لست ممن يحبون تهويل الأشياء عادةً، وأميل إلى الضحك من معظم التجارب التي أمر بها؛ ربما لأنني أحسب أن كثيرا من الجروح تلتئم هكذا.
سمعت مرة بودكاست لامرأة أمريكية تقول “إنه قد وقع على كاهل كل مبتلًى منا عبء أن يبالغ في إظهار إمكاناته للناس حتى يظنوا أنه ليس عاديًا”، أتفق معها جزئيا، ولكنني أطمح لأقل من هذا؛ فأريد أن أخبر الناس أنني عادية!
يجب أولا أن أشكر د. Mohamed Tarek alkbaz ، فقد كان مقاله أول ما حرك قلمي وشجعني على الكتابة. لا لتجربته الآسرة فقط؛ بل لأنه أيضا كان شجاعا في الحديث عن حياته، وأنا أحب الشجعان وأتمنى أن أكون منهم.
أنا أيضا لم أعلم عن مشكلتي شيئا عندما كنت طفلة ..
ربما إلى درجة لا يتصورها أكثر الناس ..
وهذا ببساطة لأن الذي لا يُبصِر هو في الحقيقة لا يعرف ما يميزه عن أقرانه.
فإذا وٌلد شخص بلا قدمين -مثلا- فهو يرى من يحيطون به يمشون بأقدام ليس له مثلها، أما من مثلي فلا يعلمون ما يميزهم عن الناس من الأساس.
فتلعب أختي وألعب، وتأكل وآكل، فما المشكلة إذًا؟
نشأت في أسرة مثقفة فعلت لي خير ما يمكن أن يُفعل لمن هو مثلي.
تخرجت في كلية الألسن جامعة عين شمس.. ولكنني لست هنا لأحدثكم عن مغامرات المدرسة والجامعة، فربما يكون لهذا حديث آخر.
أمشي في الشارع ترافقني عصاي البيضاء.. أرى نظرات الناس المشفقة وإن لم أرها.. وأعلم أنهم يظنون أن أكبر همي هو أن أتعزى في مصابي أو أن أفكر في كيف سأعبر الشارع الآن.. بينما أبتسم في داخلي وأفكر:كيف سأصلح الكود الذي كتبته بالأمس، أو أضع في أذني إحدى سماعات البلوتوث، وفيها إحدى محاضرات اللغة أو الفقه أو التزكية.
هل يعلم من مر بجانبي فكان غاية ما فكر فيه أن يدعو لي بـ”ربنا ينورهم لك” أنني كنت أبتسم لدعابة المحاضر الذي كنت استمع له أو أبكي لبكائه أو أطرب لبيت أعجبني في قصيدة؟
هل تعلم الفتاة التي ساعدتني أنني أفكر في منتج الـ”سكين كير” الذي سأشتريه مثلها تماما؟
هل تعلم المرأة الطيبة التي ابتسمت في وجهي أنني أعد المكونات التي سأستعملها في طهو الوصفة الجديدة التي شاهدتها على يوتيوب، تماما كما تفعل؟
أعترف أن هذا الجيل صار أكثر وعيا من الأجيال السابقة ..
علمت هذا من الحكايات التي كان يتندر بها أساتذتي عن الأجيال السابقة وما كان أساتذتي يلقون من تبعات جهل الناس وفرط إشفاقهم.
لكن هل يمتد هذا الوعي ليصل إلى مساحات شائكة كالتوظيف أو الزواج مثلا؟
=لا أدري، وأتمنى أن يكون هذا قريبا.
كنت أتحدث أنا وصديقتي ذات مرة، فأخبرتني أن صديقة مقربة لها أخبرتها أنها لن تتردد في القبول إذا تقدم لخطبتها شخص كفيف.. إذا توفر فيه ما تريد من الصفات والإمكانات الأخرى بطبيعة الحال.
وأنا أظن أن هذا من أجمل ما قد يحدث لمن هو مثلنا!
لست أتحدث عن رصف الطرق أو توفير الإمكانيات، فعلى أهمية ذلك كله، أنا أتحدث عنكم أنتم. أتمهدون لنا الطرق فقط؟ أم أنكم تعاملوننا كما تعاملون واحدكم -بطبيعية: تسمعون، فتأخذوا منا بعد ذلك -إن شئتم- أو تردوا؟
أُخبرت أن أبي دعا بأن يرزقني الله الرضا حين علم ببلائي بعد أن ولدت! ما أفقهك حين دعوت بالرضا لا بالصبر فقط! ما زلت أجد أثر دعائك هذا، حتى إنني لأريد للناس أن يجدوه مثلي! أريد للناس أن يجدوه فيعينونا على الصبر كما يدعون لنا به.
ليس شيء أحب إلي من بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لمن صبر على مثل ما أنا فيه من البلاء بالجنة، فهل يساعدنا الناس على الصبر بأن ينحوا بلاءنا جانبا أحيانا أو كثيرا ليروا ما خلفه؟!
وإلى أمي وإخوتي: ما زلت أذكر جلستي في رمضان الماضي أتأمل صنيعكم معي، ودعائي بأن يدخلكم الله الجنة ولو لم تأتوه إلا بإحسانكم إلَيّ!
وأود أن أخبركم أنني عندما أكون معكم أعود طفلة في الثالثة، لا تريد من الدنيا إلا بقاءكم معها، وتعلم أنه ما من خير فستكونون أحرص الناس على أن يصيبها -بإذن الله- وما من شر إلا وستكونون أحرص الناس على أن تصرفوه عنها.
لا أتحدث عمن يقوم بما عليه فقط ليؤدي واجبه، بل عمن يحسن فيما لو تركه ما لامه أحد!
فهل أملك بعد هذا كله إلا أن أحبكم؟ وهل يكفيكم هذا مني على قلته؟




