لم أفكر يومًا في مقارنة أمي بشخصية درامية. كانت دائمًا بالنسبة لي أكثر من ذلك؛ أكثر بساطة، وأكثر عمقًا في الوقت نفسه. أمي فقط المرأة التي كان وجودها في البيت يجعل كل شيء مهما بدا صعبًا أخف قليلًا.
لكن بينما كنت أتابع شخصية أسما في مسلسل Taşacak Bu Deniz، شعرت بشيء مألوف. لم يكن الأمر إعجابًا بشخصية مكتوبة بإتقان فحسب بل كان إحساسًا يتكرر في كل مرة تحاول فيها أسما أن تبقى متماسكة من أجل ابنتها. لم أعد أفكر فيها كشخصية درامية فقط بل في كل مرة كانت تحاول أن تكون صامدة، كان عقلي يذهب مباشرة إلى أمي. ليس لأن حياتهما متشابهة حرفيًا بل لأن هناك شيئًا أعرفه جيدًا في هذا النوع من النساء.
أسما ليست مجرد امرأة تواجه تحديات يومية بل امرأة حملت على كاهلها عبء عشرين سنة من الألم. سنوات كاملة سرقت منها؛ سنوات ضاعت بين صراعات لا مفر منها، وبين قرار قاسٍ أن يُباع فيه ما هو أغلى ما لديها: طفلتها. دُمّرت حياتها بشكل شبه كامل، وفُرّق بينها وبين زوجها بطريقة وحشية، فأصبح كل يوم جديد لها هو مواجهة جديدة وكل خطوة في طريقها محفوفة بالخطر لها ولعائلتها. وما زال العالم من حولها يختبر صبرها وعزيمتها في كل لحظة بوضعه العراقيل في طريقها وطريق تحقيق أمنيتها باجتماع عائلتها الصغيرة. ومع ذلك وعلى الرغم من كل هذا الخراب تستمر أسما في النهوض في محاولة منها أن تحمي ما تبقى لها وأن تحافظ على ذرة الأمل التي ما زالت تضيء قلبها حتى وإن بدا الطريق مظلمًا.
أسما تحاول أن تكون قوية لأن هناك طفلة تعتمد عليها وأمي فعلت الشيء نفسه طوال حياتها تقريبًا. لم تكن قوتها في الصراخ أو المواجهات الكبيرة بل في شيء أهدأ وأكثر عمقًا: العطاء المستمر.
أمي من النساء اللواتي يجعلن الآخرين يشعرون بالأمان قبل أن يفهموا السبب. كانت تراقب العالم حولنا بدقة، تتأكد دائمًا من أن لا شيء قد يؤذينا. الحماية عندها لم تكن اهتمامًا عابرًا بل كانت جزءًا من شخصيتها. أنا من الشخصيات التي تحشرني الذاكرة في خندق ضيق لا أطيقه، فألوش بيدي وقدمي، فتتهرب مني التفاصيل. إخوتي يعتادون تذكيري بأشياء غائبة وأقضي وقتًا طويلًا أحاول الإمساك بها، لكن مع أمي الأمر مختلف. ذاكرتي معها كصديقة وفية؛ كل التفاصيل مصفوفة هناك لا تحشرني ولا ألوشها ولا تهرب مني. أتذكر مرة من مرات الشتاء كنت في الصف الثاني الابتدائي وكنا في كتاب القرية، نذهب مع أبناء عمومتي الأكبر منا. ذلك اليوم هطلت الأمطار بغزارة و جاءت أمي من مسافة بعيدة تحمل شمسية كبيرة، ولم يكن هناك مواصلات. أخذتنا تحتها، وابتلت هي تمامًا، لكنها لم تسمح لنا بالبلل، لم تفكر إلا فينا، في دفء أجسادنا الصغيرة، وفي أن نصل إلى مكاننا بأمان. كانت لحظة من تلك اللحظات التي تتجذر في القلب، حيث الحب يختلط بالماء، والحرص يصبح ذاكرة لا تموت.
لكن أكثر ما أقدره في أمي الآن، بعد أن كبرت، هو شيء ربما لم أكن أراه بوضوح في طفولتي: دعمها النفسي لنا. كانت دائمًا الشخص الذي يمكننا العودة إليه عندما نتعب، الشخص الذي يسمعنا دون أن يحاكمنا، الذي يجعل كل مشكلة تبدو أخف فقط بوجوده. كنت في مرحلة الإعدادي عندما ختمت القرآن، وفي نفس الكتاب كانت هناك فتاة صغيرة في الابتدائي ختمت القرآن معي في نفس اليوم. كان الاحتفاء بها بسبب صغر سنها يغمر الجميع، بينما تجاهلوا وجودي لكن لم أعر ذلك اهتمامًا فأمي كانت هناك. عدت إلى البيت، ووجدت أمي قد أعدت لي حلوى صغيرة (تورتة) احتفالًا بهذا الإنجاز الصغير بالنسبة للبعض الكبير في قلبي. وبعد أسبوع أهدتني خاتمًا من الذهب على شكل قلب، قلبها الذي وسعني ووسع كل من حولي. كان أجمل خاتم أملكه في حياتي، ليس لثمنه المادي بل لأنه يحمل دفء حبها وعطاءها الذي لا ينتهي وعالمها الذي يجعلني دائمًا أشعر بأنني مميزة ومحاطة بالأمان والحنان.
أن تكون إنسانًا يعطي الطمأنينة للآخرين باستمرار ليس أمرًا بسيطًا، بل هو نوع من القوة لا تقل صعوبة عن أي مواجهة درامية.
ليس على الشاشة بل في البيت؛ في امرأة تعتبر حمايتنا مسؤوليتها الأولى، وتتعامل مع قلقنا وتعبنا وكأنه جزء من قلبها. قوتها كانت في العطاء اليومي الهادئ، وفي القدرة النادرة على أن تكون مصدر الأمان النفسي حتى في أصعب الأيام. ضربني معلم في مدرستي وأنا في مرحلتي الإبتدائية -كان له ثقل في المدرسة الكل يخافه ويهابه- وهذا كان شائعًا جدًا وقتها، ولم أرى أمًا تأتي لتشتكي هذا أو ذاك لضربه أحد أبنائها، أمي البطلة جاءت وهددته واشتكت عليه فخاف ولم يعيدها مرة أخرى.
لذلك، حين أرى أسما تحاول أن تبقى متماسكة من أجل ابنتها، أشعر أن الدراما لا تختلق هذه الشخصيات بالكامل، هي فقط تسلط الضوء على شيء موجود في الحياة بالفعل. كثير من الأمهات يعشن هذا الدور يوميًا: دور الحماية، دور الاحتواء، ودور القلب الذي يقف في الخلفية ليمنح الآخرين القدرة على الاستمرار.
هناك مشهد لأسما تشاركنا فيه وكأن خيالاتنا تتشابك في فضاء خصب لا يعرف حدودًا. المشهد يصور أسما وهي تتخيل حياتها المسروقة منها ومن ابنتها وزوجها، وكيف استطاعت أن ترتب تلك الفوضى، أن تعيد تعريف حياتها المسروقة، لتتحول من ألم إلى واقع يمكن العيش فيه. أما أنا فمنذ صغري وأنا أغوص في مخيلتي الخصبة، أسرح بها بلا قيود، أطوف في عوالم لا تنتهي. أستعيد مرة من مرات الشتاء حين كانت الرياح تعصف والبرد يتغلغل في العظام وكنت خارج البيت. تخيلت نفسي عائدة، مرتدية فستاني الأزرق الشتوي، وأمي تحتضنني بحنان يغمرني بالدفء. دفء يجعل الشتاء صيفًا، والبرد أشعة شمس. أسرعت نحو البيت، وفعلًا، كانت أمي هناك، تحتضنني، فاكتملت اللحظة في حضنها، واختلطت خيالاتي بالواقع، وصار كل شيء حقيقيًا في دفء تلك اللحظة.
بالنسبة لي، لم تكن أسما مجرد شخصية على الشاشة بل كانت تذكيرًا بنوع من القوة عرفته منذ زمن طويل، وعشته في بيتنا. وربما لهذا السبب، كلما حاولت أسما أن تقف وسط الفوضى، لم أكن أراها بعين المشاهد فقط بل كنت أراها بعين الابنة أيضًا.
أسما لديها سيناريو محدد، أما أمي فلديها شجاعة الارتجال.
بعض النساء لا يرفعن أصواتهن، لكنهن يرفعن الحياة نفسها على أكتافهن. ربما لهذا السبب نشاهد الدراما بشغف؛ لأنها تذكرنا بأن القصص العظيمة ليست فقط على الشاشة، فهي تمنحنا شخصيات ننجذب إليها بشدة، نتابعها وكأننا نعرفها منذ زمن، نتألم لألمها، ونفرح حين تنهض من جديد بعد كل سقوط. لكنها رغم عظمها، تذكرنا أيضًا بشيء مألوف كأننا رأينا هذا النوع من القوة من قبل، ليس على الشاشة، بل في الحياة الواقعية وفي البيوت التي نشأنا فيها.
تظهر أسما كامرأة تقاتل من أجل ابنتها وحياتها. وهي ليست بطلة خارقة بالمناسبة، بل إنسانة مثقلة بالجراح، تحاول أن تتصرف بعقلانية وأن تتخذ قرارات مدروسة رغم الفوضى. قوتها ليست في غياب الألم، بل في القدرة على الاستمرار رغم الألم.
اقرأ أيضًا عن الأمومة:
أما أمي واحدة من هؤلاء النساء. ربما لم تقف أمام كاميرا، ولم يكن حولها جمهور ينتظر قرارها التالي، لكنها كانت تواجه الحياة بنفس القدر من الصبر والعقلانية الذي نراه في الشخصيات الدرامية القوية. كانت تعرف أن هناك مسؤوليات لا يمكن الهروب منها، وأن هناك أشخاصًا يعتمدون عليها، لذلك تمضي قدمًا حتى في الأيام التي تبدو فيها الطريق ثقيلة.
الخيط الذي يجمع بين أسما وأمي هو الإصرار: الإصرار على أن الحياة، مهما كانت قاسية، لا تُعاش بالاستسلام بل بالسعي الحثيث لإيجاد المعنى، وإيمانهم بأن الإنسان يمكنه أن يجد طريقه وسط التعقيد.
ربما لا نحب هذه الشخصيات لأنها استثنائية بل لأنها مألوفة أكثر مما نظن.
وفي النهاية، تمنحنا الدراما قصصًا ملهمة، لكنها لا تفعل أكثر من أن تعكس شيئًا موجودًا بالفعل في حياتنا. قبل أن تظهر النساء القويات على الشاشة، كنّ موجودات في بيوتنا منذ زمن. ربما لهذا السبب، حين نشاهد شخصية مثل أسما، لا نكتشف نموذجًا جديدًا بل نتذكر النساء اللاتي علّمننا منذ البداية كيف تبدو القوة الحقيقية.







مقال لطيف وحنون جدا يا تقى،وبرأيي هو أعظم هدية يمكن أن تُهدى لأم ،هنيئا لماما الجميلة بكِ وهنيئا لكي بها، وشكرا على مشاركتك الدافئة :)))
صدقتِ، ربما لا نحب هذه الشخصيات لأنها استثنائية بل لأنها مألوفة أكثر مما نظن.. بارك الله فيك وفي أمهاتنا جميعًا على ما قاسوه.