لم أكن دائمًا الشخص الذي تخيلته لنفسي. أحيانًا أفكر في ذلك بهدوء دون دراما كبيرة، فقط كحقيقة بسيطة وثقيلة في الوقت نفسه. أفكر أن هناك نسخة أخرى مني كان يمكن أن تكون هنا الآن لو سارت الحياة بشكل مختلف قليلًا.
ربما لم تأتِ هذه الفكرة من فراغ، فأنا من الجيل الذي نشأ وهو يرى الحياة -بطريقة غير مباشرة- كقصة لها ذروة. فقد كبرنا مع عوالم سبيستون، حيث كان لكل حكاية معنى واضح، ولكل ألم نهاية، ولكل رحلة لحظة فارقة تُعيد ترتيب كل شيء. فهناك في بداية الألفينات كنا نتابع سالي ونؤمن أن الصبر لا بد أن يُكافأ حتى وصلنا للنهاية وكانت مكافأة سالي لصبرها تفوق خيالاتنا. نعيش مع عهد الأصدقاء وننتظر أن يصل الأبطال روميو وألفريدو إلى لحظة الحقيقة وقد وصل روميو إلى الحقيقة بالفعل ولكنه فقد صديقه في طريقه للحقيقة. نبكي مع دروب ريمي والعم فيتالس وننهار بموته والبؤساء وثورتهم، لكننا نثق أن الألم مهما طال سيجد خلاصه. نركض مع القناص ودراجون بول والمقاتل النبيل نحو تلك اللحظة التي يتحول فيها البطل ويصبح أقوى ويغير مصيره. حتى في الحكايات الهادئة مثل إيميلي والحديقة السرية، كان هناك وعد خفي: أن شيئًا جميلاً سيحدث وسيجعل كل ما قبله مفهومًا.
تعلمنا، دون أن ننتبه، أن الحياة تدور حول هذه اللحظات.
أن هناك “استثناء” ما في انتظارنا،
لحظة واحدة كفيلة بأن تعوض كل شيء،
وتعيد إلينا ما فقدناه.
لا أتحدث عن أخطاء واضحة أو قرارات أندم عليها فقط، بل عن شيء أعمق من ذلك. أتحدث عن سنوات مرت وأنا أحاول أن أتماسك، أن أكون “بخير”، أن أتعامل مع ما هو موجود، دون أن أملك رفاهية أن أسأل: ماذا أريد أنا فعلًا؟
هناك أشياء لا تُفقد دفعةً واحدة، بل تُسلب من الإنسان على مهل، كأن الزمن نفسه يتواطأ مع الفقد. لا تأتي الخسارة دائمًا في صورة حدثٍ صاخب يمكن الإشارة إليه، بل تتسلل في هيئة أيامٍ عادية، تتكرر حتى تسرق معناها، وسنواتٍ تمر دون أن نشعر أننا عشناها حقًا. وحروب تسحقنا وتسحق أهلها فلا نعود بعدها كما كنا قبلها.
نستيقظ يومًا، لا لأن شيئًا جديدًا حدث، بل لأن شيئًا قديمًا انكشف فجأة:
أننا لم نكن نعيش كما تخيّلنا، وأن هناك مسافةً خفية اتسعت بين ما أردناه لأنفسنا، وما صرنا إليه. وأن ما يسكننا هو الانسحاق وليس عيش نسختنا التي تمنيناها.
أتأمل سنوات عمري من ال ١٨ لل ٣٢ وعدد النسخ التي تمنيتها من ٢٠١١ ل ٢٠٢٦ وعدد النسخ التي عشتها، أعلم يقينًا أن ما يسكنني هو الانسحاق وليست الأمنيات، هو النسخ التي كنت عليها وليست التي تمنيتها.
كنت أقرأ مقالاً لصديقتي عن نسختها أيام الثورة، فما لبثت أن تذكرت لحظة زمنية جرفني إليها حنيني، تلك اللحظة التي كانت فيها ثلاث فتيات مع معلمهم، والذي بدوره كان له توجه سياسي معين، وسألنا عن رأينا بالثورة، راجعت في عقلي إجاباتنا وسألت نفسي أين نحن من هذه النسخ؟ وقارنت بين نسختي بعد الثورة ونسختي بعد الطوفان، كيف كنت؟ وكيف أصبحت؟
نحمل داخلنا أعمارًا كاملة لم تحدث، نحمل حياةً موازية، تسير بجوارنا بصمت، تذكرنا بما كان يمكن أن يكون، فليست كل الخسارات متشابهة.
بعضها واضح يمكن رؤيته وروايته ويمكن للآخرين أن يتعاطفوا معه. لكن هناك نوعًا آخر أكثر هدوءًا وقسوة، لا يُحكى بسهولة: خسارة السنوات التي لم تُعش، والأحلام التي تأجلت حتى فقدت حرارتها، والنسخ التي كان يمكن أن نكونها ولم نصل إليها أبدًا. في واقعنا، في هذه المنطقة التي نسميها الشرق الأوسط، لا تكون هذه الخسارة فردية تمامًا.
هي ليست قصة شخصٍ واحد، بل تجربة تتكرر في حيوات كثيرة، بطرق مختلفة.
هناك من سُلبت منهم سنوات بسبب القلق المستمر، لأن الاستقرار لم يكن يومًا أمرًا مضمونًا. وهناك من سلبتهم الحرب ماضي وحاضر فوقفوا هناك في العراء بلا ساتر، وهذه كنتها أنا سلبتني الحرب استقرار عقلي، فصار حلبة صراع وميدان حرب للأفكار العالقة عن الجدوى، وماذا أفعل؟.
وهناك من تأجلت أحلامهم لأن الواقع كان يطلب منهم شيئًا آخر: أن يعملوا مبكرًا، أن يتحملوا مسؤوليات أكبر من أعمارهم، أن يختاروا الأمان بدل الشغف والأحلام.
وهناك من عاشوا حياتهم وهم يحاولون فقط أن “يمضوا”، لا أن يحققوا، ولا حتى أن يحلموا. وهذا ما حدث للثلاث نسخ منا نحن الفتيات الثلاثة بل ومعلمهم أيضًا. وهذا النوع من الفقد لا يُعزّى فيه بسهولة لأنه لا يترك وراءه ذكرى محددة، بل يترك فراغًا.
في واقعنا هنا، لا يكون الطريق ممهدًا لنكتشف أنفسنا بهدوء. حيث في داخلنا كان هناك دائمًا هذا الإحساس المؤجل: أن ما نعيشه الآن ليس هو الحياة الحقيقية. أن هذه مجرد مرحلة عبور، وأن هناك شيئًا قادمًا ربما أفضل، أوضح، أكثر عدلًا، وقد يبدأ معه كل شيء. قرأت منشورًا على فيس بوك لشخصية مفضلة عندي، تحدثت في هذا المنشور عن الاستثناء، وعن كيف تحولت لحظاتنا كلها لاستثناء، وبانتظار هذا الاستثناء نحن نفقد حياتنا. وربما الحقيقة الأبسط، والأصعب في الوقت نفسه، هي أن الاستثناء ليس حدثًا نادرًا في حياتنا بل هو الزمن نفسه.
في واقعنا وفي منطقتنا لم يكن من الصعب تصديق ذلك. حيث إننا نعيش في عالم لا يمنحنا دائمًا رفاهية الاختيار، ننشغل بما يجب فعله لا بما نريده، نؤجل أحلامنا لأن هناك ما هو “أهم”: الاستقرار، المسؤوليات، الظروف التي لا تنتظر. نُربّى على التحمل، على الصبر، على أن نكمل الطريق حتى لو لم نكن متأكدين إلى أين نذهب. ومع الوقت يتحول التأجيل إلى أسلوب حياة. لا نشعر أننا نخسر لكننا بهدوء نفقد سنوات، ومع الوقت نتقن ذلك. نتقن التعايش.
لذا وفق رؤيتي الجديدة لنفسي وللعالم ربما لست النسخة التي حلمت بها يومًا، لكنني لست ضائعة تمامًا أيضًا. هناك شيء في داخلي ما زال يحاول، شيء لم ينطفئ بالكامل، رغم كل شيء.
أتعلم ببطء أن أنظر لما تبقى، لا فقط لما فُقد. أن أُقدّر قدرتي على الاستمرار، حتى لو لم تكن الحياة كما أردتها. هذا وإن حدث فهو بفضل أهلنا في غزة الحبيبة، ومحاولتهم المستميتة لعيش الحياة التي يستحقونها. تعلمت منهم أن أضع حدًا لعقلي الذي يهرب بي بعيدًا كما وصفته لصديقتي يومًا عندما سألتني: “إنتي إيه اللي حصلك؟” بأن عقلي ينهكني ويسرح بي بعيدًا عن الاستغراق في اللحظة، يسرح بي إلى عالم موازي لا أستطيع الفكاك منه.
ربما لن أعيش كل ما حلمت به، لكن يمكنني أن أعيش ما تبقى بصدق أكبر. فأنا لا أستطيع أن أعود إلى الوراء، لكن يمكنني أن أتوقف عن العيش وكأنني في انتظار. أن أرى الأيام العادية كما هي: ليست فراغًا بين لحظتين مهمتين، بل هي اللحظات نفسها. أن أكون هنا، حاضرة، منتبهة، حتى لو لم تكن الحياة كما تخيلتها يومًا، أن أتمسك بالفسيلة، أن أتخلى عن وهم الاستثناء، وأفهم أنني كنت أعيش فيه طوال الوقت لكنني لم أكن أراه، وأن أتعلم أن سبيستون لم تخبرنا الحقيقة، بل صرعتنا بانتصار الحق الدائم، وهلاك الباطل اليقيني، ولم تخبرنا عن السنن الكونية، ولا عن غيبية الأشياء، ولا عن الحروب التي يتحكم بها الصعاليق الحقيقين في كوكب الأرض وليس كوكب زمردة، وأن مقولة العم فيتالس هي أهم ما خرجت به من سبيس تون: “الشيء الأهم أن يبقى الإنسان صابرًا مهما حدث له وألا ييأس أبدًا”.
لمزيد من مقالات الكاتبة:
للاشتراك في ديلولو وليصلك جديد مقالاتنا"





