وأنا فتاة صغيرة، كنت أحلم بوقفة المطبخ مع أمي أحادثها وتحادثني وتعلمني، وتسمح لي بإمساك الأشياء وتجربتها، كما حكت لي صديقاتي فلانة وعلانة، لكن أمي لم تفعل..
كنت أعود من المدرسة وأدخل إليها أحكي يومي، تسمعني، ثم أقول أريد فعل كذا معك فتقول: المطبخ صغير وبابا قرب يجي محتاجة أخلص بسرعة وأخرج، يلا غيروا هدومكم وخلصوا واجباتكم على ما بابا يجي وناكل سوا.
أمي سيدة بسيطة طيبة، صاحبتنا، إلى درجة فوق المطلوب في أحيان كثيرة، شكت آلام الركبة في سن مبكرة، ربما أهلكت صحتها في أشياء رغبنا لو لم تفعلها..
أشفقت عليها وواسيتها بالكلمات، وتمنيت لو أتمكن من مساعدتها في أعمال البيت المختلفة، لكن عندما دخلت الجامعة كانت علاقتي بهذه القطعة المغلقة من البيت، المكتظة بالصحون والتي تود أمي الخروج منها سريعًا بعد إعداد الطعام قد ساءت إلى أبعد حد..
كرهت غسيل "المواعين" كرهًا شديدًا، لا أقصد أنني لا أفضل غسلها مثلًا، أو لا أقدر عليه، كنت أكرهها، أكره وجودها في المطبخ، أنزعج إلى درجة أنني لا أريد أن أمد يدي فأتناول شيئًا منها لأي غرض..
كنت أتهرب من دوري في أعمال البيت بشكل عام، مأخوذة بهذا العالم الذي اكتشفت وجوده بعد الثانوية العامة، والتي خرجت منها باكتئاب وصورة غير واضحة جوابًا عن سؤال "ماذا بعد؟"
أبعد دروسي عن البيت كنت أركب له مواصلة واحدة مدتها دقائق معدودة، أكثر دروسي كانت في البيت أو حوله، مدرستي في الشارع المقابل للبيت، بيت جدتي على بعد دقائق بالسيارة من بيتنا، وهكذا!
أساوم أختي التي تصغرني بعام واحد، (والتي تحب إرضاء أمي وأبي) على أخذ دوري هذه المرة مقابل أي شيء تطلبه، أتعلل بمذاكرة شيء أو سماعه أو حتى تعب جسدي (ولم أكن أكذب) وأعلم أنه لو كان شيئًا يوافق هواي لتجاهلت كل تعب أو انشغال..
كانت توافق حينًا وترفض أحايين، وكنت أتمنى أن تطلب أمي طعامًا جاهزًا كل يوم، ويخلو هذا المطبخ من المواعين.
بعد سنوات قليلة، رأيت مطابخَ مختلفة في بيوت صديقاتي وعائلات مقربة مني، فكان المطبخ هو مكان اجتماعنا في بيت العزيزة شيماء..
كل واحدة تنشغل بشيء في يديها، واحدة تصنع صنفًا من الطعام، وثانية تغسل الصحون، وثالثة تعد المقبلات والسلطة، وأخرى تطربنا بحكاية أو قصيدة أو تشاركنا طرفًا من العلم الذي تدرسه..
مرت الأيام ووجدتني بلا قصد ولا نية سبقت أو سبب، أقف أمام الحوض، أغسل الأطباق بينما تحكي لي شيماء وأحكي لها وهي تطهو الأرز، وتخبرني أني أستحق المحبة، بلكنة إنجليزية ساحرة.. فأبتسم، لها، وللصحن في يدي.
عندما تزوجت، كنت في أول العشرينات..
لا أجيد الطبخ ولا تدبير البيت ولا أي شيء يخص هذه العملية، في الحقيقة ذاكرت كثيرًا، قرأت وسمعت وحاولت، لكن بلا مهارة حقيقية تأتي من التجربة، والحب الذي أشعل غيطان الذرة وقتها أجبر مصطفى أن يخبرني أنها أمور بسيييييطة، وأنني فتاة ذكية سريعة التعلم، ولا يهم ماذا نأكل أو نشرب المهم إحنا سوا، وضحك علي، وصدقته؛ لأن الحب أشعل غيطان الذرة، لكن الأمور لم تكن بسهولة جريان الحب بيننا.. أبدًا.
في أول مرة زرت بيت حماتي الحبيبة قبيل خطبتنا لنتعرف كعائلتين كنت أشعر أن وجهي سيسقط من الخجل، لا أستطيع أن أنطق بكلمة وسط كل هذي الوجوه..
أخذتني من يدي لأعد معها القهوة في مطبخها الصغير الذي أحبه بشدة، ظلت تحادثني وتمازحني حتى ضحكت وارتحت، وتحدتث بصوت مرتفع نسبيًا فأتى مصطفى يطلب القهوة ويقول ضاحكًا: مدد يا أمي!
في أول زواجنا أخبرني زوجي "البسيط" أنه يريد أن يأكل: حمام محشي وملوخية!
(ع البساطة البساطة، يا عيني ع البساطة)
فقلت في نفسي: بان على حقيقته!
وقلت له: إن شاء الله أتعلم..
ومرت الأيام، حتى قلت مزحًا أمام حماتي ابنك هيتجوز علي أول ست بتعرف تعمل حمام محشي يا طنط.
فقالت لي: أنا لا أعترف إلا بزوجة واحدة، ثم إذا أردت تعلم أي شيء قولي لي، آتي إليك نعده من الألف إلى الياء، وأعدك أن تتعلمي من المرة الأولى؛ فأنت فتاة ذكية وسريعة التعلم.. فابتسمت؛ لأن تلك مقالة زوجي العزيز.
علمتني حماتي في مطبخي الأبيض الجميل الواسع كيف أمسك بهذا الكائن الرقيق، أنظفه جيدا، وأحشوه وأسلقه وأحمره، وأطش جواره حلة ملوخية هي الأجمل بين كل الحلل. وكيف أعد الجمبري مع الأرز بالخلطة، والأرز المعمر الحلو، كيف أميز قطعيات اللحم المختلفة، وكيف أدخل المطبخ بفخذ ضأن وأخرج بصنية باهرة الحسن!
علمتني كيف أخزن الخضار، وكيف أخطط للطبخات، كيف أصنع طبق البيض بالخضار الذي يحبه زوجي، وصرت أضع الصلصة مع اللحم المفروم لصنية البشاميل التي اعتدت أكلها بدون صلصة.. وأدع طواجن ورق العنب تنضج على نار هادئة في الفرن، كما تفعل حماتي، التي أخذت خطوة إلي، فطالت بنا جلسات المطبخ، تحكي وأحكي.. أتعلم الطبخ، والحياة، وأنضج مثل طواجنها على نار هادئة.
ومن هنا تحولت علاقتي بالمطبخ والطبخ من واجب إلى متعة، ومن طقس يومي باهت إلى فرصة جديدة لخلق ذكرى طيبة، وتعلم مهارة، وسماع حكاية.. ومواساة محتملة لصديق جاء من بعيد!
اشترينا طاولة مربعة ووضعتها في المطبخ الأبيض الجميل، وصرت أستقبل صديقاتي فيه، نطبخ ونحكي ونأخذ الصور حتى، أدعو مصطفى للعمل من المطبخ (عندما كان يعمل من البيت.. أيام العز والله) وألاحقه بالقهوة والكعك والرغي المتواصل، والطلبات التي لا أجد لها وقتًا في اليوم..
صرت أهاتف أمي طويلًا لأصف لها الطبخات الجديدة، وأقترح عليها، فتقول ضاحكة: من أنت؟ بنتي فين؟
علمتني ولاء في مطبخي عن عالم التوابل، وعن صنية البطاطس الساحرة، والكشري الذي لا يضاهيه أي كشري في العالم؛ لأن ولاء هي الأمهر على الإطلاق في إعداده، أعدته أمامي عدة مرات.. وأنا فتاة ذكية سريعة التعلم كما أعلم وتعلمون الآن.
أتعرفون شيئًا عن السند المطبخي؟
عندما أعلم يمنى ابنتي (إن شاء الله) طريقة صنع ألذ صنية فتة سأقول عن إيمان عن ولاء عن طنط والدة ولاء رحمة الله عليها..
وربما أحكي لها عن عناق طويل شهده مطبخي لصديقة باكية، واحتفال بأخرى خُطبت، وكوب شاي بلبن انسكب من الضحك، وجلوس الصغار على أرضيته ينتظرون كعك الجمعة، علي وصديقه يحيى، ومريم ابنة عمه، عن جرح من رخام المطبخ عندما ضربته بيدي غاضبة!
سأحكي لها عن كل الطبخات والكعكات وأطباق الحلى الباردة التي استطعت صنعها لأني عاملتها معاملة أنشطة اللعب الحسي مع أخويها علي وزيد، وعن الشيخ الذي قابل أباها في الاعتكاف وذاق طعام أمها فقال: هذا ألذ طعام ذقته في حياتي، وقد كنت أحرقت يدي وأنا أعده حرقًا لم يسمح لي أن أنام ليلتي، لكنني حملته وذهبت به إلى المسجد وعدت إلى البيت باكية، أضحكتني رسالة فيها مقالة الشيخ، ومغازلة رقيقة.
أول مرة سمعت جملة "الستات مكانها المطبخ" كانت من زميل في مكتب للصحافة تدربت فيه وقت الجامعة، قالها وهو يضحك لزميلة أخرى رفضت مهمة صعبة طُلبت منها.. شعرت بالاستياء، انزعجت، وكنت أتعثر وقتها في خجلي ولا أشتبك في نقاش ولا أتواصل إلا لضروة ملحة، لكنه بطريقة ما علمني عن الحياة، أشكره.
مؤخرًا عشت في بيوت متعددة، كانت مطابخها مفتوحة على غرف المعيشة، المطبخ المفتوح لعنة جميلة في وجود الأطفال في سن الاستشكاف، يجعل غرفة المعيشة في ذروة الكركبة، ويزيد احتمالات الإصابات، لكنه يفتح لنا معجمًا لغويا واسعًا، ومساحة مهارية مميزة، ولا يجعلني الأم المعزولة عن باقي البيت في مساحة صغيرة، مطبخ متقد بالحياة.. وأم تعيش معنا في نفس المكان غير أنها تفعل بعض الأشياء منفردة أحيانًا على مرأى ومسمع منا في زاوية ما.
اليوم، أدعو كل الستات إلى دخول المطبخ!
ولن أقول العودة إليه، دخوله مع أحبابهن وأصحابهن وأبنائهن، تجربة الجديد فيه، صنع الذكريات، وأخذ الصور، والاستمتاع بالأطعم المختلفة، والروائح الحلوة، والحكايات المثيرة، وربما إنشاد الشعر، أدعوهن إلى ذكر الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم على كل طبخة ومع كل حركة فيه!
وعلى بالي أقول: ربما أصاب أول رجل قال إن بغيتي من الحياة "لقمة حلوة وهدمة نضيفة" فبعض الأيام من فرط صعوبتها لا نرجو فيها إلا لقمة حلوة، ولا يريحنا فيها أكثر من هدمة (أو ملاءة) نظيفة..
أما عن المواعين، فلم أعد أكرهها..
اشترينا غسالة أطباق.. كبيرة.. الحمد لله على وافر نعمه.





الستات أجمل الكائنات وزينة كل الأماكن والأوقات
الله يحفظك أستاذة إيمان ويحفظ لك كل أحبابك، يا رب العمر كله في لمة حلوة وسعادة وهنا
جميل
جميل جداً