كيف يساعدك ميكيل أرتيتا على التخلص من الرهاب الاجتماعي ؟
في علم النفس، يتم اللجوء إلى حيلة للتخلص من الرهاب الاجتماعي (Social Anxiety)، وهذه الحيلة تسمى العلاج التعرضي أو بالتعرض (Exposure Therapy).
هذا العلاج يكون على شكل تعمد الانغماس في مواقف محرجة أو بها قدر بسيط من الإحراج، مثل السؤال عن معلومة معروفة مسبقًا، أو تكرار كلام شخص تستمع إليه بصوت عالٍ، وما إلى ذلك من بعض المواقف الساذجة.
الغرض من هذه الأفعال هو تغيير استجابة وطريقة تفكير العقل، فبدلًا من تجنب الكلام أو السؤال وإيحاء العقل للشخص بأن هذا أفضل له من المبادرة والانخراط، يتم إيصال رسالة إلى المخ أن فعل الموقف المحرج لم يسبب أي أذى، ولم تنتهِ حياة الشخص، ويتم إلغاء كل هذه الأفكار السوداوية التي تأتي لأصحاب الرهاب الاجتماعي وتجعلهم يتجنبون الحديث إلى الآخرين أو المبادرة وسط أناس لا يعرفونهم.
بتكرار هذه الأفعال، ومع الوقت، يبدأ الشخص تدريجيًا في التخلص من رهابه، ولكن يبقى السؤال: كيف ستقنعه بالمبادرة في هذه الأفعال؟
سنعرض في هذه المقالة خطط ميكيل أرتيتا المحرجة والمثيرة للجدل، التي من خلالها جعل نادي أرسنال في مرتبة أخرى تتعامل معها الفرق بشكل أكثر جدية، آملين في تحفيز صديقنا صاحب الرهاب الاجتماعي على التخلص من شلله عن المبادرة في التخلص من مرضه.
في العشرين من ديسمبر عام 2019، تولى ميكيل أرتيتا -أحد مساعدي الإسباني بيب جوارديولا- تدريب نادي أرسنال بعد إقالة المدرب الإسباني أوناي إيمري، بعد سلسلة من النتائج السلبية والأداء الهزيل للفريق.
تولى أرتيتا الشاب قيادة فريق كبير مثل أرسنال، والذي كان في حالة فوضوية مزرية يُرثى لها.
في مسلسل All or Nothing الوثائقي عن نادي أرسنال، تم عرض بعض اللقطات التي تبين بعض الإضافات التي أضافها ميكيل إلى الفريق، حيث إنه عن طريق هذه الإضافات حاول كسر الصورة الهزيلة للفريق وإكساب اللاعبين ثقة، وجاء هذا في عدة لقطات سنعرض بعضها.
قبل أن يلعب أرسنال ضد ليفربول في معقله (الأنفيلد)، الذي كان معروفًا بصعوبة التحصل حتى على التعادل فيه فضلًا الانتصار على ليفربول في عرينه، قام أرتيتا بتركيب مكبرات صوت ضخمة في ملعب التدريبات، وقام بتشغيل صوت جماهير ليفربول في الملعب وهي تغني أغنية ليفربول الشهيرة You Will Never Walk Alone، هادفًا إلى إزالة الخوف عند اللاعبين عند سماع هذه الأصوات في الملعب، وبالتالي يحدث الثبات وتتلاشى الرهبة.
لا تأمل كثيرًا في نجاح تجارب أرتيتا، بالأخص في المرة الأولى؛ فقد سُحق آرسنال في هذه المباراة واستقبل أربعة أهداف مقابل لا شيء، ولكن على المدى البعيد، في المواسم الأخرى، أصبح أرسنال أكثر ندية لليفربول، وباستطاعته التقدم في النتيجة على أرضه أو الخروج بتعادل.
نذهب إلى تجربة أخرى من تجارب ميكيل المجنونة وفعل محرج آخر؛ قام ميكيل بجلب صفقة غريبة إلى النادي، هذه الصفقة عبارة عن كلب، وقام بعرضه على اللاعبين وتسمية الكلب بـ “Win” (الفوز)، وقام بتوصية اللاعبين عليه وأمرهم بالاهتمام به ومراعاته جيدًا. وقال للاعبين: “كلنا نحب الفوز (Winning)، وفوز (Win) يحتاج إلى الكثير من الحب”.
قد يتساءل شخص ما ويقول: ما هذا الفعل الأحمق الساذج الأبله المحرج؟ وبصراحة عنده حق، فلو كنت مكان أحد اللاعبين لما استطعت كتم ضحكتي عند سماع هذا الكلام والسخرية من ميكيل، ولكن حمدًا لله أني لست لاعبًا لأرسنال؛ فقد ظهر أثر هذا الفعل على اللاعبين فيما بعد، وأصبح الفريق أكثر حرصًا على الفوز والمحافظة على المكسب عند التقدم في النتيجة، أو الحرص على الانتصار في حالة التعادل أو الهزيمة، وتحول الفريق فعلًا إلى عائلة تهتم بالنادي وجماهيره وتسعى لإرضاء هذا الجمهور بالانتصارات المستمرة.
أيضًا من أحد المواقف المحرجة التي قام بها أرتيتا، والتي ذُكرت في صحيفة The Athletic، أنه قام بدعوة لاعبي الفريق الأول لعشاء رسمي، وقام بتأجير مجموعة من اللصوص المحترفين، وأمرهم ميكيل بسرقة هواتف اللاعبين ومحافظهم وساعاتهم دون أن يشعر أحد، ونفذ اللصوص المهمة. بعدها أمر ميكيل لاعبي الفريق بتفقد جيوبهم جيدًا، فصُدموا من أنهم جميعًا تعرضوا للسرقة، وهنا ظهر الدرس الذي أراد ميكيل إيصاله إلى الفريق، حيث إنهم يجب أن يكونوا دائمًا في حالة يقظة وانتباه.
(طبعًا لو حدثت هذه الواقعة في دورينا الحبيب لذهب جميع لاعبي الفريق لتحرير محضر ضد ميكيل، وأحد مستشفيات الأمراض النفسية لضرورة عمل اختبار سلامة القوى العقلية له).
من الوقائع الطريفة الأخرى لميكيل أنه قبل إحدى المباريات القوية والحاسمة للفريق، ألا وهي الديربي ضد توتنهام، كان اللاعبون في حالة ضغط شديد، فدخل عليهم ميكيل، وبدلًا من رسم تكتيك المباراة، قام أرتيتا برسم كاريكاتوري لـ “عقل” و”قلب” بشريين يمسكان بأيدي بعضهما البعض، وبينهما رسمة مشجع يرتدي وشاح أرسنال، حيث إن القلب يمثل الشغف والعاطفة وضرورة اللعب بروح عالية، والعقل يمثل الوضوح والتركيز وضرورة تنفيذ التعليمات.
الغريب أنه بعد هذا الموقف غير المتوقع، والذي لم يتحمله بعض اللاعبين كما ظهر في الوثائقي All or Nothing، انتصر أرسنال بثلاثية مقابل هدف في مباراة رائعة ظهر بها الشغف مع الالتزام.
من ضمن أفعال أرتيتا الغريبة -والتي ظهرت في وثائقي All or Nothing- أنه قام بجمع لاعبي الفريق في دائرة، ثم قام بجلب مصباح كهربائي متصل بسلك، وقال للاعبين: “توماس إديسون اخترع المصباح الكهربائي.. اليوم أريد أن أرى فريقًا مترابطًا؛ لأن المصباح بمفرده لا يساوي شيئًا. أريد فريقًا يتصل بعضه ببعض لكي يشع ويضيء”.
أكمل أرتيتا الفكرة قائلًا إن طاقة اللاعبين المترابطة داخل الملعب هي التي ستنتقل إلى الستين ألف مشجع في المدرجات، لتتحول الحرارة والكهرباء إلى ضوء وحياة. وختم قائلًا: “اخرجوا إلى الملعب، أشعلوا الضوء، والعبوا كرة القدم”.
كل هذه الأفعال التي قام بها أرتيتا تبدو للوهلة الأولى محرجة، وسيزيدها إحراجًا فشلها السريع، ولكن هذا على المدى القريب، بجانب إلقاء النكات والسخرية. أما على المدى البعيد، فإذا نظرنا إلى شكل الفريق المبهج في الملعب، بجانب تغير عقليته وطريقة لعبه ونوعية كرة القدم التي يقدمها، ستتلاشى كل هذه السخرية.
لن يذكر الناس إجبار أرتيتا لاعبي الفريق على سماع صوت جماهير ليفربول عن طريق مكبرات الصوت، ولا الكلب المسمى “Win”، ولا حادثة السرقة المخطط لها، ولا واقعة المصباح، ولا كاريكاتير القلب والعقل، بل سينظرون إلى فريق أرسنال الذي أصبح ندًا قويًا ضد كبار الدوري الإنجليزي مثل ليفربول ومانشستر سيتي، ولم يعد هذا الفريق الهزيل الضعيف المتراخي سهل المكسب، بل فريقًا متيقظًا في الملعب، متصلًا ببعضه البعض، يلعب بشغف والتزام، بتشجيع من جمهور عظيم متصل به، يعشق الفوز ويحرص على المحافظة عليه.
بالنظر إلى طريقة التعامل مع تصريحات أرتيتا قبيل انتهاء الدوري عند اقتراب مانشستر سيتي من اللحاق بأرسنال في الصدارة، وسؤال أحد الصحفيين لميكيل عن كونه مرتعبًا أو قلقًا بسبب اقتراب ضياع الدوري، فكان رده:
“Fire! I’m on fire! That’s it. Nothing else. I’m dreaming so much. I’ve done so much to be in this position. Because I know how this club was. I’ve done so much against anything that I just see beauty, opportunity. I want to get it done for those who have been on this journey with us. They deserve it, it’s unbelievable.
I have zero fear. I had fear when: if we don’t get this done, I don’t know what happens to the club. Now? It’s just purpose, fire, direction.”
“نار.. أنا مشتعل بالنار! هذا كل ما في الأمر، لا شيء آخر. إنني أحلم كثيرًا.. ولقد بذلت جهدًا خرافيًا وجاهدت بكل ما أوتيت من قوة لأصل إلى هذه المكانة؛ لأنني أتذكر جيدًا كيف كان حال هذا النادي من قبل. لقد قاتلت ضد كل الظروف والعقبات، والآن لا أرى سوى الجمال والفرصة السانحة. أريد أن أحقق هذا الإنجاز من أجل أولئك الذين رافقونا في هذه الرحلة؛ فهم يستحقون ذلك حقًا، إنه أمر لا يُصدق.
ليس لدي أي ذرة خوف.. لقد كنت خائفًا في الماضي عندما كنت أقول لنفسي: إن لم ننجح في العبور إلى بر الأمان، فلا أعلم ماذا سيكون مصير هذا النادي؟ أما الآن، فلا وجود للخوف، بل هو مجرد شغف، ونار مشتعلة، واتجاه واضح نحو الهدف.”
هذه التصريحات لم تكن مجرد هرطقات، بل كانت صرخة منه، صرخة مفادها أنه قام بالعديد من الأشياء المحرجة وتحمل ما لا يمكن تحمله أملًا في لحظة الانتصار التي لن يفرط فيها بسهولة، ولن يتركها تضيع منه، ولن يستسلم أمام نظرات الناس لأفعاله، بل سيستمر حتى يحقق الانتصار المرجو، وبالفعل هذا ما حدث.
ختامًا، فإن الهدف من هذه المقالة أولئك الذين يخافون من المبادرة والتحدث والاختلاط بالآخرين. مهما فعلتم من أفعال محرجة على سبيل تدريب أنفسكم من أجل التخلص من خوفكم، فلن يذكر الناس هذه الأفعال، بل سيتذكرون الأثر الذي ستتركونه معهم، ولكن بشرط ألا تتوقفوا عن المحاولة، ولا تستسلموا عند الشعور بالابتعاد عن هدفكم واستمرار خوفكم. فلا يهم قدر الأفعال المحرجة التي قمتم بها، ولكن المهم هو لذة الانتصار عند الوصول إلى مرحلة التخلص من خوفكم في النهاية.
مقالات قسم العيادات الخارجية هي المقالات التي نتلقاها عبر البريد الإلكتروني. للمزيد حول شروط النشر انظر هنا









ماشي يعم مبروك الدوري
محمد رمضان دا ولا مين