ما بين زمزم والحطيم
كم مضى من الأيام، منذ كنا جلوسا نلعب تلك اللعبة على الكمبيوتر، وجوارنا جهاز التسجيل العتيق كل حين يشدو منه نصر الدين طوبار: ”مابين زمزم والحطيم”1، بصوته الشجي يقتحم أي فعل نقوم به، نترك ما يشغلنا، نعلي صوت التسجيل و ننصت له.
يصاحبنا طوال ايام ذي الحجة حتى أخر أيام العيد، أتساءل عن سر المحبة لتلك التوشيحة، أعرف من نفسي ظمأ للكعبة والروضة، في قلبي جرح غير مندمل، الصوت يأخذ بيدي ويقول هذه المشاعر هي مشاعر المناسك، هي مشاعر اهل عرفات، كأني معهم، كأن صوته يحدث شرخا في المكان :”من جانب الأفق السني بيثرب،مسراك” ويكأن صوته مسرايا لعالم بيني وبينه حوائل عسيرة، ولكن في هذا العالم بين الحجيج وفرحة البشراء أجد لي مكانا، يموضعني صوته في مكاني هناك، و يتمتم بأمنية لازلت أدرك أني لم أحزها كاملة
“يا عيد أشرق في أجل رواء”، فمتى يا عيد تشرق؟
أتفهم من قراءاتي أن العالم مطبوع على النقص وعدم التمام، وكل شي جميل يحوي داخله نقمة الإنتهاء، لذا رغم ما تبث في من حنين إلا إنها تضع حزنا نبيلا، حزنا يطلعك على حقيقة الحياة ومدى صغرها، أوليس ذلك ما يعد به الحج؟
وقوف على البرزخ بين الحياة والأخرة، فتنظر للحياة بعين الزاهد وبالعين الأخرى راجيا الأخرة
“هناك في عرفات كلٌ خاشعٍ،كلٌ خاشعٍ هيمان، بين ضراعةٍ وبكاء”.
نشعر بالفوات، يفوتنا التعلم، يفوتنا الزواج، يفوتنا العمل، يفوتنا الحظ، وفي العمل تفوتنا الحياة، نود أن نحوز هذا وذاك، يقول أحدهم عرفت ذاك ؟ فتقول لم لا أعرفه، فتذهب هناك، ثم يظهر أخر فيقول مالك لاتدري ذلك ؟ فتترك ما في يديك وتذهب لما يشير ذاك إليه، ثم يظهر ثالث ورابع و خامس، وتصير فجأة مثل فأر التجارب تسعى هنا وهناك إلى أن يتملكك اليأس أن كيف تحيط بكل ذلك خُبرا؟!
هنا تأتي ايام ذي الحجة لتقول أن أفضل الأعمال هي أعمال تلك الأيام، والأعمال المفضلة هي الأعمال الصالحة التي ربما بموازين الدنيا لا تُذكر، ولكن قيامك بها، يصير مدعاة راحة أن قد قمت بهذا وذاك، أنت تقوم بالفعل بأعمال حقيقية ولكن بموازين مختلفة، فتصبح تلك الحيرة التي تأكل القلب منحسرة، ويصبح رضا المرء مؤطرا لحياته على الأقل في تلك الأيام، ثم يأتي الحج، وترى الناس في الدنيا تفارق الدنيا، وترى سعيهم الحثيث لترك كل شيء إلى رب كل شيء.
عجلت إليك يا رب
أقف في الصيدلية، تحوطني الأدوية، كلٌ يحوي قصة، وكل زائر لي عنده قصة، لا تهل علي تلك الأيام، إلا و تنجدل كل القصص في قصة واحدة وهي :”يا دكتور باركلي، هزور النبي”،”يا دكتور قلت ابشرك هزور الكعبة”، مرضاي نبلاء، يعدونني بكل الدعوات الطيبة، يجلسون معي بالساعة والساعتين أجهز معهم أدويتهم، التي يحتاجونها معهم، أو ربما سيحتاجونها.
دواء الضغط ضروري حتى لا يتعب ويصيبه صداع شديد أو يفاجئه نزيف، دواء السكري حتى لا يصيبه إرهاق علو السكر ومشاكله، أدوية القلب، أدوية الدهون، أرتب معهم كل شيء، ثم أضيف قطرات لتحميهم من جفاف متوقع، أضيف دهانات حتى يريحوا أرجلهم بعد طواف وسعي شاق، باسطات العضلات، حتى تستريح عضلاتهم بعد مجهود الأيام، نكتب الإرشادات، وهدفنا نحن الإثنين ألا يقتحم المرض عليه قدسية تلك الرحلة ولا يغتاله عن هدفه، يقول لي مطمئنا نفسه:” هو اللي يروح الكعبه هيتعب، انا عند الملك، ولما اروح المدينة هبقى عند النبي، واللي يزور النبي يتعب؟!” أبتسم مؤكدا:” هوا اللي يروح للملك فعلا يتعب؟!”
لا لن يصيبه وهن ولا نصب، أعتبر تجهيزاتي معهم هي تذكرة سفري في قلوبهم، عسى التعب لو دب إليهم دبيبه تكون أدويتي له بالمرصاد، فيد ترتفع بدعوة عند الكعبة وعندئذٍ كما لم ينسني العبد، فلن ينساني ملك المللك، أرتب الدواء في الشنطة مع كل مريض، أقول له بلغ سلامي لسيدي النبي، تتردد في أذني:” يا سيدي يا رسول الله يا سندي....أقمت باسمك لي في غربتي بلدا“، يطمئني لا تقلق، ولكن القلق رفيق قديم .
هم يعدون أيام زيارتهم،:”أيام قليلة يا دكتور”، أقول لهم:” اللي رايح مش هيخسر يا بختكم” يقولون:” نجيبلك حاجة؟” أقول :”يكفيني دعاكم وما حملت دوائي من صادق المحبة”، أحب أدويتي، وأحب مرضاي، لا أعتقد أني كنت سأستمر لولا دعاهم، ولولا المذاكرة لأجلهم، وهذا حديث أخر.
هم يعدون أيام زيارتهم، وأنا أرتقب دعواتهم، أرتقب تقبل الله لهم، إذا ما تقبل الله واحدا منهم فقط، وإذا ما دعا لي، فلا شك الله سيذكرني فيمن عنده، وأنا غني بذلك...أترقب الدعوات، ولكن أنّى لي معرفة مساراتها؟!، أكتفي بالصبر، وأترقب وصولهم، سأنظر في عيونهم عما إذا قيل لهم :”حج مبرور وذنب مغفور”، لا أحد يعرف ولكن ذاكر الله لن يضل و محب الرسول لن يضيع.
ماذا عن الفوات؟
الحج يأتي ليؤكد حقيقة مهمة وهي أن كل ما نسعى فيه مصيره للنسيان، الموت سيغلفنا...وستبقى أعمالنا لتوزن بميزان الأخرة، فإذا عملنا وسعينا وخفنا الفوات، يأتي الحج ليقول إنك ما سعيت الى الله ثم قيل لك أن حجك مبرور، فقد فزت، وماخسرت، عندها يصبح خوف الفوات ضئيلا و السعي المحموم لحيازة كل شئ لا يثقل القلب والعقل، بل يصير الإنسان حرا، يسعي في عمله ومعرفته وعلمه ولكن يدرك متى حصل اعمالا تقربه إلى الله، فإن ما فاته لم يفته في الحقيقة، لأنه رأى في الحج مفارقة الدنيا وعندها لم يغنه سعيه المحموم بل رضا الله عنه، ثم إنه عاد، فلا أجدى من أن يضع ميزان الحج يقيس به الأعمال فيدرك أنه لا فوات.
يخبرني صديقي أننا مهملون، ولا سبيل لتقدمنا ونحن في هذه الحالة الرثة من عدم الإهتمام بالعمل، مالنا نأخذ الإجازة تلو الإجازة، يشيح بيديه ملوحا، ويضرب كفا بكف، يومئ الأخرون استحسانا لكلامه، ولكني أمتعض، أمتعض من تلك المزايدة، لسنا في حاجة لأن تربطنا الحياة في ساقيتها أكثر من هذا، نستيقظ للعمل، ننهزم في العمل، أحيانا ننتصر، ولكن الحياة تعدنا بنصر، وخيبات عدة.
لا أزايد عليك يا صديقي فكل واحد منا في فلكه يسبح، مواصلات مزعجة، نفوس متيقظة للشجار، أرواح مرهقة، جيوب توشك على الخواء، والتزامات تفغر فاها وليس لك ملاذ، أوليس هؤلاء الناس في حاجة لراحة، في حاجة لعامل خارجي، يجبرهم على النظر بترو في حياتهم، ويروا جانبا يستحق ابتسامة ثم شعور براحة بال ولو لوهلة ، أو كما تدفعهم الحياة لسلب حيوات بعضهم، أولسنا بحاجة لعيد وإجازة تلزم الناس ببرِّ بعضهم، وزيارة بعضهم؟
أوليست رسالة الحج أن نترك الدنيا قليلا ولا نستعجل فيها؟
عجل بلا رأس وعرق الفلتو
أضحك لأن هذا الفوات يصيبني كل عيد بشكل بسيط جدا، وهو أننا بعد صلاة العيد، نرجع للبيت ونجهز الأضحية لحين وصول الجزار، كل عيد هو قصة مختلفة مع الجزارين، ذلك الجزار سليط اللسان لايكاد يسلم منه أحد، حتى الأضحية لا تسلم منه، وذاك الجزار الذي لا يعي ما يفعل بسبب الأقراص التي تعاطاها حتى يتحمل أكبر قدر ممكن من العمل وذبح الأضاحي، وأخيرا ذلك الجزار الهادئ مدرك ما يفعله، يدندن أثناء عمله، هو لايدندن بالفعل، ولكن يشق ساعات الذبح معنا في أريحية، هو مسعود وهو اسم على مسمى.
نلف الحبال على أرجل أضحيتنا، نشد الحبل، تختل الأضحية، تقع وتعجز عن القيام، يصرخ مسعود :”يلا يارجاله”، ندرك ما سنفعل، نرمي بأنفسنا على العجل، كلٌ تأخذه الحماسة، ويظن أن الذبح متوقف على موقعه وإلا سيهرب العجل وتصير الدنيا فوضى، يتناول الوالد السكين،نلف الأضحية نحو القبلة، نسيطر على الوضع:” نصلي على النبي” ونكبر، يخترق بالسكين الحاد عنق الضحية ويندفع الدم بعد :”بسم الله الله أكبر”.
تخف قوتنا في تثبيت العجل، وفجأة يتغير كل شئ، يندفع الذبيح قائما، تهتز رأسه، أخي الصغير الذي كان يصور يخلع أو يهرب ، تعم الفوضى، العجل إن هرب لاشك سيتأذى أحدهم ، يصيبني هلع ، أرى الحبل الذي يلف رجله، أقف مضطربا ثم أشده بقوة، لا أدعي أني بتلك القوة، ولكن يعيق حركة العجل جذبتي تلك، ينضم لي الأصدقاء، فيقع أخيرا.....بعدها نضحك مع أخي الصغير:”كده تهرب وتسيبنا ؟” يجيب ببراءة:” ايه عاوزيني ادبح معاه يعني “.
يبدأ الجزار في فصل الجلد عن الأضحية، ويبدأ في كسر الأرجل، لايقطع الرأس سريعا، حتى لانفقد تلك الإنقباضات العضلية التي تخلصنا من الدم بداخل جسم العجل، ثم يبدأ في فتح البطن وهناك يخرج الحشا، وهنا تبدأ معركة الأسامي العجيبة ،انت الان في الأميرية لو لم تخني معرفتي المتواضعة: تجد القلب والفشة، ثم الحجاب الحاجز وتدخل المعدة والكرشة و الممبار و ام الشلاتيت والكبد والطحال، ينصح صديقنا ألا تؤذي السكين الطحال حتى لا يتغير طعمه ويفسد، ثم فجأة ترى بيت الكلاوي، وهناك اليهودية، حتة كده خليط من اللحم والدهن، يقول صديقي أنها سميت بذلك لأن اليهود مش بياكلوها وبيدوها للجزارين اللي بيدبحولهم، ثم تدرك أن هناك قاعدة أن اللحم المتعلق بالعضلات قاس، وكل ما اقترب من العظم “يدوب دوب”.،
هناك لحم الرقبة ثم ما بعد الرقبة هو السن، وتحت الرقبة وحتى ما هو اسفل البطن يدعى “الدوش”، ثم هناك عرق الفلتو، اللحمة الأكثر روشنة إطلاقا، طيبة المذاق على كل الأحوال، ثم هناك “الكولاته” فوق الفخذ، و“وش الفخذه” وده قطعة لحم صعبة يؤخذ منها البفتيك، وهناك عرق الروستو، وهناك شيء غريب اسمه “البوش” يذكر محمد جبريل2 انه الحاجه اللي بتمسك الكفته وتديها الطعم الجوسي إياه ، واخد بالك، وهناك قطعة ظريفة خالص اسمها “الفرخة” وبعدها تأتي :”الموزة”.
المهم أني عرفت هذه التسميات بعد لأى، وأحب مشاركة الجزار في التعرف عليها، ولكن يخونني دائما إسقاط تلك التسميات على مواضعها من الأضحية، وكيف يستخرجها، وكيفية تسويتها، كمثال هو جمع كذا مجموعة من الدهون وألقى نصيحة أنه هذه الدهون يجب تسييحها لكن مش كده وخلاص وانما بكوب زيت وبكوب لبن وده يجعلها “جاتوه” حاجه يعني “فاخر من الأخر”، أو عندما يستخرج اللحم المتعلق بلوح الكتف، ويتبقى ذلك اللوح، يقوم عندها بكسره، ويبدأ في سرد أنه تلك العظمة غالية الثمن لأنها تستعمل في السحر الأسود وتوضع في المقابر ويستعملها أصحاب النفوس الوضيعة لإلحاق الأذى بالخلق.
انظر يا عزيزي كم أنا منطلق الان ولكن الحقيقة أني كل مرة استشعر اني لا اخوض تجربة الذبح جيدا، لأني لا اعرف! في قلب العيد يخنقني الفوات، ولكن أروض نفسي على حقيقة أنه لكل إنسان مجاله ولا يضير المرء ألا يعرف، وكما يستمتع الواحد منا بسرد المعرفة، ربما يقف ليستمتع قليلا بالإستماع وطرح السؤال، وأن يتواضع لحقيقة أنه لا يجب معرفة كل شيء مادام سعى في المقام الأول لأهم شيء وهو الأضحية ، وحاليا هذا عندي هو لب الأضحية والحج.
من وإلى الصيدلية..”وفديناه بذبحٍ عظيم”
في الصيدلية، أمام الكمبيوتر أراجع الفواتير، وقبالتي على الكمبيوتر الاخر تجلس مساعدتي “نهير” تضيف إلى أرصدة الصيدلية أصنافا جديدة، وجوارنا يجلس “مصطفى” فتى التوصيل، نقضي يوم الوقفة في المراجعة ومع الطلبيات، بينما الأخرون يمضونه في الجامع مكبرين ومستغفرين وداعين، العمل عبادة، لا أشكك، ولكن كثيرا ما تود لو تزيد من إيمانك في محطات التزود تلك، ولكن للواقع أحكام…..
خطر في ذهني لما لا أشركهم معي في تصوري عن الأضحية، وأمنيتي ألا أنقطع أبدا عن التضحية، ألتفت إلى مصطفى وأبدأ أحكي له عن سيدنا إبراهيم وابنه، وكيف أمر الله إبراهيم بذبح ابنه، أنقل لمصطفى مدى شدة الإختبار خاصة وأن سيدنا إبراهيم أختبر مرات ومرات، مع والده، ومع قومه، ومع نبذه في النار، ومع تركه لبلده، ومع النمروذ ومع أهل مصر، وفي قصة إسماعيل وهاجر الكفاية، فأن يرى في المنام أنه يذبح ابنه، ورؤيا الأنبياء حق فهذا إبتلاء ما بعده ابتلاء، ولكن يسلم سيدي إبراهيم لأمر ربه، ويسلم ابنه له، ويذهب ليذبحه، يسن سكينه، يتل ابنه للجبين، :”يا أبت افعل ما تؤمر” ، عندها ما ان تمس السكين الرقبة، حتى تنكسر تحت فداء رب العزة لابن إبراهيم بالذبح العظيم.
أقول لهم أحيانا كل ما في الأمر أن نستجيب لله وما نخاف منه او نراه سكيننا سيصير بلا حدة على أعناقنا كما صارت السكين بلا حدة على رقبة ابن سيدي إبراهيم، ثم أقول ماذا لو أنا ذهبنا بالعكس، كل واحد منا في حياته تلك السكين على رقبته، يخشاها، ويثقل قلبه أنها معلقة فوقه، قد تكون سكينك تلك الوظيفة التي لا تستطيع منها فكاكا، او وضع اجتماعي يضرك، او وضع صحي ينقص من عمرك، او ربما تكون السكين هي أمنية زواج او عمل او ولد او اي شئ يثقلك بعده عنك.
وعلى رقبتك سكين السعي المؤلم للوصول والذي قد يكون سعيا بمعايير الدنيا محكوما عليه بالفشل، هذه السكاكين ألا يكسر حدتها ويرفعها عن رقابنا ذبح عظيم، نتقرب به إلى الله، ألا تكون تلك الأضحية التي نسعى بكل السبل أن نشترك فيها او نشتريها كاملة ثم نخرج منها لإرضاء الله = ألا تكون هي ما يكسر تلك السكين المعلقة على رقبتي او رقبتك؟
أقول له إني متى نظرت هكذا تبدى لي الأمل، لما لا أكون كولد إبراهيم، الله رب الكون كريم، سأكرم عباده، وهو سيكرمني، يعترضني عارض أنك ستفعل لأجل رغبتك، تتبدى الآية :” رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير” لتلطم ذلك التفكير على وجهه، ليكن…
ثم انه يتبدى لي أن تلك الأضحية تأخذ دورا في سياق أوسع من مجرد كائن يرعى ويموت، بل قربة إلى الله وألفة لقلوب عباده ونجاة للمرء من سكين يصلت على رقبتي لا يراه أحد غيري ولا أعرف لي مفرا سوى “فديناه بذبح عظيم”، أقول لهم كلنا في وقت أو أخر سنحتاج ما يفدينا، وما فدى إبراهيم وابنه هو تسليمهم لله..
فلم لا يكون ما يفدينا هو تسليمنا لله بأن نكرم عباده فيكرمنا بالنجاة ؟
للمزيد حول شروط النشر انظر هنا











