شاهدتُ هذا الفيلم عام ٢٠١٧ في السينما، بعد فوزه مباشرةً بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، ولسببٍ لا أعرفه لم يُعجبني حينها كثيرًا، ربما لأن الأكاديمية كانت ترشح في ذلك العام جميع الأعمال الفنية الأجنبية والفنانين الأجانب كسياسة عامة ليست معنية بجودة العمل الفني نفسه بالضرورة، ومع ذلك، فإنه ترك انطباعًا قويًا لديّ، وحين أعدت مشاهدته من جديد، اكتشفت أنني لم أحسن التقدير في المرة الأولى، حيث أنني في هذه المرة صنفته من أجمل ما قدّم أصغر فرهادي بعد فيلمه الأهم والأجمل - في رأيي - الانفصال A separation، والذي سأتحدث عنه في كتابة أخرى.
أزعجني شيئًا ما في هذا الفيلم في المرة الأولى، فهو يحكي حكايتين متوازيتين متداخلتين، إحداهما تجري على أرض الواقع في طهران بين زوج وزوجته، والأخرى تجري بينهما على المسرح كشخصيتين من رواية وفاة البائع لآرثر ميلر، والتي حوّلاها برفقة أصدقائهما إلى مسرحية درامية كنشاط فني. يبدو أن الزوج، مدرس التاريخ، هو الأكثر انخراطًا فيه، ولم يعجبني الجزء الخاص بالمسرحية في المشاهدة الأولى، ولكنني استوعبته في المشاهدات التالية، بينما لم يعجبني إيقاع الفيلم كذلك في المرة الأولى، ولكنه أصبح منطقيًا ومناسبًا تمامًا في المشاهدات اللاحقة.
جعلتني قصته أؤمن بالموقع المركزي لفن الفسيفساء في الفكر الفارسي، فالمشاعر الإنسانية المتشابكة والمتناقضة منسوجة بدقة شديدة وعناية فائقة في هذه القصة الإنسانية الفريدة، فلا تكاد تميز محورية أبطالها فيها من أهمية شخصياتها الثانوية، ولا تكاد ترى الشرير شريرًا بحق، بل ينتهي بك الحال إلى التعاطف الكامل معه أحيانًا، إلى الحد الذي قد تنقلب فيه على البطل الذي شعرت بألمه وتعاطفت معه طوال زمن الحكاية.
تقلبات في المفاهيم والمشاعر أعقد من قدرة المتفرج -ربما قدرتي أنا فحسب- على معالجتها من المشاهدة الأولى.
أود في البداية الإشادة بشهاب حسيني، الممثلٌ الرائع الذي جسّد شخصية البطل، وهي غاية في التركيب الإنساني، والذي عايشت معه كل ما مر به عماد -شخصية البطل- حتى وصلنا للّحظة التي أصبح فيها الشرير الحقيقي في القصة، وأصبح فيها الشرير مجرد كائن مسكين ارتكب خطأً شنيعًا ولكنه غير مقصود، وكُتب عليه أن يدفع ثمنًا باهظًا له على يد البطل المسكين.
لا أقصد حرق أحداث الفيلم، ولكن من الضروري التحدث عن الكتابة الفريدة التي جعلت ذلك الانقلاب الهائل ممكن الحدوث لمدرس التاريخ اللطيف والمحب، وعن الأداء المبهر لشهاب الحسيني الذي لم يكن التفهم التام لتقلبات مشاعره ومواقفه ليكون ممكنًا من دونه، فاعتبر الفقرة السابقة بمثابة “الديسكليمر“ أيّها القارئ العزيز، لأنني سأغوص قليلًا في تلك التقلبات وإن كنت سأحاول تفادي الكشف التام عن الأحداث وتفاصيلها.
اعتبر الفقرة السابقة بمثابة “الديسكليمر“ أيّها القارئ العزيز؛ فإن كنت تنوي مشاهدة الفيلم، توقف هنا. وعاود قراءة المقال بعد الانتهاء منه.
بدأ الفيلم فعليًا بين الدقيقتين الـ26 والـ28، ولكن الجزء الذي أعجبني حقًا - أثناء جميع مشاهداتي بالتساوي -بدأ من الدقيقة الـ74 وحتى النهاية، وهو الجزء الأكثر كشفًا وحيويةً وإتقانًا في الفيلم، وأعترف أن وتيرة الفيلم قد تكون بطيئة بعض الشيء قبل الدقيقة الـ74، وأن مشاهد المسرح قد تكون غارقة في الرمزية أكثر من اللازم، لكنني مع المشاهدة الرابعة للفيلم -والتي كانت منذ ثلاثة أسابيع تقريبًا- أيقنت أن ذلك الإيقاع المتمهل كان ضروريًا لضمان الوصول السلس إلى تلك النهاية الصادمة وتفهمها من دون أن تشعر -أيّها المتفرج- وكأن المخرج قرر الانقلاب على شخصياته فجأة وتبديل الأدوار فيما بينها، وفي ذلك الإيقاع تكمن القصة والحبكة، وفي ذلك المرور المتمهل بكل ما يعتري عماد من تقلبات داخلية فحسب يمكن فهم التحول النهائي، بل والتعاطف معه كذلك، فإنني أعتبر مشهد المواجهة النهائية بين البطل وخصمه من أكثر المشاهد إرباكًا في تاريخ السينما، حيث تنازعك نفسك بين التعاطف مع البطل الذي عشت معه آلامه وفهمتها بعمق طوال أحداث الفيلم وبين رفض ما يفعله إنسانيًا وأخلاقيًا رغم أنك قد تعذره وتتفهم سعيه للانتقام، وتنازعك نفسك بين شعورك بالازدراء الشديد للشرير الذي ظللت تسمع عن أفعاله طوال أحداث الفيلم من دون أن تراه، فرسمت صورة له في ذهنك تمكنك من الحكم عليه بيسر وسهولة، لتفاجأ حين تراه أنه ليس إلا رجل مسن له زوجة وأبناء، ضعيف ومرتبك، يعلم أنه أخطأ، ولا طاقة له بدفع ثمن ذلك الخطأ، ولا يرجو سوى النجاة من مخالب الانتقام والستر من الفضيحة.
أعتبر ذلك المشهد بمثابة سجادة إيرانية محاكة يدويًا بعناية، تتمازج فيها ألوان المشاعر وتتضارب فيها الانحيازات التعاطفية مع المواقف الأخلاقية، ويواجه فيها المشاهد ذاته على حقيقتها، وكأن ما يشاهده يحدث له، وكأنه يتعرض بشكل مباشر للامتحان ذاته الذي يجثم على صدر عماد في تلك اللحظة، فيصبح الشعور بالارتباك حقيقيًا، وليس مجرد تماهيًا مع ما تراه العين ولا يملأ جدران الواقع الملموس بالضرورة، وما إن ينتهي المشهد وينتهي معه الفيلم بأكمله، حتى يتنفس المشاهد الصعداء، فرحًا بإدراكه أن ذلك الامتحان كان من نصيب عماد وحده، ولم يكن من نصيبه هو هذه المرة، ومتحررًا من ثقل الصراع الداخلي الذي مزقه، وممتلئًا وجدانه بألوان لا حصر لها من الأفكار والمشاعر.
لا مجال في هذا العمل الفني المتقن للأحكام الصارمة والمواقف الأخلاقية السطحية، فقد صُنع من أجل من يعيشون في قلب هذا العالم المأزوم، لا لمن يتفرجون عليه من الأطراف، من دون دراية حقيقية بالتحديات والاختبارات التي يفرضها على البشر الحقيقيين كل يوم، صُنع من أجل من يملكون القدرة على الجمع بين الشعور ونقيضه دون أن يفقدوا البوصلة، ومن يملكون القدرة على التفهم وإن صاحبه الرفض المبدئي، ومن يعلمون أن الإنسان -بكل هيلمانه وجبروته دا- ضعيف!
مقالات قسم العيادات الخارجية هي المقالات التي نتلقاها عبر البريد الإلكتروني. للمزيد حول شروط النشر انظر هنا






أنا شفت الفيلم من حوالي خمس سينين، اللي لسه فاضل في الذاكرة هو أنه كان مربك فعلا في نهايته ومحبيتشهاش خالص. متحمس أسمعه تاني يمكن يكون بيتغير مع تكرار المشاهدة فعلا 🤔