قبل شهرين من الآن، تغوّلت التزاماتي المادية حتى تضاعفت مرتين أو ثلاثاً، أول أمس، أعلن عقلي استسلامه التام، إذ انحسرت هوامش الوقت أمام ذهولي فلم أجد بُدا من المواجهة، رفعتُ سماعة الهاتف واتصلتُ بصديقتي، مكالمةً جادةً بكتلةٍ حرجة، مقتطعةً من سياق عشرات الاتصالات الهزلية التي أرشقها بها يومياً. قلتُ لها بلهجةٍ لا تقبل التأجيل، اللقاء اليوم لا غدًا،لنضع خطةً نواجه بها غدر الزمان وتقلب الأحوال، وكان اللقاء ..
هناك، فوق الطاولة، وضعتُ قلمي ودفتري الأحمر الذي لا يفارق حقيبتي، ومظروفاً ورقياً يضمُّ بين طياته كل ما أملك من المال. انتهى اللقاء بقرارٍ حاسم، بحثٌ مضنٍ عن عملٍ إضافي، وإدارةٌ صارمة للإنفاق. ولأضمن ألا تخونني نفسي، سلمتُها ذاك المظروف، معلنةً بذلك دخولي أيام عجاف، حيث سأحرمُ نفسي من ترفِ قهوتي المفلترة التي أحب، لردحٍ من الزمان لا يعلم مداه إلا الله.
لا أريد إغراقك بالتفاصيل عزيزي القارئ، وما كانت لتكون مني هذه المقدمة لولا أنني حريصة على إلمامك بجوانب الموضوع. قبل قليل بدأ تنفيذ الخطة سالفة الذكر، ارتديت أحد معاطفي الشتوية الطويلة باهظة الثمن التي ربما لن تتجدد لمدة شتاء قادم على أقل تقدير، ورأسي مزدحم بألف تفصيلة وعملية حسابية لا أكاد أرى منها أمامي.
لكن الحسابات لم تكن الشيء الوحيد الذي يثقل رأسي في تلك الأيام، كان في البيت صوت آخر يطالبني بحضور كامل لا يعرف التأجيل. باغتني صراخ طفلتي ذات الست سنوات، لم يكن بكاءً طبيعيًا بل عويلًا وانتحابًا. لأجل ماذا؟ أيًا ما ما كان السبب الذي سيتبادر إلى ذهنك فإنه أقل من أن يسبب كل هذا الصراخ. أكملت استعداداتي ونزلت… لا والله بل هربت من المنزل هربًا، بالإضافة إلى اللا وقت، لا جهد، ولا مُتسع ذهنيّ لدي للقيام بواجبات الأمومة الآن. في تلك اللحظة لم أجد في داخلي أمًا مثالية ولا خطة تربوية محكمة، وجدت فقط إنسانة تبحث عن بعض الهواء.
على ذكر الأمومة كنت في انتظار تعليق من أمي ربما كانت ستهمس به لولا أنني تجنبت اللقاء بها وأنا أهرب من المنزل، عن كيف أنني لا أصلح للأمومة ربما من وجهة نظرها بالطبع. انتقلتُ للعيش مع أمي قبل ثلاث سنوات عندما انفصلت عن والد طفليَّ، بلا مال وبلا عمل وبطفلين أحدهما في يدي والأخرى على ذراعي خرجت من بيت الزوجية الذي آواني ثمانِ سنوات، آواني بيت أمي وأبي. لم يكن الانتقال للعيش مع أبي وأمي مجرد تغيير لمحل السكن، بل كان تراجعًا قسريًا في المسار الذي ظننتُ أنني رسمته لنفسي. أن تعودي إلى بيت طفولتكِ وأنتِ تحملين خيباتكِ كأمٍ عزباء يحتاج إلى قدر من الشجاعة لا يُرى بالعين. في ذلك البيت كنتُ الطفلة المدللة، أما الآن فأنا أمٌ تطرق باب الأمان مرة أخرى. كانت الجدران تهمس بذكراي القديمة، بينما كنتُ أراقب بصمت كيف تغيّرت ملامح أمي، واشتعل رأس أبي شيبا، شئ لم ألحظه من قبل كأنه يروي حكاية السنوات الثماني التي عشتها بعيدًا عن كنفهما.
كنتُ قد ولدتُ من رحم محنة فقد ثقيل، رُزق بي أبواي بعد وفاة طفلتهما الأولى رُفيدة، أستذكر اسمها أحيانًا لأشد وثاقي بالذكرى وأعيد رتق ما انفتق من حبل الوصل. كنت طفلة بشعر أسود كثيف وعيون رمادية واسعة، يتهافت عليّ الأهل كالدمية، ويدللني والدايَّ كأنما يواريان بي ألم الفقد. علَّماني القرآن وحببا إلي القراءة وزجّا بي في كل ملتقى أو تجمع فكري، حتى أن أبي قرر أن يدفع المال في إحدى الجامعات الخاصة -والتي نقلتُ أوراقي منها بعد ثلاث سنوات اعتراضًا على ما كان منه من أخذ القرار بالنيابة عني- فقط لكي لا أذوق عناء المواصلات العامة وحرصًا على ألا تضيع درجاتي العالية هباءً منثورًا.
انظر أيضًا:
تعلمت الجدال والحُجة وتنميق الكلام، وكان أول من حاججته هما والديّ، في جذوة اشتعال صيحات الاستحقاق والمطالبة بالحق، كان أول ما تعلمتُ عنه حقي وليس حقهما. انجرفتُ في عقدي الثالث -عشريناتي- عن التعلم عن كل ما هو حقي وصببتُ لعناتي على المدرسة الكلاسيكية القديمة للتربية، وأقسمتُ على أن أدفع الأموال في كل كورسات التربية الحديثة، ونأيتُ بولديَّ عن أن أفعل بهما كما فعل والداي.
كم أنفقتُ من الوقت والمال لأكون “أمًا مثالية” طبقًا لأحدث النظريات! كنتُ أطارد صور الأمهات في الكتب وفي فضاءات الإنترنت، أولئك اللواتي لا يصرخن ولا يغضبن ولا يعشن أزمات مالية. كنت أتابع نصائح الخبراء كما لو كانت تعليمات دقيقة للحياة، كيف أغضب؟ كيف أهدأ؟ وحتى كيف أتنفس أمام أطفالي. شيئًا فشيئًا تحولت الأمومة في رأسي إلى قائمة مهام طويلة، ومحاكمة يومية للضمير،أخشى الخطأ التربوي أكثر مما أخشى جفاء الروح.
أردتُ أن أبني لولديّ فقاعة من الطمأنينة المطلقة، بعيدًا عن أخطاء والديّ التي كنت أراها بعين الناقد الصغير. ولكن، يا لغفلة النظرية حين تصطدم بالواقع! فالتربية ليست وصفة تُطبق، بل صراع يومي بين ما نريده وما تفرضه الحياة علينا. اكتشفتُ أنني حين كنت ألعنُ المدرسة الكلاسيكية كنت في الحقيقة أهرب من مواجهة بشريتي ،فالوالدان ليسا نموذجًا في كتاب، بل بشر من لحمٍ ودمٍ يخطئون في التعبير عن حبهم .. يخطئون، تمامًا كما أفعل أنا الآن مع طفلتي.
كنت أطبق كتالوجات التربية الحديثة بإخلاص شديد،لكنني أزداد حيرة كلما حاولت أن أكون الأم الصحيحة. شيئا فشيئا غاب المفهوم الأصيل، ذلك القائم على أن الوالدية ليست مهارة تقنية نكتسبها، بل هي ارتداد للفطرة وتجربة إنسانية خام لا تخضع لمعايير الكمال الباردة. كنتُ أتوق لشئ مختلف تماما،ح تى تحولت الأمومة بالنسبة لي إلى مشروع مثالي أطارده بلا توقف!
عندها -وعندها فقط- بدأت أدرك أن العلاقة بين الأم وطفلها ليست تجربة تُدار بالتعليمات، بل حياة كاملة تتعثر وتقوم. وبينما أفتش عن صورة الأم الكاملة، وجدت نفسي أتعلم درسًا أبسط بكثير .. درس البر.
في عامي الأول بعد منحة انفصالي عرفتُ الله باسمه البر، لم أكن قد التفتُ له قبلاً. كيف أن الله ابتدأنا بالبر؟ ثم أقسمت على الله أن يعلمني البر به وبأهلي وولديّ وأحبابي. تواجهني أيام عصيبة كل حين، أعتزل فيها كل الناس ولا أبرح غرفتي. مررت بإحداها قبل حين، كنت أناجي الله وأقول: أنا بحاجة لرحمتك بي، انظر إلي فقط.
اخترق نداء أمي عُزلتي، وأنا أعلم من مناداتها أن الكلام ربما سيحتدم. قلت لنفسي أتذكرين ذاك المشهد في ذاك الفيلم كيف ذُلت فلانة؟ كانت آيات البر حاضرة في ذهني وقلت لنفسي توقعي نصيبا من الذل الآن، كنت قبلها قد قرأت أحد تفاسير الآية “واخفض لهما جناح الذل من الرحمة” أن أضاف تعبير الجناح إلى كلمة الذل لأنه سيكون الجناح الذي ستطير به الروح إلى رحمة الله
وبينما كنتُ أعدُ نفسي بأمومةٍ لا تخطئ، اكتشفتُ أن الأمومة ليست كتالوجًا يُتبع، ولا لائحة قواعد صماء، بل هي ذلك الجناح الذي تعرج به الروح بين أخطاء البشر ورحمة الله. أدركتُ حينها أن كل صراخ، وكل دمعة، وكل خيبة، ليست إلا خيوطًا تنسج دروب البر في داخلي؛ فتتحول الفوضى إلى حياةٍ صافية، ويتحول الذلُّ إلى رحلةٍ نحو الرحمة. وهكذا، نكتشف أننا لسنا مطالبين بالكمال.. نحن فقط مقيدون بالبر.
نشرنا سابقًا للكاتبة:
قصيصة يحيى
عن الأدب حين يولد من قلب يومٍ عاديّ، مثقلٍ بالأمومة والقلق ومحاولات النجاة، ومن رحم لحظاتنا الأكثر هشاشة.





جميل❤️❤️❤️
عظمة على عظمة على عظمة
بيان البشرية
الانتقالات السلسة جدا و البليغة جدا
مع قدر كبييير من البساطة الفصيحة
عظمة يا ست إسراء