١ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ - ١٨ آيار ٢٠٢٥ م
الأومنيتركس والحياة الطيبة
حسنًا، كعادتي من حينٍ لآخر، أفتح تطبيق الملاحظات، وأشحذ قلمي الإلكتروني بدون غاية محددة، لكن كما قلت في مرات سابقة: الحاجة الملحة للاعتراف.
الاعتراف بم؟! لا أدري حقًا، كل ما أعرفه أنني أملك الخيط الأول، فهل يكتمل النسج تلقائيًا، أم هي محاولة مجهضة كأخريات سبقوها؟ لنرَ.
سأختار عنوان هذه المقالة في نهايتها، لعلي أكون حينها اهتديت إلى غايتي هذه المرة.
بدأ الأمر في سن مبكرة، عندما رغب والداي في إلحاقي برياض الأطفال في مدرسة الصفوة الخاصة، وكانت ظاهرة جديدة في منطقتنا أن تتوفر مدرسة بتلك المواصفات: حافلة تقلك ذهابًا وإيابًا، عدد طلاب معقول في كل فصل، وإكمالًا لهذه الهيئة التي رسمتها المدرسة لنفسها، كان عليهم اختيار طلابهم وآباء طلابهم بعناية، فذهبنا جميعًا؛ أبي وأمي وأنا، لإجراء مقابلة يتحدد على إثرها إذا ما كنت محظوظًا فأنضم لهذا الركب، أو تعيسًا فألتحق بأي مدرسة حكومية.
وعندما حان دوري في المقابلة، سألتني المشرفة: “عايز تطلع إيه لما تكبر؟”
لم آخذ وقتًا طويلًا لكي أفكر، وكأي طفل راشد في سني - حوالي ست سنين - كنت أعلم هدفي في هذه الحياة، فأجبتها قائلًا: “سبايدر مان”.
لم تعجبها الإجابة، على الرغم من عقلانيتها الشديدة، وربما لو أجبت قائلًا: شرطي، طبيب، مهندس، لكنت محل رضاها حينئذ.
وفي الحقيقة، كانت لي خطة بديلة، إذا لم أعثر على العنكبوت الخارق الذي يحولني إلى سبايدر مان - الرجل الخدرنق لأهل العرنجية - كنت سأطلب من أبي بكل بساطة أن يذهب إلى السعودية ويشتري لي ساعة بن تن - الأومنيتركس - وإن أظهر تعنتًا كنت سأكسر شاشة التلفاز بكل بساطة، وأصبح فردًا من عوالم MBC3، أرافق بن تن حينًا، أُحل الألغاز مع سكوبي دو، أو أنضم لمنافسات عالم الفوضى - وكان هذا أحب الرسوم المتحركة إلى قلبي .
مر بي الوقت، وتلاشت تلك الأحلام كأنها لم تكن، وصار هدفي في الحياة أن أصبح لاعب كرة قدم مشهور، وكم مرة تخيلت نفسي، قبل أن أغط في نوم عميق، أراوغ جميع لاعبي الفريق الخصم، وأحرز هدفًا ماردونيًا، ويهتز الملعب كله هاتفًا باسمي: خالد، خالد، فآخذ جرعة دوبامين تساعدني على النوم راضيًا عن نفسي، ولا أخفيك سرًا، كنت أحيانًا أتخيلني وقد امتلكت الأومنيتركس وحققت الكثير من أحلامي.
ثم تلاشى حلم النجومية لقلة مهاراتي، وأظن أيضًا لأن رغبتي لم توافق هوى أبي، فكان يمنعني من الالتحاق باختبارات الأداء مثل أصدقائي، وعلى الرغم من فشل معظمهم، إلا أنني أعتب عليه أنه لم يدعني أجرب، حتى وإن كان الفشل مصيرًا محتومًا، لكن حتى شرف المحاولة لم أنله.
ثم بدأت أوجه ناظري نحو ديني، أمتي، أخيرًا الانتماء الحقيقي.
حسنًا حسنًا، صبرًا يا أمتي، أنا قادم لتحريرك من أغلالك، وإعادة مجدك التليد، ودحر كل ظالم عنيد، ورد الحقوق لأصحابها.
كلام جميل، كلام جميل جدًا، لكن يا فتى، صبرًا، أنت حتى لا تعلم مبطلات الصلاة، لقد جاوزت قدرك، واشرأبت عنقك حتى كادت تقطعها المقصلة، غطاك اليأس، واعترتك الشكوك، وكاد جرفك ينهار بك في وادٍ سحيق، ولكن الله سلم.
والفرق بين أحلام كل فترةٍ والأخرى فترةٌ انتقالية، زادت فيها همومي، وتغيرت توجهاتي، وركبت الدنيا طبقًا عن طبق، وفي كل حلمٍ جديد كانت محاولة للهروب من واقعٍ مؤلم، فما حيلة المضطر غير خياله؟
انقطعت دقائق معدودة، أعتذر عنها، كنت في طابور العشاء، ولكن لا أحد لاحظ أصلًا، غير مهم، أعتذر على أية حال.
وبعد تقلبي بين يأس وأمل، وأحداث لا أقول إنها جسام، ولكن كان لها أثرها الشديد على نفسي، تلاشت كل تلك الأحلام، صرت أستيقظ كل يوم لأفعل ما يجب علي حتى موعد النوم، وهلم جرًا.
ثم واجهت نفسي وخاطبتها خطابًا شديد اللهجة مؤدبًا لها:
“ولكن ماذا يبقى لنا إذا تخلينا عن أحلامنا؟ أهذه حياة حقًا ترضاها لنفسك؟ حرية العدم؟ لا شيء يحركك، لا تهتز طربًا لشيء، لا تنتظر شيئًا، فقط تنتظر أجلك؟
أحقًا ستسمح لأغلال الحياة المادية أن تقيد روحك، وأن تطفئ النور الذي وهبك الله إياه؟ أترضى بالدون بعد أن كرمك ربك؟ وأي جحودٍ وغباءٍ ابتلاك بهما ربك كي تتخلى عن هذه النعم بمحض إرادتك؟”
الأحلام هي وقودك وقتما تضيق بك السبل، وكل خطوة تأخذها في طريقك يكون لها لذتها الخاصة، هذا التعب المريح، أن تبذل ما في وسعك معذرةً إلى نفسك، ومنتهى هذا السعي هو هذه المعذرة لا النتيجة، فمتى تعلقت بالنتيجة شقيت أيما شقاء.
فالأحلام محرك لك للتعلق دائمًا بربك، القادر على تحقيق ما تريد، وأن تلزم عتبته راجيًا وباكيًا، تتبتل بشتى أصناف الدعاء كي يحقق لك مبتغاك، وهذا موقف يحبه الله منك.
وبعد تفكير مطول، ومراجعات حاولت أن تتسم بالإنصاف قدر المستطاع، صارت لي أحلام جديدة، تتلخص في الحياة الطيبة.
قال تعالى:
﴿مَنۡ عَمِلَ صَـٰلِحࣰا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَنُحۡیِیَنَّهُۥ حَیَوٰةࣰ طَیِّبَةࣰۖ وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]
أن يرضى عني ربي، أن أكون عبدًا بحق، وألا أنسى نصيبي من الدنيا طالبًا فيه رضاه أيضًا، أن أكون بارًا بأهلي، سندًا لهم، أن أبني بيتًا دافئًا مع زوجة محبة حنون، يقيل كل منا عثرات الآخر في طريق نسأل الله أن تكون الجنة في آخرته، تربية نشء مسلم يكون ذخرًا لي في الآخرة، ولا ضير إن وجدت الأومنيتركس.
وأختم بجملة من المسلسل الكرتوني الشهير خلف حائط الحديقة:
“ If dreams can’t come true then why not pretend “
للمزيد من مقالات الكاتب
للمزيد حول شروط النشر انظر هنا







رائع وجميل جدا وطريقة السرد والتفاصيل الدقيقه التي شاركتها معنا لمستني شخصيا
استمر في كتاباتك الجميلة ولا تبخل علينا بها
واسأل الله أن يرزقك راحة البال ويلطف بحالك ويدبر لك أمور حياتك كلها إلي أفضل حال
♥️♥️♥️♥️👌