل وسطهم على المدينة الممتدة من تحتنا، في النهاية الأمر كما قال الملعون ذو الضلالات سلوبودان ميلوسيفيتش في خلال جلسات دايتون 2 “هذه مدينتك يا علي.. لقد استحققتها ببقائك فيها وقتالك عنها حين هجرها الآخرون..”
لكن ماذا أفعل هنا حقا ؟ كانت زيارة سراييفو حلما قديما وحين سألتني ما رأيك لو زرنا سراييفو معا لم أكد أصدق ورحت أسألها تفتكري ممكن ؟ قالت ولم لا ؟ راحت ترتب كل شئ وأنا ذاهل عنها بالتفكير في علي ومدينته، لم أكن أعرف عن المدينة سوى بضعة أشياء لكن الأهم من بين ذلك كله أنها مدينة علي عزت بيجوفيتش، أستاذي وصاحبي مذ مطالع شبابي، وحين تعلو سنك شيئا فشيئا سرعان ما تكتشف عيوب أساتذتك واحدة واحدة، تقبل منها ما شئت وتلتمس الأعذار كما شئت ويخذلك بعضهم فيزور عقلك عنه وفي قلبك له محبة التلمذة الأولى تنازعك.
لكن من بين معلمينا لم أجد مثل علي عزت بيجوفيتش في حياته ومماته، ولم أجد مثله إلى جواري حين رحت أصغي إليه مستأنسا ساعة محنتي، من حينها وددت لو ألممت بمدينته وتربته ورأيت المواضع التي عاش فيها ونشأ وكابد في حياته ما كابد، ألم تمر مثلي بذلك الأمر ويخطر ببالك زيارة حارة كاتبك المفضل أو المرور على مكتبه أو منزله أو قهوته أو محل عمله والتجوال في الشوارع التي سار فيها وتخيل كيف كان يمارس حياته ؟ من منا لم يقع أسير تلك الخيالات الواهمة واسترسل مع خواطره وأفكاره ؟ 3
للمزيد من التجوال التربي
عبر كتاب المدينة المخرق
كان ذلك ما غلب علي وشغل خاطري تماما إلى أن وطأت أقدامنا خارج المطار، حتى ذلك الحين كنت مسترسلا مع ذكرياتي وخواطري أكاد أعرض عن كل شئ من التمهيد لتلك الزيارة وأكل لها أمري كله مطمئنا إلى ترتيبها الدقيق لكل جوانب الرحلة، لم نكد نخرج من المطار ونستقل الباص حتى رحت ألتهم المدينة من حولي، ومن عادة المدن الأوروبية ،على الأقل تلك التي زرتها، أنها سرعان ما تقيم أمامك حاجزا يعسر عليك تجاوزه مهما طال مقامك بها.
لا أدري كيف أصفه لكنك تشعر ببساطة أنك لست من هنا حتى لو لم تكد تلقى بشرا، يكفي أحيانا مصافحة الطبيعة بسطوتها الباهرة ليقع ذلك في روعك. لكن سراييفو لم تكن كذلك، كنت أشعر كما لو كنت بحلوان قبل عشرين سنة، الأشجار المتناثرة غير المهذبة ولا المعتنى بها ولكنها مبدورة من حولك والبيوت البسيطة غير الفارهة، بعضها مازال بالطوب الأحمر والمحلات والمطاعم موزعة على العمارات والبنايات صغيرة محندقة لا ترى فيها ضخامة ولا أبهة. انحفرت تلك اللحظات في قلبي وشعرت بدفء هائل كمن اخترق حجاب الزمان لا المكان فقط إلى ملاعب طفولته وزمنها اللاهي
كانت تلك هنيهة عذبة وددت لو طالت الأبد كله لكن سرعان ما بدأت تأخذ عيني العمارات تخترق نواحيها الثقوب، في البداية قدرت أن ذلك شبيه ببعض ما كنت أرى في مدينتي من مظاهر رثاثة الأبنية وتهالكها لكن تتابع الأبنية على هذه الحال من التخريق والثقوب المتفاوتة الأحجام نفى من قلبي كل شك! هذه هي آثار الحرب إذن، وحينها بدأت أفهم قليلا ولأول مرة ما كنت أعرفه مسبقا من أن الحرب والحصار الممتد كان في التسعينات!
واحدة واحدة لم تعد تسعينات حصار سراييفو تلك الفترة الزمنية السحيقة والتي تخيلتها كأنها لم تكن أصلا.
لم يدع لي الباص المسرع مجالا طويلا لتأمل كيف يعيد المرء معرفة ما كان يظنه معروفا فقط بالاقتراب منه ، وقبل أن أشرع في الرغي و الاسترسال مع خيالاتي خطفت عيني ثلاثة منازل متجاورة، لم يبق منها سوى الجدران الخارجية غير مشتملة على شئ، قد غزتها الأعشاب في كل نواحيها وامتدت وتفرعت.
المفارقة المذهلة كانت في الألوان الزاهية لتلك المنازل والخضرة المشرقة تحت أشعة الشمس المتهادية، ومن حينها لم يفارقني ذلك الارتباك الغريب تجاه سراييفو وكل ما فيها، في مفارقاتها التي تجمع فيها النقيضين معا بيوت مهدمة مخرقة بكل ما عليها من كآبة وما وراءها من تاريخ مظلم قاس وما يشيع في نواحيها من خضرة بديعة الجمال والزهو.
4تملكني الارتباك، تغالبني كآبة المناظر وترويعها إذ راحت تتلاحق كأنما تعرض مشاهد الحصار والحرب والقنص والقصف عنيفة متتابعة دون هوادة لكن ذلك كله تحت شمس دافئة حانية وطبيعة بديعة الجمال راحت تجلو نفسها في أناة وتؤدة، أنظر للناس من حولي فأجد عليهم علائم الهدوء، كل يمارس حياته بشكل طبيعي ووحدي من دونهم فيما يبدو، تتفجر المفآجات بعيني وقلبي واحدة تلو الأخرى، أبصر المساكن الاشتراكية تلك التي لطالما قرأت عنها وشهدت بعضا منها ، دون تلك الكثافة والتلاحق وراحت تثب لخاطري نتف من كلام بيجوفيتش والتي قرأتها قديما عن الأبنية الاشتراكية ونقدها قبل حتى أن أراها! حيث يقول مثلا
(اتجه المعمار في أنحاء العالم نحو الوظيفية ونحو التراكيب المعمارية العارية، ولكن، لم يكن هناك أردأ ولا أسوأ أو أكثر انعداماً للشخصية من تلك المدن المصنوعة أو الأجزاء الجديدة من هذه المدن في الدول الاشتراكية، إذا قورنت بجميع المباني في أنحاء العالم المتحضر. إنها تنفث في الأفق لوناً رمادياً متصلاً، وتبعث على الشعور بالملل والرتابة.)5
وبدا كأني أعيد فهم أفكاره ومواردها من خلال إجالة العين في مدينته، أحكي لها عما يجول بخاطري وهي تنبهني للعمائر الجديدة التي راحت تطل من الأفق، الشركات الضخمة والهايبر ماركتس المشهورة ومعارض السيارات فيبدو كما لو كنت طويت صفحة من صفحات المدينة لتنظر في التي تليها ولم نكد نفكر في ذلك معا حتى بلغنا مستقرنا عند الكوبري اللاتيني6.
وعندها لاحت لنا المدينة القديمة ومآذنها العثمانية البيضاء ممتدة على صفحة التلال المعترضة، من وراءها خضراء بهية الحسن لتعرض وجها جديدا للمدينة، يتراصف ذلك كله معا جنبا لجنب كما لو كنت فعلا تقطع تاريخ المدينة وتطورها ولكن بالعكس!
المروع أن الكتاب كله قد خرقته الثقوب لم تكد تفرق بين حقبة واخرى أو مبنى ومبنى، كما يروي الكسندر هيمون في مقالته الشجية 7
“يتدفق تاريخ سراييفو الحضري — الذي شكلته الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية النمساوية-المجرية ويوغوسلافيا الاشتراكية — على طول هذا المحور الشرق-الغربي، بحيث تصطف العمارة الخاصة بكل فترة بشكل مميز جنبًا إلى جنب.
لكن المباني تعرضت للتشويه بفعل القذائف ووابل الشظايا، أو تحولت إلى جدران متداعية؛ ودُمرت بعض الجسور، وتم تدمير كل ما يحيط بها تقريبًا، لأن النهر كان خط الجبهة؛ وكانت الشوارع مليئة بآثار قذائف الهاون“
لكن مهلاً لم نزل بعد في مطلع رحلتنا…
لم نكد ننزل عن الباص عند الكوبري اللاتيني على نهر ميلياتسكا حتى هتفت بها كالمخبول انظري دار الكتب بباب الخلق!
(أقرب شئ لخيالي عن دار الكتب حقا لو كان الخليج مازال يجري قبل أن يُدفن تحت أسفلت شارع بورسعيد)
التفتت ثم عادت تنظر لي كمن يعني براحة علينا يا وحش مش من أولها كده، وقبل أن أعود لها، فطالما قلت دار الكتب بباب الخلق فلعلك تتوقع يا صديقي أي rabbit hole سنثب فيه معا (ولا إيه 😀 ؟) فناولني يدك ولا تخف ولكن دعنا في البداية نمضي لنضع حقائبنا ونتهيأ على الأقل سويا لتلك القفزة والتي أعدك أنها ستكون ممتعة ومفاجئة.
شبح الموت المخايل
أقول عبرنا الكوبري إلى الباص الآخر وبينما أسأل السائق البشوش عن المحطة التي نريد ، جاهدا عبر لغوصة من لغات مختلفة، أن أفهم عنه إذا براكب ودود يسألني هل تقصد (التربة ؟) كان الاسم بالإنجليزية يشير لجوار مقابر ما فلما قال تربة بعربية مستعجمة ولكن رقيقة كدت أطير من سعادة المفاجأة وقلت نعم نعم قال اركبوا وانزلوا معي فهي محطتي، التفت حولي بحثا عنها وإذا بها مسمرة العينين على إعلان بمحطة الباص فاستحثثتها ولما ركبت راحت تريني الإعلان ذا اللون الأخضر مرقوما عليه نعي أحدهم بخليط من لغة غريبة مع العربية..
استأنسنا للغاية بالإعلان اللطيف وحكيت لها على الترب التي نقصدها والباص يرقى بنا في طريق ملتو صاعد حتى نزلنا صحبة الرجل الجميل عندما وافت المحطة، ألتفت من حولي وكانت الترب بالفعل، تركت حقائبي ورحت اتأملها وأتابع الشواهد البارزة و الأسماء المحفورة عليها والألطف في ذلك كله كانت تلك العمائم وأحيانا الطرابيش التي تميز الشواهد العثمانية للرجال والضفائر التي تميز شواهد النساء، كان ذلك أول لقاء لي بشواهد سراييفو ولن يكون الأخير كما لعلك تتوقع 8
مضينا مصعدين في طريقنا وكلي عيون تلتقط ما حولي، ألتفت للمنازل والرثاثة بادية عليها والقطط تتبختر في عرض الطريق هنا وهناك كمثل القاهرة أو اسطنبول وعلى غير العادة في مدن أوروبا والتي لا تكاد ترى فيها قططا.
بينما الشوارع تتعرج وتلتف، رحنا نخترق الأزقة ويخالجني شعور غريب بالارتياح قليلا كأني كما قلت سابقا عدت لمصر لكن ذلك لن يدوم وسيعاودني الارتباك من جديد تجاه بيت بدا مخرقا تماما متهالكا لكنه على ذلك محفوف بجنينة بسيطة ولكنها جميلة، لكن ذلك وحده لن يكون ما يلفت أنظارنا ولكن وفرة الأعلام البوسنية المرفرفة في كل بلكونة ومن كل شباك، كأن ثم احتفاء هائلا أو رغبة عارمة في التعبير عن الوطنية. نبلغ المنزل ونستلم مفتاحه ونضع الحقائب ثم ننطلق من جديد لاستئناف الرحلة.
نقرر العودة من جديد للكوبري اللاتيني لبدء الرحلة لكن هذه المرة نهبط سيرا على الأقدام، لا أدري إن كان ذلك حينها بالقرار الحكيم، لم أعد أدري، كل ما أدريه أن مع كل خطوة كانت تتبدى من جديد ملامح الحصار والحرب غير متوارية ولا متخافتة، وحينها خطر ببالي أنه في كل المدن التي ألممت بها كان دوما ثم حاجز زمني ما يفصلك عن تاريخها الذي تطالعه أو تبحث عنه مما يمنحك القدرة على التأمل والنظر دون انغماس في ذلك التاريخ المشهود لكن هاهنا يكاد يتلاشى ذلك الحاجز الزمني، البيوت من حولك مسودة شبه محترقة ومواطن الرصاص بادية للعيان بحيث تكاد تتحسس رقبتك خوفا من ترقب القناصة على البعد.
و الواجهات تعلوها جميعا لافتة صفراء تتكرر بشكل مريب وحين حاولنا بكل خفة ودون القاء كبير بال ترجمتها ونحن نظنها شيئا عاديا من فرط وفرته وتكراره كانت المفاجأة احذر قابل للانهيار! لا تكاد واجهة منزل تخلو من ذلك التحذير ولكن الناس في سعيهم المتهادي فيما يبدو لا يبالون، من أثر الاعتياد ربما او من أثر ترادف النكبات عليهم بحيث غدا ذلك أهون ما يلاقون، كانت مفاجأة مروعة ما يزال مسها في صدري
المدينة في مبنى
“ وثمة شيء محقق على كل حال، هو أن بين هذا الجسر وبين حياة أهل هذه المدينة رابطة حميمة عمرها قرون. إن مصير الجسر ومصير المدينة قد بلغا من التداخل أنّ المرء لا يستطيع أن يتخيلهما وأن يرويهما منفصلين. لذلك فإن من يحكي قصة أصل هذا الجسر وقصة مصيره، يحكي في الوقت نفسه قصة حياة المدينة وسكانها من جيل إلى جيل، كما أن جميع الحكايات التي يمكن أن نرويها عن هذه المدينة ينظمها خيط الجسر الحجري ذي القناطر الإحدى عشرة التي تتوسطه الكابيا كأنها له تاج.”9
بلغنا الكوبري بعد ما تملت العين تلك البيوت واحدا تلو الآخر دون أن يكاد يخلو أحدها من دمار مشهود وملموس.
حينها دارت عيني لتستقر في نهاية المطاف على مبنى البلدية والذي سيطول تلبثي عنده، ففيه يمكن استخلاص تاريخ المدينة مكثفا في بنيته وعمارته وتاريخه وموضعه، أول ما يخطف البصر في المبنى بجانب فرادة اطلالته على نهر ميلياتسكا الذي يشق المدينة، هو ذلك الطراز المميز والذي يختلف عن سائر ما حوله من عمارة اشتملت عليها المدينة.
فإذا تلفت حولك يمكنك ملاحظة بقايا العمارة العثمانية ممثلة في المساجد متعددة القباب والمآذن السامقة إلى عنان السماء كما يقال تشبه أقلام الرصاص المدببة
أو بقايا العمارة النمسوية المجرية والتي تنتمي لوسط أوروبا ويمكنك ملاحظة أمثالها في النمسا وألمانيا كالمباني ذات القباب البصلية الرشيقة أو الجدران ذات الأفاريز المتلاحقة والتماثيل المصغرة لوحوش وأسماك ووجوه وغيرها تحلي رءوس الأعمدة،
أو يمكنك ملاحظة بقايا العمارة الاشتراكية الكئيبة ممثلة في العمارات العالية مقسمة للكثير الكثير من الشقق الصغيرة مشبهة علب الثقاب، كل ذلك من حولك يدلك على طبيعة المدينة نفسها والتي هي لا شرقية ولا غربية، تتجاور فيها التأثيرات المختلفة دون أن يفنى بعضها في بعض.
مدينة على ممر الإمبراطوريات المتعاقبة وتخوم العالمين لا تنتمي لأيهما، وكما منحها ذلك أشد لحظاتها مجدا وثراء فسيكون كذلك سبب أشد لحظاتها تعاسة وشقاء
لكن وحده مبنى البلدية (فيتشينيسا 1892- 1894) يمثُل مميزا عن ذلك كله، وإذا كنت قاهريا مثلي فلن تملك إلا أن ترى فيه دار الكتب المصرية 10كما ذكرت بالأعلى
وسترى فيه الكثير من الملامح المميزة لعمارة القاهرة العصية على التجاهل، سترى الطراز الأبلق مزينا الواجهة يتعاقب فيه اللونان (الأصفر والطوبي مختلفا قليلا عن الأبيض و الأسود أو الأحمر في القاهرة) مذكرا بمساجد القاهرة المملوكية.
فإن تأملت قليلا فسرعان ما ستستقر عينك على الشرافات11 آخذ بعضها بيد بعض على جدران المبنى كلها، فتذكرك من جديد بشرافات القاهرة ومساجدها (أو ربما تعرفها بالاسم الأرق عرائس السماء)
فإن تركت ذلك ولاحقت عينك الشبابيك ستجد فيها محاريب جامع الأقمر التي تزين واجهته المبهرة التصميم
أو محاريب ساحة الجامع الأزهر
كذلك ستلاحظ بأعلى المبنى مجموعة من الميداليات المتلاحقة (للأسف لا يحضرني الاسم الدقيق لها) مذكرة بمثل الميدالية التي تتوسط بوابة المزينين بالجامع الأزهر
أو ستلاحظ كما في الصورة التالية مدخلا كاملا لبعض المساجد القاهرية مستعارا بمقرنصاته الوفيرة كحلية تطرز شباكا من شبابيك المبنى.
كل ذلك من ملامح القاهرة لن تستطيع عيناك الإغضاء عنه ، ستتساءل مثلي فماذا تفعل عقود حدوة الحصان ذات الطابع الأندلسي هاهنا بين تلك الملامح القاهرية (هذه العقود كأنما هي مستوحاة تماما من جامع قرطبة) وهل هذه ملامح القاهرة حقا؟ فماذا تفعل هنا ؟ هل هي صدفة ما ؟
حسنا تأمل معي صورة البناء، ألا تجد الموضوع محيرا ؟ الأشد إثارة للحيرة برأيي أن الأمير الطلعة محمد علي 12 صاحب الميول الثقافية و المعمارية والذي سيتوقف عند الكثير من آثار سراييفو في زيارته لها عام ١٩٠٠ لم يشر له البتة مع عنايته بالتجوال في المدينة وتأمل كل ما تقع عليه عينه وتدوين انطباعاته المثيرة عنها، ألم تستوقفه المشابه والملامح المميزة وهو صاحب الذائقة المعمارية الفريدة كما تتجلى في قصره؟ لست أدري لكني مثلك لا أظن الأمر مصادفة ما. هاهنا ندع التسكع في الشوارع قليلا لنتسكع بين صفحات الكتب والمقالات ونرى ما يمكن أن تخبرنا به.
هيا بنا ندعبس
تبدأ الحدوتة من انحسار نفوذ العثمانيين المتواصل على امتداد القرن التاسع عشر من أراضيها في أوروبا، انحسارا لم يكن على الحقيقة ثم مفر منه لكنه كان دوما انحسارا كئيبا ترافقه وتتبعه موجات من التهجير والنزوح وإخلاء البلاد من كل إشارة تدل على وجود الإسلام والمسلمين في ربوعها، المهم سيتصل ذلك حتى نصل قرب نهاية القرن لوضع غريب للغاية تتدخل فيه الإمبراطورية النمساوية المجرية (الهابسبرج) عدو العثمانيين اللدود لتبسط سلطانها على البوسنة والهرسك (1878) دون أن تضمها تماما.
تبعية البوسنة مازالت إذن للعثمانيين لكنهم في الحقيقة خاضعون تماما للنمسويين، لن يغير ذلك من الأمر شيئا، المهم أن النمسويين كان يعنيهم تماما دمج البوسنة وبالاخص سراييفو في امبراطوريتهم الممتدة دون أن يستثيروا حفائظ رعاياهم الجدد ليضمنوا ولاءهم وكذلك دفعهم الضرائب و ليتجنبوا استنفاد قواهم في قمع تمردات لا طائل من ورائها.
وتفتقت أذهانهم من ثم عن مجموعة من الإجراءات من أهمها الاستثمار في العمارة المكثفة بالمدينة إلى جانب تأسيس بنية تحتية راسخة، تشمل مد السكك الحديد وبث خطوط الكهرباء حتى ليقال إن سراييفو حظت بها قبل فيينا (لم يكن ذلك محض كرم من النمسويين في الواقع كان تصرفا كاشفا عن وضاعتهم فلم يفعلوا ذلك الا خوفا من عواقب مد التكنولوجيا الجديدة على مدينة كاملة فكانت سراييفو بمثابة محل اختبار فإن تخربت كان ذلك بعيدا عن عاصمتهم الأثيرة فيينا ) لم يكن ذلك أيضا ليخفى على الحاذقين من اهل سراييفو وعلى لسان أحدهم روى ايفو اندريتش في روايته
“قال ذات يوم لتاجر شاب في مرارة :
إذا كنت ذاهباً إلى الجحيم، فمن الخير أن تذهب إليه ببطء. إن من الغباء أن تظن أن النمسويين أنفقوا المال وأدخلوا القطار من أجل أن تستطيع السفر بسرعة، ومن أجل أن تستطيع قضاء أعمالك بسرعة. أنت لا ترى من الأمر إلا أنك تنتقل من مكان إلى مكان، أما أن تتساءل ما الذي تأخذه هذه الآلة وما الذي تجلبه في ما عداك وفي ما عدا أمثالك، فذلك سؤال لا تلقيه على نفسك، وذلك أمر لا يمكنك أن تفهمه! سافر يا عزيزي، سافر حيث تشاء، ولكني أخشى أن يحمل إليك هذا السفر في يوم من هذه الأيام القريبة خيبة مرة.
لسوف يأزف الموعد الذي ينقلك فيه هؤلاء النمسويون بقطارهم إلى مكان لن تحب أن تذهب إليه ولا خطر ببالك يوماً أن من الممكن أن تذهب إليه . “
المهم أنهم قرروا أن يزودوا المدينة بمجموعة من المباني الإدارية الباذخة لكن السؤال الملح حينها كان أي طراز يُتخذ لتلك الأبنية ؟ الطراز العثماني المستقر حتى الآن حتى وإن تميز بملامح محلية لا يمكن تبنيه، على العكس لابد من القطيعة معه تأسيسا لواقع جديد يتلاءم مع الإمبراطورية المهيمنة، إذن فالطراز النمسوي أجدر بأن يتخذوه لهم لكن ذلك سيعني بوضوح فرض عمارة المستعمر على أهل البلاد بفجاجة فظة .
فما الحل إذن ؟ برز الحل حينها في طراز جديد اكتسب شهرة في نواحي القارة الأوروبية يمكننا تسميته بالطراز العربي المزيف (pseudo moorish style) وهو طراز يتوخى التجديد من خلال دمج العديد من العناصر المعمارية الاسلامية/الشرقية/العربية معا، أحيانا على على غير نسق واضح بل بغرائبية مزعجة وأحيانا أخرى عبر إدراك جيد لتلك العناصر ومحاولة صهرها معا، وقد زاد من شعبية ذلك الطراز حينها كثرة الأسفار للشرق الإسلامي والولع بتصوير عمارته ورسمها وتوثيق الكثير من تفاصيلها13 وتتابع إقامة المعارض العالمية والتي تضم أجنحة تمثل الطرز المشرقية تمثيلا مميزا كمعارض باريس ١٨٦٧ وفيينا ١٨٧٣ 14.
يمكنك تخيل سر تسميته بالاستحيائي أحيانا والمزيف أحيانا أخرى فلم تكن العناصر المعمارية الإسلامية/المشرقية ضمن سياقاتها الكاملة ووظائفها المحددة وفقا لرؤية أصحابها ولكن تعامل الرحالة والفنانون والمهندسون الأوروبيون معها بمنطق التشذير fragmentation أو منطق الفخفخفينا (eclecticism) ، الحلو من هنا على الحلو من هنا، فتجد الكثير من المباني على هذا الطراز لاحقا مثقلة حتى التخمة بالتفاصيل الزخرفية التي لا حاجة حقيقية لها في واقع الأمر كما سنرى لاحقا.
لكن المثير حقا في ذلك الطراز هو تبني الكثير من المعابد (الكنس) اليهودية له حتى صار علما عليها وحتى صار بإمكانك أن تسير في شوارع بودابست بالمجر لتقف أمام صرح “إسلامي” هائل بكل تفاصيله المعمارية التي تخطر ببالك ثم لا يكون إلا معبدا يهوديا عتيقا! ويقال أن ذلك التبني إنما كان استذكارا لأزمنة هانئة سعد فيها اليهود إلى جوار العرب في الأندلس ولذلك سموه moorish revival أو pseudo moorish كما قلنا سابقا.
لأجل ذلك سيستقر رأي السيد كيلي 15القائم بالامور في سراييفو على ارسال الكسندر فيتك مهندسه المعماري النمسوي الى القاهرة!
الفكرة ببساطة كما لعلك تتخيل أن يُوفد فيتك إلى القاهرة ليستطلع آثارها ويوثق تفاصيلها الفنية ويصور ما أمكنه تصويره ويرسم ما يستطيع رسمه ثم يعود من ذلك كله بمزيج متناسق يصلح أن ينبثق منه تصميم يتلاءم مع الروح الإسلامية لأهل البوسنة لكنه كذلك يؤسس لانفصالهم عن العثمانيين.
لن يكتفي فيتك برحلة واحدة بل سيسافر للقاهرة مرتين وسيأسره عظم جامع السلطان حسن وابهته الفخمة وسيلاحق الكثير من التفاصيل المثيرة في عمارتها ويدون ذلك كله في أرشيفه الذي يحتفظ به أحد متاحف فيينا.
أرأيت لم يكن الأمر صدفة ما وها هي القاهرة تلقي بظلالها حيث لم أكن أتخيل إن أراها، لكن السؤال المحير هل رأى فيتك دار الكتب المبنية على الطراز المملوكي الجديد وتأثر بها ؟
كنت أميل لذلك حتى عرفت فيما بعد أن بلدية سراييفو اسبق للوجود من دار الكتب (1903) ، لا يهم الإثنان في النهاية استحياء لتفاصيل العمارة القاهرية المميزة وإعادة انتاج لها
لن يكمل فيتك مشروعه للأسف، سيضع التصاميم بعد رحلاته المثمرة لكنه سرعان ما سيهوي لاكتئاب عميق سيدفعه للانتحار!16
ليس هناك الكثير المتاح عنه للأسف في حدود معرفتي لكن لا يمكن استبعاد تأثره كلاعب شطرنج بارع ومهندس ذكي ذي حساسية فنية عالية بما رآه من أسباب البؤس في مصر والبوسنة ما دفعه لحافة الانتحار.
أم كان ذلك للحظة بصيرة عميقة تجلى له فيها مصير تصميمه الذي بذل لأجله كل جهده واستفرغ فيه وسعه بعده بقرن حيث ستتجلى الوحشية الانسانية العارمة في مدافع الصرب المنتصبة على التلال البديعة لسراييفو بين الأشجار الزاهية والخضرة المشرقة لتقصف مبنى البلدية عمدا بقنابل حارقة تشعل فيها النيران ثم يضرب الفناصة حولها نطاقا بربريا يمنع كل محاولة لاطفاء تلك النيران المشتعلة تلتهم المبنى وطيه الذخائر الوفيرة من مخطوطات ووثائق وكنوز إنسانية عتيقة.
هل تجلى ذلك له في لحظة كشف فآثر أن يطوي تصميمه ويقبض روحه بنفسه من شناعة تلك الجرائم، يبدو الأمر مبالغة اليس كذلك ؟ لكني لا أظنه كذلك، أظن أن بصيرة الرجل كانت قادرة على التقاط مصير المدينة المعذب والتأثر بعذابات المشرقيين منذ ما ينيف على القرن حتى يومنا هذا…
تذكر وحذر !
سيستعاد المبنى وسيرمم من جديد ليعاد افتتاحه في عام ٢٠١٤ وما بدا في أول الأمر وسيلة من وسائل المستعمر لفرض إرادته وخداع أهل البلاد (العمارة هاهنا ليست مجرد أحجار متراصة ولا أبنية مبهرة ولكنها أداة للاخضاع والخداع وتمرير غايات المستعمر وتحقيق أهدافه) سيستعيده الناس لصالحهم وسيرون في ترميمه تعبيرا عن إرادتهم الصلبة وتحديهم للمعتدين ورغبتهم العارمة في المقاومة وكأن المبنى بمشاركته أهل المدينة حصارهم ثم احتراقه بنيران الصرب قد تطهر من بدايته الاستعمارية واكتسب معنى جديدا ينتمي بالكامل لأهل البلاد
لكنه سيحلى في مدخله بشاهد رخامي منقوش عليه تذكار بما فعله برابرة الصرب ثم… لا تنس.. تذكر.. وحذر!
لم يكن تقصد المبنى بالاحراق عفوا أو خطأ أو حتى أثرا جانبيا لغاية عسكرية ولكنه تقصد متعمد تماما له مداه الواسع وتجلياته المخيفة والوحشية التي سنتعرض لها لاحقا.
لن يكون ذلك على كل حال أول لقاء لنا مع شواهد التذكار وما يسمونه سياسات الذاكرة والامتزاج الذي لا يتناهى بين الخراب وإعادة العمران، التدمير والترميم، التمزق بين ماض قريب شديد القسوة والوحشية وحاضر مازال رازحا تحت أثاره يتجلى في كل خطوة.
سنستجلي ذلك كله في تجوالنا بعد مفارقة الكتب والعودة من جديد للشوارع والأزقة لكني أدع ذلك للمقالة القادمة إن شاء الله.
قبل السلام… لالتقاط شئ من روح المدينة القلقة واهلها متسربة في موسيقاهم المميزة سأكتفي بهذه القطعة الان
كلي ترحيب بكل من لديه ملاحظة أو تعليق أو تعديل أو تصور عما يمكن حذفه، أرجو ألا تجد في نفسك شيئا يا صديقي و يا صديقتي من إخباري بتصورك عما يمكن تعديله…
للمزيد من مقالات العبد لله
للمزيد حول شروط النشر انظر هنا
هاهنا مثلا بعض تجوالي في نواحيها
سنعود من جديد في المقالات اللاحقة للإشارة إلى دايتون وسلوبودان ميلوسوفيتش وسائر الجزارين المختلين لكن حتى ذلك الحين يمكن مشاهدة الفيديوهات التالية
فيديو لؤي فوزي عن البوسنة عبر كرة القدم
وهذا الفيديو عن الحرب مزودا بالخرائط المفصلة لجوني هاريس
للاسف ستشغلني عنه على الاقل في هذه المقالة مدينته، ولكن ارجو ان اعود اليه لاحقا بمزيد من الاسترسال
هنا يمكنك مطالعة أمثال تلك الصور للابنية المدمرة والخرائب المتناثرة في نواحي المدينة
https://www.istockphoto.com/de/fotos/destroyed-home-in-sarajevo-bosnia?page=3
الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفيتش
غير اللاتيني تماما كما سأفاجئ مثلك وإنما حمل الاسم لوقوعه جوار حي الكاثوليك/اللاتين! ولذلك حكاية أخرى نرويها لاحقا.
mapping home - the newyorker https://www.newyorker.com/magazine/2011/12/05/mapping-home#rid=9691db9f-8373-4dcf-b78a-b006b0c7d6d4&q=sarajevo
ايفو اندريتش - جسر على نهر درينا
(مع مطلع القرن، ازداد عدد المباني التي تعكس العمارة الإسلامية التاريخية والتي شُيدت في القاهرة على يد مهندسين معماريين محليين وأجانب على حد سواء. عمل الإيطاليان سيرو بانتانيلي وألفونسو مانيسكالو على نافورة عامة ومكتبة… بينما تم افتتاح مبنى مانيسكالو، الواقع في حي باب الخلق، في عام 1903 باعتباره «المكتبة الخديوية ودار الآثار العربية». ويُظهر المبنيان الانتقال من أسلوب «نيو-إسلامي» عام، مشبع جزئيًا بإرث الأسلوب العثماني المتأخر، إلى أسلوب «نيو-مملوكي» استمد إلهامه من مجموعة مختارة من المباني والتفاصيل الفنية التي تعود إلى العصر المملوكي.)
من الورقة الممتعة التالية
Sarajevo’s city hall as seen from Cairo
وفيها تحليل مميز لمبنى سراييفو واستلهاماته من العمارة المملوكية، يضيق عنها المقال هنا.
الشرافات أو عرائس السماء كما يسميها المؤرخون والمعماريون المسلمون هي تلك الأطراف البارزة من جدران المساجد والمدارس على أشكال مختلفة
وهي بظني إلى جانب عناصر أخرى في العمارة القاهرية تمثل liminal space ممهد للانتقال من العالم الصاخب والقلق والمروع أحيانا لرحاب بيوت الله. والتالي تعليق محي الدين اللباد الرقيق عن الشرافات من كتابه ملاحظات
صاحب القصر البديع بمنيل الروضة والذي طالما مررت عليه مع صديقي دون أن أحظى حتى الآن للأسف بزيارته، شقيق الخديوي عباس حلمي الثاني؛ الخديوي البناء الكبير صاحب العناية الهائلة بالقاهرة وآثارها، أينما سرت فيها ستجد بضعة منه مازالت باقية.
كمثل أطلس بريس دافين عن الفن العربي أو نشرة باسكال كوسته المهندس المعماري الفرنسي عن الآثار العربية و الإسلامية.
“بفضل طابعه الضخم وأصالته المعلنة، نجح الجناح المصري في معرض فيينا العالمي لعام 1873 في تشكيل الأذواق المحلية.
وبشكل أكبر مما هو عليه الحال في فيينا، حيث لم تُحفظ أي آثار واضحة على الارتباط السابق بالقاهرة، لا يزال هذا التأثير مرئيًا حتى اليوم في البوسنة.
هناك، في أواخر القرن التاسع عشر، شُيد حوالي مائة مبنى على الطراز الاستشراقي الذي استمد الكثير من التراث المعماري الإسلامي المصري.
وقد تم ذلك، باعتراف الجميع، دون التخلي عن الكليشيهات الاستشراقية مثل القوس الأندلسي على شكل حدوة الحصان، وبعض رؤوس الأعمدة أو غيرها من العناصر المستعارة من قصر الحمراء. وربما كان السبب في ذلك أن بعض هذه السمات كانت راسخة جدًّا في المفردات الأوروبية المستوحاة من الشرق، لدرجة أنها ظهرت حتى في القاهرة في ستينيات القرن التاسع عشر. وهناك، أصبحت هذه السمات جزءًا لا يتجزأ من عملية فُهمت على أنها تجديد ثقافي «وطني». ومهما كان الأمر، فإن تراث القاهرة في العصور الوسطى، بتركيزه على الأسطح بدلًا من الأحجام، بدا ملائمًا تمامًا لثقافة معمارية في أوروبا الوسطى متأثرة بالتشبيه الشهير لغوتفريد سيمبر الذي قال إن المباني، مثل الأجساد العارية، يجب أن تُكسى”
من الكتاب الرائع مساجد القيصر لماكسيمليان هارتموت
” الحاكم الكونت ( كلى ) ذلك الرجل النابغة الذي كنت أبجله وأحترمه كثيراً بسبب ما يُعزى إليه من أن جميع المرافق والإصلاحات التي حدثت في بلاد البوسنة إنما جرت على عهده وكانت مشمولة بهمته ملحوظةً بعنايته . وكنت أعرفُ من قبل أكبر بنيه وبنى إخوته .”
من كلام الأمير محمد علي عن الكونت كلي وهذا مما يزيد في حيرتي كيف لم يلتفت من ثم لمبنى البلدية الهائل وهو برعاية الكونت كلي و إشرافه كما أشرنا بالأعلى!
للمزيد عن مبنى البلدية وعن فيتك
https://www.vijecnica.ba/en/construction-of-city-hall-sarajevo
https://www.vijecnica.ba/en/war-destruction
هاهنا فيديو لطيف عن مبنى البلدية
وهنا مشاهد من احتراقها بيد الصرب
لم أكن أعلم شيئا للأسف عن أساطير أهالي سراييفو ومشاعرهم تجاه مبنى البلدية حتى رأيت هذا البوست للأستاذة مريم تولتش وجزيل الشكر لها لعله يصلها على كتاباتها المفيدة للغاية في التعريف بالبوسنة وسراييفو






























