هل لاحظتم من قبل كيف أن الجدات كن أكثر هدوءا واستقرارا، وكيف لهن القدرة على نشر الطمأنينة والسكينة وكأنها تنبعث من داخلهن لتضفى على الكون هاته النسمات الخفيفات الممزوجة بالمحبة والأمان.
هل لاحظتم كيف نخسر هذا القدر من أرواحنا وذواتنا يوميا بسبب الروتين اليومى المدمر والآلات التي تستنزفنا.
معنديش فكرة مقالاتنا كلها عن المطبخ ليه مؤخرًا، بس خير إن شاء الله
-المحرر
صباح يوم الاجازة دخلت علي زوجتي المطبخ وعلى وجهها ابتسامة ساخرة، “أين تضعين الملح؟“ تضحك كأننى لا أعيش فى هذا المنزل، أطلب منها أن تساعدني في رش الطحين على المنضدة كي أستطيع أن أكمل فرد العجين. “لم أر من قبل رجلا يحب المطبخ“، “أعتقد أنك تحتاج إلى أن ترتاح في يوم إجازتك“ هكذا ترد وهى تساعدنى.
كنت قد أخبرتها في زحام العمل أنني أحتاج في يوم الإجازة أن أطهو بعض الشطائر، لا أدرى لماذا ولكن هكذا كان شعورى.
عندما تساءلت زوجتي هذه التساؤلات تعجبت معها، لماذا أحب الطبخ؟، ولماذا أشعر بالضيق من ضغط العمل فأرغب فى أن أطبخ؟.
الالتصاق بالطبيعة sticking to the ground
الخَبز -بفتح الخاء لو مش واخد بالك- واحدة من أقدم عمليات الطبخ عبر التاريخ، لا غنى عنه بشكل يوم لتحضير أرغفة الخُبز -بضم الخاء المرادي- الطازج وتخزينه لفترات طويلة بتحويله إلى قديد. أثناء الخبز يُخلط الطحين الجاف مع الماء والدهون، هذا الخليط الذي يتحول فيما بعد إلى مادة لدنة يحفز فى اليد البشرية مجموعة من الأحاسيس بالملمس المختلف لكل مادة، ويبعث في النفس شعورا بالتوحد مع الطبيعة والانغماس فى مكوناتها.
عندما تدخل إلى مكان فيه رائحة المخبوزات تشعر بأن الهواء يحتضنك بكل دفء، تختلط أصوات التقطيع وأصوات الخفق مع روائح المكونات المختلفة، تشعر بملمس كل نوع من الخضراوات فى يديك، كل هذا يجعل العقل البشرى فى حالة تحفيز قصوى، تخرجه من الضغوط والتوتر وتجعله أكثر التصاقا باللحظة الحالية ومؤثراتها.
التدفق الذهنى mental flow state
انظر إلى الحائط الأيمن
امش خمس خطوات إلى الأمام
انظر على يسارك
انزع اللوحة سترى خلفها صندوق.
ما الذي يجعل لعبة خريطة الكنز ممتعة إلى هذا الحد؟
هل هي القدرة على إيصال رسالة عابرة للأزمان؟ أم هو الشعور بقدرتنا على استنساخ الأفعال؟.
إن اتباع الخطوات يخلق حالة من التركيز تشبه التأمل او العبادة، تدفع التوتر والقلق عن عقل الإنسان وتجعله يوجه كامل إمكاناته إلى اللحظة الحالية ومحاولة إنجاح الخطوات. وعلاوة على ذلك، يحفز نجاح كل خطوة من الخطوات والوصول إلى النتيجة المرجوة إفراز مواد المكافأة فى العقل، وبدلا من فعل ذلك دفعة واحدة حين ترى النتيجة النهائية، يتم على هيئة نقاط تحقق مما يضاعف أثر المكافأة.
زيارة أم عادة
الطبخ عملية معقدة، تحتاج إلى كثير ترتيب وإعداد، كما أنها تترك العديد من المخلفات التى ينبغى باستمرار التخلص منها وتنظيم الأدوات المستخدمة فيها؛ لذا تجاهد النساء دائما لجعل بيئة المطبخ منظمة ومرتبة، ربما هذا ما يقلل من قيمة العملية وفوائدها في أعينهن، وكذلك قد يزعجهن من دخول أزواجهن المطبخ. فعلى الرغم من الفوائد الكبيرة من عملية الطبخ إلا أنها تحتاج إلى جهد كبير، وكثير من الرجال يحصلون على المتعة والفائدة بدون دفع ضريبة ذلك من المشقة، ويتركون خلفهم أكوام المخلفات تتراكم، هذه عملية غير عادلة فى نظر النساء.
كذلك قد ترى بعض النساء ذلك اعتداء على نظامها ومجالها الخاص، فلماذا يدخل الرجل المطبخ وهو لا يعرف أماكن مكوناته، ثم يعبث به ويرحل مع تحطيم هذا النظام الدقيق التى وضعته سيدته لتخفف عن نفسها.
بالطبع، لا يمكن تصور أن يكره الإنسان تخفيف بعض الأحمال عنه أو مساعدته فى بعض أعماله اليومية، لكن دخول المطبخ على أنه زيارة قصيرة يجعل الأمر بالنسبة للسيدات كابوسا، وللرجال متعة فائقة، ولو أنه تحول إلى عادة وتم بتناغم وتنسيق بينهم توزيعًا للأعباء لأصبح الأمر أكثر تقبلا. هكذا قد يصبح المطبخ مكانا للشقاء كما يكون مكانا للاستشفاء
الشعور بالإنجاز
لا أحد منا يود أن يشعر بانعدام القيمة وفقدان الأثر، والأصعب من ذلك هو الشعور بالفشل وترك علامة سلبية بعد المرور.
البشر مجبولون على حب النصر والإنجاز، وهذا ما يدفعهم دائما للحصول على أيهم ولو بصورة زائفة. تلك النشوة يقدمها الطبخ ولا يضاهيه فيها أبسط منه.
عادة ما تكون النتيجة النهائية للطبخ مغايرة تماما للمكونات الأولية، وهو ما يعطي شعورا إضافيا بالزهو، تلك الحالة التى تشبه الخلق من العدم تعزز الثقة بالنفس، وتطرد الأفكار السلبية عن الذات، ولها تأثير علاجى لحالات اليأس والإحباط، نضيف إلى ذلك أيضا أن الطبخ يمكّن من تخليد النصر على هيئة تمثال، إناء فيه تحفة فنية أو لوحة دقيقة رائعة تفتن من يراها ويتذوقها، حتى أن مبدعها قد يصاب بالإحباط أثناء الأكل لشعوره بفقدان نصبه التذكاري.
الوصل الاجتماعى
ما قد يدفع الإنجاز إلى الخلود فعلا بعد زواله هو حفرة فى قلب أو عقل أحد الأحياء. لذلك حتى بعد فناء الصحن وما به قد يطيل من أمد الشعور بالسعادة كلمات الشكر والعرفان لفاعلها.
تتمركز اجتماعيات البشر حول الطعام وإعداده بشكل كبير، تكتسب الأمهات مكانة اجتماعية كبيرة منه، وتتهادى به الأسر والعائلات فى مختلف المناسبات، ويكون الوجبة الجيدة او الشاقة دليلا على مكانة الشخص عند الفاعل والاستعداد للبذل والعطاء من أجله. يعزز أيضا إطعام الطعام للمحتاجين الشعور التكافلي والترابط المجتمعي، ويشجع عليه كل الأديان السماوية وتدفع إليه دفعا، وتخبر أنه لا أفضل من أن يخدم الإنسان غيره بصنع يده، وخير الخدمة الطعام.
فى المرة القادمة عندما يشاركك صديق أحد الوجبات التى أعدها بنفسه، وعلى الرغم من بشاعتها وسوءها، تذكر أنه ضحى بنصبه التذكارى من أجلك، وأنك الآن تحمل جزءا من شعوره بذاته ونجاحه فى جسدك، تنازل عنه طواعية من أجل محبتك.
هل قمت من قبل بإعداد وجبة من أجل أعزائك أو شاركك أحدهم وجبة بمثل هذا الشعور من قبل؟
اقرأ أيضًا عن المطبخ:
للمزيد حول شروط النشر انظر هنا





