١٨ محرم ١٤٤٧ هـ - ١٣ يوليو ٢٠٢٥ م
أكتب هذه الخاطرة وقد شارفت سنتي الدراسية الثالثة على الانتهاء، تبقى لي اختباران في مادتي الطب الشرعي وأخلاقيات المهنة، أسأل الله أن يوفقني فيهما، ورحم الله عبدًا قال: آمين.
أتذكر أول يوم دخلت فيه ساحة الكلية، بل أتذكر اليوم الذي علمت فيه أني مستثنى من شرط التوزيع الجغرافي لاختيار الجامعة، كوني من أوائل الجمهورية. صراحة، كانت فرحتي نابعة من فرحة أبي، أما أنا فلم أكن أعلم صدقًا ما ينتظرني في القصر العيني، ولكن طالما سمعت أنها أهم منشأة طبية في الشرق الأوسط، وأنها وأنها وأنها… فأعظمتها في نفسي قليلًا.
أستيقظ أول يوم مبكرًا، أو هكذا ظننت، لأتأخر كثيرًا في المواصلات وأتوه مرارًا قبل وصولي للكلية.
أخيرًا وصلت. أري فرد الأمن بطاقة ترشيحي بكل فخر، ثم أدخل وأسأل أحدهم عن مدرج “أ”، فإذا به يبتسم ويسألني إذا ما كنت في الفرقة الأولى — واكتشفت لاحقًا أن المستجدين يظهر عليهم سيماء تميزهم — فأخبره: نعم، فيشير إلى المدرج، لأتركه وأذهب. فإذا بالمدرج ممتلئ على آخره، فوقف الطلبة فوق بعضهم، فلا مكان لموضع قدم. طلبت من أحد الجالسين أن يتفسح لي، فتفسح على مضض.
وإذا أول محاضرة هي محاضرة علم الأنسجة، للأستاذة التي لا أتذكر اسمها، ولا أتذكر أي شيء مما قالت، وهذا متوقع جدًا إذ أني لم أفهم كلمة واحدة أصلًا مما قالت. وتلتها محاضرة التشريح لأستاذ التشريح عندنا د. مدحت، الذي كانت كلماته أخف على القلب وأمتع، وإن لم أدرك من معظمها شيئًا.
ثم كانت القاصمة التي قضت على كل آمالي، وصرعت كل طموحاتي: محاضرة الكيمياء الحيويةعضوية. أتفاجأ بالأستاذ لا يتفوه بحرف عربي، وأنا كالدابة، بل أضل، لا أفقه حرفًا مما يقال. والذي زاد الطين بلة حينها أني وجدت طلابًا يسألون — أي أنهم فهموا المحاضرة واستشكلت عليهم مسألة أو اثنتان — وأنا كل استفادتي أني علمت ترجمة “covalent bond” أنها تلك الرابطة التساهمية التي حدثونا عنها في المرحلة الثانوية.
فأخرج بعد انتهاء محاضرات اليوم، أحدّث أبي، وعلى وجهي ابتسامة عجز، مخبرًا إياه أني لم أفهم حرفًا، فإذا به يستغرق في الضحك كأنه توقعها! أظن أنها قد قيلت له قبلًا من أبناء عمومتي الذين سبقوني في ميدان الطب.
أرجع يومها منهكًا، يخالطني شعور ممزوج بين حماقة وحزن وغضب، وتمر علي الأيام، فأنتقل للسكنى مع عمي طارق، حتى يتوفر لي سكن قريب من الكلية، لتعذر حصولي على غرفة في المدينة الجامعية.
فإذا بي في يوم، وقد ضاق بي الحال وكبلني اليأس، أرجو عمي أن يقنع والدي بقصر طاقتي عن هذه الكلية وتعقيداتها، فيبتسم ابتسامة هادئة، ويخبرني أن البدايات دائمًا ما تكون الأصعب، ويدخل الغرفة التي أعتكف فيها للمذاكرة، فيحاول شرح ما وجد في الكتاب الذي كنت أفتحه أمامي. سررت لتلك المحاولة الطيبة، وأخفيت جزعي، ولكن لم يزل.
غريب أمر الفتى؛ لأول مرة منذ أن عرف القلم والكراس يخشى الرسوب، وقد صار أمامه مصيرًا محتومًا، لا يفصل بيني وبينه سوى الوقت. مجرد تخيل الأمر كان كفيلًا بأن يقصم ظهره، الفتى الذي طالما كان رائدًا في جيله، من الممكن أن ينتظر جدول امتحانات الدور الثاني. إذًا هذا شعور الفشل، ولم يكن أول فشل في حياتي، لكن أن تفشل فيما تظن نفسك متقنًا فيه، إذًا لتلك الغصة آلام أمر. ولم تكن تلك المشكلة، بل فيما أظن المشكلة الكبرى هي قيمة المرء الذي لم يكن يشعر بها إلا على منصات التكريم.
وفي ظل غياب موجه يرشدني، ومعين يشد أزري، تلقفتني شباك الرأسمالية، واشتركت في دروس، أو كما تسمى “كورسات”، في جميع المواد.
كانت تلك الكورسات طوق النجاة الوحيد، أو هكذا ظننتها؛ فالمرء، عندما يجزع ويثقل اليأس قلبه، يتعلق بقشة. فرأيت في تلك الكورسات فرصتي الأخيرة، وإن كانت — في نظري — عبئًا ماليًا شديدًا. لا أقول إني استسهلت، لكني كنت على وشك الاستسلام.
لم أذكر كل شيء، وهناك بعض التفاصيل المهمة التي أغفلتها، ربما أذكرها في مرات لاحقة.
مهمة!! هل هذا المقال مهم حقًا؟ هل أيّ مما كتبت مهم؟ لا أعلم حقيقة، ولكن لعل محبًا يجد روحي في كلماتي فتأنسه، أو مقتفيًا لأثري يعلم جملة من أخباري… أو لا شيء.
مقالات قسم العيادات الخارجية هي المقالات التي نتلقاها عبر البريد الإلكتروني. للمزيد حول شروط النشر انظر هنا




ما شاء الله جميل نفع الله بك 👏🏻
الشيء المشترك بين جميع الكتاب أنهم دائما يرون انحدار قيمة ما يكتبون وفي الحقيقة حين يقول الكاتب ذلك فعليك أن تدرك أنه كتب شيئا ذا قيمة كبيرة