بدأت قصتي عندما سحبني دكتور النسا والتوليد من رحم أمي بقوة مما قطع أعصاب طرفي الأيسر في نقطة محددة داخل لوح الكتف. هذه النقطة المسماة Erb`s Point رسمت ملامح الثلاثين عاما الذين عشتهم حتى الآن .
شلل إربز Erb`s Palsy: هو شلل في مجموعة من عضلات العضد واليد، يجعل اليد تلف حول الظهر. التشبيه الأقرب هنا لوضع يدي هو أن تتخيل أن شرطيًا قد تحفظ عليك مع “لوي” يدك خلف ظهرك.
هكذا ولدت .. وهكذا أعيش ..
أجريت ثلاثة جراحات وانا لم أكمل عامي الثالث، وعشت عمري بيد ساقطة، وضعف في عضلات الذراع الأيسر، مع ضعف أشد في قبضة اليد، وحركة محدودة للاصابع الخمسة.
تسألني كيف كنت أشعر؟!
في الحقيقة، لم أدر أبدًا ماهية الشعور بهذه المشكلة طفلًا؛ إلا أنني كنت احاول أن أجاري أقراني في كل ما يفعلونه دون اعتبار للشلل في يدي اليسرى. أتقنت البلايستيشن لأكون افضلهم، وفضلت حراسة المرمي عن الهجوم في مباريات الكرة، وقفزت معهم من فوق السور وأنا أعلم أنهم يحملون همي، كيف سيقفز ذلك المجنون “أبو ايد واحدة”، وهل سيعرقل وجوده قصة هروبنا من المدرسة؟
أو هكذا ظننت أنهم كانوا يفكرون ..
ثم فاجأني في الصف الأول الإعدادي أمرًا جديدًا مدهشًا، لن يفاجئكم لأنكم عرفتموه منذ أول المقالة، لكنني في الأول الإعدادي تفاجأت. أنا لا أستطيع أن أكون مثلهم أبدًا.
لعبة العقلة عندما يتعلقون بالعارضة، ويتدلى جسمهم منها مثلًا. لعبة سخيفة جدًا ومملة -أو هكذا أسلي نفسي اليوم- لكنني لم أستطع مجاراتهم فيها مهما حاولت.
يومها، شعرت بالحزن ..
عدت إلى المنزل صاخبًا باكيًا لأخبر أمي بنقمتي على الحالة التي ولدت بها، وأني أريد أن أقطع يدي “بدل ما هي ملهاش عازة”.
حينها ابتسمت أمي -ولم يكن الطفل الصاخب وقتها يدري ما خلف هذه الابتسامة- وضمتني إليها واخبرتني أنني في فضل عظيم.
وبرفق أخبرتني : يا محمد ده ابتلاء. ربنا بيحبك، وطول ما انت عايش بتاخد عليه حسنات. مين قدك ياعم.
وقتها شعرت بفرحة عظيمة -واو- عداد حسنات لا يتوقف أنا فعلا محظوظ.
مر أكثر من 18 سنة على هذا الموقف، وما زلت أتذكر عبارة “عداد حسنات لا يتوقف” فأبتسم وأرضى وأشكر أمي علي تلك الكلمة.
وعندما أتذكر أمي، لابد من ذكر أبي. ذلك الرجل عظيم بحق لم يعاملني يومًا أنني من اصحاب الإعاقات. بل كان أحيانًا يكلفني بمهام يعلم أنها تصعب على من كلتا يديه سليمة. وعندما كنت أنجزها كنت أرى الفخر في عينيه وأشعر بالرضا عن حالي.
علمني السباحة في العاشرة من عمري، وقيادة السيارة في الرابعة عشر، فكنت أول من قاد سيارة بين أقراني.
لن أنسى عندما رمى بي في الكشافة، وأتت أول رحلاتنا، وكانت لبورسعيد التي تبعد عن بيتنا ٦٠٠ كيلومتر، وكنت في الصف الرابع الابتدائي. وقتها رفضت أمي رفضا قاطعا، لكن أبي أصر على أن أذهب، وأعطاني كاميرا الفيديو الخاصة به -وكانت لها معزة في قلبه أنا أعلمها- ولم يزد على أن قال لي: “خد بالك من نفسك، ولو احتجت حاجة كلمني على طول”.
اليوم، أنا في الثلاثين من عمري، أضحيت أبًا لعبد الرحمن وياسين. استوعبت في سني عمري الثلاثين أمورًا عدة، ليس من بينها فهم كيف سمح لي أبي بتلك السفرية. لكنيي على كل حال ما زلت أشكره من كل قلبي علي سماحه لي بالرحيل مع أقراني.
أتذكر أستاذ مادة اللغة الانجليزية الذي كان يمرح ويسرج في عصر ما قبل التربية الايجابية. وكان نصيبي من العصيان التي تضرب على اليد ستًا فجعلهم ثلاثة، لأن أصحابي كانوا يبدلون الأيادي، أما أنا فأُضرَب بالعصا علي يد واحدة.
ثم كبرت وأنا أتجاهل أنني صاحب إعاقة. قد تتخيل أني أفعل شيئًا عميقًا، لكنني لا أزيد عن أني أحارب الحزن بالتجاهل -إن بدا هذا بسيطًا-
حتى جاءت الثانوية العامة وكان الطب البشري طريقي ..
عند التخرج، حدثت أول مواقفي التي اعتصرت قلبي حزنًا، عندما أردت اختيار التخصص الذي سأكمل فيه حياتي، وكان المقعد الثالث في نيابة الجامعة لتخصص جراحة المخ والأعصاب متاحًا لمن يملؤه. لكنني كنت أعلم أن واجبي الأخلاقي يحتم عليّ أن أتجه لتخصص لا يُشعرني يوما أنني بي علة أو مرض؛ فاتجهت للباطنة وطب الأسرة، حيث استخدام اليد محدود ويمكنك التغلب عليه.
عشت ردحا من حياتي أكره الشتاء لأنني أجد صعوبة بالغة في تشمير يد السويتشيرت للوضوء. أحاول الحفاظ على وضوئي خارج المنزل طوال اليوم حتى لا أضطر إلى أن أطلب من أحد أن يشمر لي ساعدي، وأكتفي بـ تيشيرت صيفي يغطيه جاكيت. لم أحب الشتاء أبدًا، إلا عندما أصبحت رب أسرة، ووجدت أن فاتورة الكهرباء في الصيف أكثر حزنا علي قلبي من صعوبة وضوء الشتاء.
حياتي اليوم أصعب وأصعب، حاولت في الأمس حمل ولديّ الاثنين معًا، فلم أستطع. جعلت أحدهما فوق كتفي، والثاني في يدي اليمني. رأيت نظرة الخوف في عيني زوجتي، لكنها -المسكينة- لم تنطق ببنت شفة بل اكتفت بالابتسام والفرح لنا. ابتسامة ذكرتني بابتسامة أمي الحانية يوم قالت قولتها “عداد حسنات”. رضي الله عن أمي وزوجتي.
لم أحمل يومًا ضغينة نحو أحد، لكني أذكر كثيرًا من المواقف التي تعتصرني حزنًا، ولا أخبر بها أحدًا.
أن تقوم بشيء مثلًا وتجد أن هناك من يساعدك من تلقاء نفسه. تعلم يقينًا أنه لم يقصد إلا خيرًا، ولكن الموقف يحزنني ولا أستطيع التكلم عنه لأنني أعلم أنه يفعلها بحسن نية. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
أعاين مريضًا، وأنا ألف جهاز الضغط حول ساعده. يفاجئني المرافق بمساعدتي، ويلف جزءا منه فأبتسم وأخبره: استريح ومتقلقش.
لا يمكنني أن أزعم أنني خلوت من المفاجأة من إيذاء المقربين من هذا، وهذا أيضًا له مواقفه.
صديق في لحظة فرحة ومزاح يخبرك بأنها -أي إعاقة يدك- علامة عليك، فتخبره أن يصمت لأنك تريد أن تعيد تقييم تلك الصداقة من الان. يتكهرب الجو ويحل الصمت ويشعر كل الجلوس بالإحراج.
آخر يرى إصبع يدك في صورة، فيخبرك أنه أشبه بإصبع القدم، او أن تسمع شخصًا يردد: “الحمد الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا من خلقه”. لست عالمًا بالفقه لكنني متأكد بأن هذا الدعاء لا يصح أن يسمعه صاحب الابتلاء.
لا أعرف كيف أنهي هذه المقالة بحكمة، فليس كل حكمة لله تصلح لأن تترك القارئ راضيًا في نهاية مقالة كهذه. لكن، دعني أحاول ..
لا تكمن معضلتي الكبرى من أصدقائي المعافين في بدنهم في نظرة الشفقة التي أراها منهم بل في عمى الاعتياد. لأنني أتقنت دور “الطبيعي” لثلاثين عامًا، أصيب العالم من حولي بفقدان ذاكرة جماعي تجاه التكلفة الحقيقية لحركاتي.
العالم يحتاج أن يتعلم رؤية الجهد المختبئ خلف نجاحاتنا. نحن لسنا نسخًا معيبة منكم، بل نحن خلقنا بمعايير مختلفة. وإن كان عالمكم مصممًا للانحياز لكم، فهذا لا يعني أنه مخلوق لكم وحدكم.
إلف النعم الذي يمارسه الأصحاء هو نوع من الموت الحسي؛ بينما تصفقون أنتم بيديكم في إيقاع يألف النعمة، أقاتل في كل يوم لإثبات أن إيد لوحدها يمكنها أن تسقف، ولكن فقط إذا كان العالم مستعدًا للإنصات إلى صوت الألم الذي يسبق التصفيق.





وصلت للمقالة بالصدفة عن طريق فايسبوك، بعدين افتكرت اني قابلت حضرتك في انترفيو تبع سمسا من سنتين على ما أتذكر ويا رب مكنش غلطانة، بس متذكرة إني كنت سعيدة بالنقاش مع حضرتك وثناءك عليا ومش ناسية دا، متفاجئة دلوقتي وأنا بقرأ المقالة بأسلوب الكتابة الرائع دا ما شاء الله، ربنا يعظم أجرك ويوفقك يا دكتور..
ما هذه الروعة ؟
إننى سعيدة أيما سعادة بوجود مقال باللغة العربية الفصحى ومؤثر بهذا الشكل ومن شخص شاب فى مثل سنك
ولهذا كتبت تعليقى بالفصحى ايضا
بارك الله فيك وفى والديك وفى "سقفتك " ..