٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
١٣ حزيران ٢٠٢٦ م
هذه النّفس الإنسانية غريبة النّوازع والبَدَوات والأطوار..
ومن مفارقاتها أن قلمي لا يكون في أحسن حالاته إلا إذا ساءت نفسي.
واليوم أصبحتُ ضيّقَ الصَّدْر فانشرح قلمي، ولا أدري - وقد جاوزتُ طَوْر تكلّفِ الشجى لاستدرار الموهبة - ما بال قلمي لا يضيء إلا بنار روحي وَوَقْد ضميري؟
هكذا تحدث الأستاذ عبدالله الهدلق في كتابه ميراث الصمت والملكوت عن نفسه، أما أنا يا سيدي فما زلت في طوري الأول من الكتابة، لا يشحذ قلبي شيءٌ كالأسى. أتذكر أحبابًا رحلوا؛ فأكتب، أتذكر أيام لهو ومرح؛ فأكتب، أحن لمدرستي ومدرسيّ وأصدقائي؛ فأكتب، ولا ينوبني إلا الألم. فكأنما أنكأ جراحي بنفسي؛ كي أتنسم طيب هذه الذكريات، فلا أكاد ألذ بها حتى أفيق على ألم حقيقة أنها لم تعد شيئًا سوى مجرد ذكريات.
ومنبع الكتابة هذه المرة هو هذه الفترة التي تسحقني، فلا أكاد أطيق مواجهتها فضلًا عن مواجهة نفسي.
والطبيعي أن أي طالب يمر بفترة اختبارات يهتم بكل شيء إلا المواد المقرر عليها حفظها ومراجعتها، فها أنا ذا أكتب حينًا، وأعيش مع طه حسين في أيامه أحيانًا أخرى، وأفكر في شراء الكتاب الفلاني بطبعته الجديدة المنقحة، وأشاهد بودكاست عن فقه العمران، ولكن هل نسيت شيئًا؟…
نعم، وماذا عن طب المجتمع Community medicine يا علامة الزمان؟ هل أنهيت كل ما عليك حتى تتفرغ لفقه العمران؟ ولماذا فقه العمران أصلًا؟ لا أفهمني معظم الأحيان.
منذ ٤ سنين وعامي الدراسي ينتهي في آخر شهر تموز “يوليو”، وهذه هي السنة الخامسة على التوالي، بداية من شهادة الثانوية حتى السنة الرابعة في كلية الطب. تمر علي جميع المناسبات لا كما تمر على أحد، فهذا يتزوج ولا أقدر على حضور عرسه، وهذا الآخر يتخرج ولا أدري بذلك، صرت منفصلًا عن محيطي بطريقة مؤسفة. وأخص بهذا العيدين أصلي مع الناس على عجل، أقضي أوقاتًا مع أصدقائي على عجل، أعيد مع عائلتي على عجل، أفرح على عجل، وربما حتى فاتتني الكثير من المباهج ليس لشيء سوى أني قد نسيتها. الخلاصة هي أنني صرت أعيش على عجل.
كلما تذكرت فرحتي بالعيد صغيرًا، وقضائي أوقاتًا جميلة بعد الصلاة مع الأصحاب، وترقبي لزيارة رحمي مع أبي وأولاد عمومتي، ثم الحدث الأهم على الإطلاق، وهو زيارة جدي وعودة أبناء خالاتي من سفرهم واجتماع الشمل، فبين طفل أكبر همومه أن يجمع أكبر قدر من العيدية، وشاب يتعجل كي يكمل مذاكرته فرق كبير يورث وخز في القلب.
حتى عندما كنت صغيرًا لم يكن الأمر بتلك الصعوبة. كنت أقضي العام كله بين كافة ألوان اللهو واللعب، ثم أعكف على كتبي آخر شهر في معسكر مغلق تشرف عليه أمي، وآخر العام أكون في مصاف الأوائل. فمتى صار الأمر بهذه الصعوبة، ووجبت علي هذه الحياة الرتيبة؟ أذاكر طوال العام، وحتى ذلك لا يشفع لي في لجنة الامتحان إلا أن يتغمدني الله بلطفه.
مللت من مطالعة كتبي ومحاولة حفظ متونها واستظهار كلام لا طائل من معظمه - لا يمكنني وصف أغلبه إلا أنه حشو وكلام فارغ، ومتأكد أنني ظالم في حكمي لأنه يوجد في كليتنا قسم خاص بطب المجتمع، لكني أدون الآن ما أشعر به، ولست بصدد دراسة أكاديمية كي أتحرى الإنصاف - وأحيانًا أفيق أثناء مذاكرتي وأنا لا أدري حقًا علام كل هذه المجهود، ما الهدف من هذا كله؟ وهربًا من هذه الأسئلة الوجودية التي تعتريني في الوقت الوحيد الذي لا يجب عليها أن تفعل ذلك فيه، أكمل مذاكرتي، ولكن بفتور أشد وعزيمة خائرة. أمرر عيني على الكلام بلا محاولة لفهم أو إدراك، إنما كما نقول: “تقضية واجب”.
حتى طالعت فقرة في كتاب واعلموا أن فيكم رسول الله لشيخ البلاغيين محمد أبو موسى، وهو يعلق على حديث للنبي صلى الله عليه وسلم ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مثَلِي ومثلُ الأنبياءِ من قبلِي كمثلِ رجلٍ بنَى بنيانًا فأحسنَهُ وأجملَهُ. إلَّا موضعَ لبنةٍ من زاويةٍ من زواياهُ. فجعلَ النَّاسُ يطوفونَ به ويَعجبونَ له ويقولونَ: هلَّا وُضِعَتْ هذه اللَّبِنةُ! قال فأنا اللَّبِنَةُ. وأنا خاتَمُ النَّبيِّينَ.
فعلق الشيخ أبو موسى قائلًا:
وقوله عليه السلام : ((وأنا اللبنة)) يمكن أن تنتزعها من سياقها هذا الذي هو سياق النبوات واستعمالها من حيث هي جملة مفردة ، وأن يكون سيدنا قالها لنا لنَسْتَنَّ به فيها.
…..وبذلك تنمو هذه العلوم في الأمة وتتسع، لأن سيدها قال (وأنا اللبنة) وعلماء أمته ورثته، ومن إرثهم منه أن يقول كل واحد منهم وأنا اللبنة، وأن يظهر الاجتهاد والإبداع والتطور في كل مناحي حياة الأمة ويكون لها الصدر بين العالمين، وتتميز لأنها خير أمة أخرجت للناس، أنت أيها الصانع قل وأنا اللبنة، وأنت أيها الطبيب قل وأنا اللبنة، وأنت أيها السياسي قل وأنا اللبنة.
وقع هذا الكلام في قلبي موقعًا عظيمًا، ووجدت له أثرًا لطيفًا في مذاكرتي من ذلك الحين، فكلما أصابني فتور أو اعتراني ملل كما كان يحدث سابقًا، وكنت حينها لا أجد رادًا لهم فأكمل على علاتي، صرت أعلل نفسي بأن أحمسها قائلًا : “كوني أنت اللبنة” ، فيثير فيها بقية حماس ويشعل رمادًا خمد منذ أن ترك مدرسته الابتدائية. فربما أكون فردًا في الركب الذي يعيد للأمة بعض مجدها، وربما أربي من يفعل هذا، وربما أكتفي بحياة رتيبة بين العيادة والمشفى، لا أعلم؛ لكنه سعي مستمر، وأرجو أن تسبق بي نيتي ما قصر عنه عملي.
وأكره أن يكون كلامي في هيئة وعظ، فلست أهلًا لهذا، إنما هي تنفيسة مصدور.
وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين.
للمزيد حول شروط النشر انظر هنا





مبدع يا دكتور
اتمنالك تدوق اول ثمراتك في انك تكون سبب في شفاء حدوقتها المبدأ بتاعك هيترسخ فيك جدا جدا جدا