في مجتمعنا، قلّما يُسأل الإنسان في العشرينات عن حالته الإنسانية فعلًا. السؤال الأكثر شيوعًا هو: “وصلت لفين؟”، ويُقصد به غالبًا موقع اجتماعي مؤجل، أو وظيفة، أو لقب صغير يمنحك حقًا مؤقتًا في أن تُعامل كإنسان “ناجح في الطريق”.
وهنا لا تدخل الرأسمالية كفكرة فلسفية معقدة، بل تتسلل في أشكال يومية بسيطة: في حديث الأقارب، في نظرة الأم، في المقارنات العفوية داخل العائلة، وفي أول تعليق يُقال على أي قرار بسيط تتخذه في حياتك العشرينية.
ومع الوقت، يصبح من الصعب التمييز بين ما إذا كنا نعيش حياتنا فعلًا، أم أننا نرد باستمرار على موقعنا داخل السلم الاجتماعي.
حين تصبح المعرفة وسيلة عبور
في الجامعة، يُفترض أنك “تتعلم”. لكن في الواقع، أنت تتعلم لترد على سؤال واحد يتكرر بصيغ مختلفة: “هتشتغل إيه بعد كده؟”، وكأن المعرفة نفسها ليست غاية، بل مجرد مرحلة انتظار مؤقتة قبل أن تحصل على الوظيفة التي يُفترض أنها كانت سبب دخولك أصلًا.
ومع الوقت، لا يعود هذا السؤال محصورًا في البيت أو بين الأقارب فقط. قد تسمعه من شخص بالكاد تعرفه في مناسبة عابرة، أو في حوار سريع داخل وسيلة مواصلات: “إنت في كلية إيه؟” ثم يتبعه مباشرة: “ودي بتطلع تشتغل منها إيه؟”. يتكرر السؤال بنفس الصيغة تقريبًا، كأنه نص محفوظ، لا يختلف كثيرًا من فم لآخر، حتى لو اختلفت الأماكن والوجوه.
هكذا تتحول الدراسة في أعيننا من محاولة لفهم العالم، إلى محاولة لتبرير وجودنا فيه لاحقًا.
وإذا حاولت أن تقول: “بس أنا مهتم بحاجة تانية”، يتم التعامل مع الأمر كأنه رفاهية غير مسؤولة. وغالبًا ما يُغلق النقاش بجملة مألوفة: “إحنا عارفين مصلحتك فين”.
البداية التي لا تُمنح بسهولة
بعد التخرج، يجد الشاب نفسه قد دخل مرحلة مختلفة تمامًا عما كان يتخيله. فجأة تتحول السنوات التي قضاها في الدراسة إلى مجرد “بداية مؤجلة”، وتبدأ مرحلة البحث عن وظيفة، حيث تتكرر الإعلانات والمقابلات، لكن تظل كلمة واحدة حاضرة بثبات مُمل: “الخبرة”.
في كل إعلان عمل تقريبًا تُكتب الجملة نفسها: “يشترط وجود خبرة سابقة”، وكأنها شرط منطقي تمامًا، رغم أن السؤال البديهي الذي لا يُقال بصوت عالٍ هو: كيف؟ وفي كل مقابلة يُعاد السؤال نفسه: “عندك خبرة قد إيه؟”، وكأن الخبرة شيء يُفترض أن يكون موجودًا قبل أن يُسمح لك أصلًا بأن تبدأ في اكتسابها.
ومع تكرار هذا النمط، لا يصبح الضغط متعلقًا بشرط واحد فقط، بل أيضًا بشعور أنك دائمًا في مكان متأخر خطوة، حتى قبل أن تبدأ فعليًا. كأن هناك توقيتًا غير مرئي للحياة يجب أن تلتزم به، وإلا ستُعامل تجربتك كأنها “متأخرة” مهما كانت في بدايتها.
حتى المحاولات الأولى—تدريب، تجربة قصيرة، أو خطوة استكشاف—لم تعد تُشبه بدايات طبيعية بقدر ما تُشبه محاولات للحاق بشيء سبقك فعليًا. ومع الوقت، يتحول الإحساس إلى أنك لا تبدأ من نقطة الصفر، والتي هي بالفعل النقطة الطبيعية التي يُفترض أن تبدأ بها ، بل من نقطة يُفترض أنك تأخرت عنها بالفعل.
وهكذا، بين شرط يبدو بسيطًا وسؤال يبدو منطقيًا، تتقلص مساحة البداية بهدوء، ولا يُسمح لها أن تحدث بسهولة، حتى لو كانت هي أول ما يفترض أن يحدث.
النسخة الاجتماعية من لوحة التحكم
في البيت، الرأسمالية لا تحتاج خطابًا، يكفي سؤال بسيط: “إيه أخبار الشغل؟”.. هذا السؤال ليس فضولًا بريئًا، بل مؤشر حالة اجتماعية. إذا كنت تعمل: أنت “ماشي صح”. وإذا لا: يتم فتح جلسة تحليل مصغرة لمستقبلك، وكأن حياتك مشروع متعثر يحتاج إعادة جدولة.
وفي الخلفية دائمًا مقارنة غير معلنة: فلان اشتغل بدري. فلانة اتخطبت بدري. فلان “استقر بدري”. ما أنت، فتجلس في المنتصف.. تحاول أن تشرح شيئًا لا يُسمح له أن يكون غير واضح حتى.
ومع الوقت، لا يبقى الضغط متعلقًا بالعمل وحده، بل يمتد بهدوء إلى فكرة “الاستقرار” نفسها. فتبدأ جمل مألوفة في الظهور، تُقال بنبرة عادية جدًا، كأنها مجرد ترتيب منطقي للحياة: “ هتتقدم إزاي وإنت لسه مش مستقر؟” ، “يعني هتفتح بيت بإيه؟” ، “لازم تكون نفسك الأول وبعدين تفكر في الجواز”
تُقال هذه الجمل وكأنها حقائق بديهية، لكنها تحمل ضمنيًا معنى واحدًا: أن كل شيء في حياتك مؤجل، ليس لأنك اخترت ذلك، بل لأنك لم تستوفِ الشروط بعد.
وهكذا، لا يبدو من المنطقي أن تفكر في الارتباط إذا لم يكن لديك ما يثبت “جاهزيتك”: وظيفة مستقرة، دخل واضح، وربما شقة تنتظر أن تُسكن. وكأن المشاعر نفسها تحتاج إلى وضع مهني ليُسمح لها أن تُؤخذ بجدية.
وهكذا، تتداخل الأسئلة: عمل، استقرار، زواج.. في مسار واحد لا يُفصل بين مراحله بوضوح. لا يُطلب منك فقط أن تنجح، بل أن تنجح بالترتيب الصحيح، وفي التوقيت المناسب، وإلا وجدت نفسك تبرر تأخرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
في العشرينات، أول وظيفة ليست مجرد وظيفة. هي تصريح مؤقت بأنك “موجود اقتصاديًا”. حتى لو كانت بعيدة تمامًا عنك، لا بأس.. المهم أنك داخل النظام. أما السؤال الحقيقي عن المعنى، أو الراحة، أو التوافق، فهي أسئلة مؤجلة لمرحلة اسمها “لما الدنيا تهدى”، وهي مرحلة لا تأتي رسميًا في التقويم.
لا أحد يخبرك أن هذا طبيعي
لا يُقال بوضوح هو أن ما نمر به في العشرينات يبدو أحيانًا أثقل مما نقدر على شرحه، وأهدأ بكثير حين نتوقف عن محاولة تفسيره طوال الوقت.
الرأسمالية، كما تتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، لا تترك مساحة كافية للبطء أو للتجربة بلا نتيجة. كل شيء يُقاس، وكل خطوة يُفترض أن تقود إلى شيء “واضح”، حتى لو لم تكن الحياة نفسها تسير بهذه الوضوح. لكن ربما ما لا ننتبه له ونحن نحاول أن نلحق بكل شيء، هو أن هذه المرحلة ليست اختبارًا بقدر ما هي مساحة تتشكل على مهل، حتى لو بدت مزدحمة وضاغطة من الخارج. وربما الأهم من كل ذلك، ألا نحمل أنفسنا فوق طاقتها فقط لنبدو متوافقين مع صورة رسمها مجتمع لا يمنح دائمًا مساحة كافية للهدوء أو الخطأ.
وفي النهاية، لا أحد يخرج من العشرينات كما دخلها. لكن ليس مطلوبًا منك أن تفهم كل ما حدث خلالها الآن، ولا أن تبرره أو ترتبه في صورة مثالية. يكفي فقط أن تمر بها دون أن تظن أنك متأخر عن حياة كان يُفترض أن تُعاش بطريقة واحدة فقط.
مقالات قسم العيادات الخارجية هي المقالات التي نتلقاها عبر البريد الإلكتروني. للمزيد حول شروط النشر انظر هنا




نفس رأيي في موضوع التعليم مش فاهمة ليه بنفترض أن الدراسة لازم بعدها شغل الإنسان المفروض يتعلم لأجل العلم وبس اشتغل اشتغل مشتغلش مش مشكلة
والفكرة دي بتبان عمليا ف البنات الي بتتخرج وتقعد فالبيت ب إرادتها بتتعرض لهجوم اومال انتي كلمني تعليم ليه اومال انتي ضيعتي اربع سنين من عمرك ليه وكأن سنين التعليم سنين ضائعة أو الأغرب الي يقرر يعمل كاريرا شيفت ويشتغل في حاجة غير الي درسها بيقابل نفس التعليقات اومال درست التخصص الفلاني ليه كان الإنسان محكوم عليه بدراسة شئ واحد بس وميعرفش بتعدد ويتعلم دا ودا لحد ما يرتاح لحاجة
بقابل كمان نظرة غريبة للشخص الي بيذاكر وهو مش مضطر يذاكرة زي في إجازة الصيف أو دراسة كتب معينة أو كورسات بعيدة عن تخصص الجامعة ونفس المشكلة بردو احنا رابطين المذاكرة بالمدارس ونسينا الأصل والأصل أن الإنسان ليتعلم ديما وبيسعي انو يتعلم عشان يتطور ودي حاجة المفروس متقفش مع التخرج وتكمل لحد ما نموت
انا عارفة اني دخلت فمواضيع بعيده عن مقالك الاصلي بس حسيت نقطة التعليم عايزين نتكلم عنها اكتر
👌👌👌👌👌👌