عن الأدب حين يولد من قلب يومٍ عاديّ، مثقلٍ بالأمومة والقلق ومحاولات النجاة، ومن رحم لحظاتنا الأكثر هشاشة.
للكتابة طقوسٌ عرفتها وأنا فتاة حالمة،عزفُ عود شجيّ لا يواسي بل يكشف،قهوةُ مرةُُ فواحة بالهيل تسبق الكلام وتؤجل الصحو،وأنف بها معبأ، ورأسٌ عامرٌ بأحلامٍ فتَيةٍ لها عنفوان.
كنتُ أسافر في مخيلتي كل يوم إلى بلد، ثم لحظات من جنونٍ شفيف، أذنٌ صمّاء عن كل ما حولها، إلا تصفيقًا حادًا يتردّد في حفل تكريم مهيب.
منذ ساعاتٍ قليلة اعتذرتُ عن الذهاب إلى عملي الذي التحقت به للتو؛ فأنا أم عزباء لديّها معضلة ترك طفلين وحدهما لأكثر من تسع ساعات، وإذ أنني لم أخطط جيدًا لترك ما يكفي من الطعام لهما، بدأ يومي بتعلل وعلة جسدية، آلامُ طمثٍ حادة، زمنٌ استعصى فيه جسدي على التخفف، وحبوب مضادة للاكتئاب. وأنا مذ تركتُ عملي السابق لازمتُ الفراش أكثر مما نهضت عنه.
صديقي القديم، مرض الاكتئاب، عرفته منذ عشر سنوات، زارني عامين؛ لا أذكر عنه سوى أنه أخذني فى جولة نحو الظلام. ثم ما لبث أن عاد ليذكّرني بنفسه، كنتُ حينها أحمل طفلي الأول في أحشائي، ولا أزال حبيسة تجربة زواجٍ أعطتني بقدر ما أخذت مني؛ أخذت مني روحي، ومنحتني روحين اثنين، يحيى وورد، أدين لهما بكوني على قيد الحياة حتى الآن، بلا طقوس ولا وداع، لم يودّع يحيى وورد أباهما كما ينبغي، ولم أودّع أنا أيضًا الشخص الذي أخذ من حياتي، وأخذت من حياته ثمان سنواتٍ عجاف.
ربما من هنا بدأت أنسى الطقوس اللازمة لفعل الأشياء!
حنان الفتاة التي تعرفت عليها مؤخرا .. في لقائنا الأول أخبرتها عن إسراء التي بلغت الثلاثين ولا تزال .. إسراء التي كانت الهندسة وجهتها الأولى لثلاث سنوات، ثم الفنون التطبيقية مُستقرها، قبل أن تَعبرَ لغةَ الضادِ عابرةَ سبيل، لتكتشف أن شغفها الحقيقي يكمن في تقاطع الجمال بالبناء. تسعى منذ عامين، ولا تحصد إلا خيباتٍ صغيرة، بانتظار بابِ ماجستيرٍ يُشرعُ ليجمع شتاتَ فنّها وعمارتها.
أرسلت إلىَّ حنان رابط مسابقة أدبية، كتابة مقال عن أفضل عمل أدبي تعرفت إليه عام 2025. حاولتُ استذكار طقوس الكتابة التي دفنتُها في ظلام الاكتئاب. وأخيرا بلا عود، وبلا قهوة، وبلا تنميق، وبخوف يقظ من أن يقول النص عنا أكثر مما نحتمل، بدأت الكتابة بلا طقوس!
شاهدتُ الكثير من الأفلام هذا العام، وقرأتُ الكثير من الكتب، لكني لم أتذكر عملًا أدبيًا واحدًا، بدت الذاكرة فراغا رماديا، لا عمل يتقدم، ولا أثر يستقر.
في ذلك الفراغ الرمادي، كانت كتبي المصطفة على الأرفف تنظر إليّ بعتاب صامت. كل عنوان اخترته بعناية في زمن الشغف صار الآن يمثل عبئًا، كأنه شاهد قبر على طموحاتي القديمة. كنتُ ألمس أغلفتها، وأشعر ببرودة الورق، وأتساءل ؟كيف لامرأة كانت تلتهم المجلدات في ليلة واحدة، أن تعجز الآن عن إتمام صفحة واحدة؟ لم تكن الكتب هي التي تغيرت، بل أنا التي فقدت الرنين الداخلي الذي يجعل للكلمات صدى. صار الأدب يبدو لي ترفًا بعيد المنال، كفستان سهرة مركون في خزانة امرأة لا تخرج إلا لجلب الخبز والدواء.
يحيى، الذي ورث عني اضطراب القلق، وسيبلغ العاشرة بعد حين . إن كان من شاهدٍ بعد الله على ما مررتُ به، فهو هذا الغلام.
يحاول أن يجد طريقه رغم عتبات السجون التي حفظها ليَرى أباه عشر دقائق كل شهر مرة أو مرتين. عشر دقائق .. هي كل ما يملكه يحيى ليجمع شتات صورته عن أبيه. في تلك القاعة الباردة، حيث تتكدس الأنفاس والدموع المكبوتة، كان يحيى يختزن في ذاكرته الصغيرة ملامح الوجه، ونبرة الصوت، ورائحة الغياب،يحاول أن يستعيد طفولته رغم أبوّته المبكرة لأخته والتي كانت كُلفة طلاقي.
بعشر وريقات بيض، وربطة قماش، وموهبة ورثها عن أمي، ومساعدًا صغيرًا من بيتنا طالما أعانه بأبوةٍ مبكرة، أخذ يكتب بصدقٍ فجّ خربشاتٌ لم تعرف المحو أو التردد، وبشجاعة لا تعرف الخوف من الخطأ فكانت تندفع من يده كأنها شريان حياة ، فالطفولة تكتب لتكون لا لتجوّد.
كان يحيى لا يبكي، بل يهرع إلى أوراقه. الآن أفهم أن خربشاته لم تكن مجرد لعب، بل كانت عملية ترميم لعالم مهدم. كان يبني بالورق ما عجز الواقع عن بنائه، ويخلق في قصيصته بابًا لا يحتاج لمفتاح سجان ليُفتح.
الاكتئاب، الذي سرق مني الإحساس بالمشاعر، رقّ لفتاي هذه المرة؛ لم يحرمني فرحة وريقات صغيرة كُتبت عليها قصيصة متخيّلة عن رحلة إلى عوالم أخرى،لم ينتظر الغلام حتى ينتهي ليطلعني على أدبه الذي خرج كأنفاسٍ متلاحقة لم يفسدها الترتيب، شاركني قصته صفحة صفحة، حتى أصبحتُ شاهدة على عمله من مهده حتى تمامه، للمرة الأولى لم أكن الكاتبة التي تُمسك بالخيط، بل الأم التي تقف على الهامش، تشاهد اللغة وهي تُولد في بيتها دون أن تستأذنها، لم تهزمني قصته، بل أعادتني إلى سؤال أقدم؛ متى خنتُ الكتابة أول مرة؟
لا أعني الخيانة الكبيرة التي تُعلَن، بل تلك الصغيرة الصامتة التي تبدأ من المطبخ، من فواتير الكهرباء، ومن رائحة الطعام التي تلتصق بثيابي وتطرد رائحة الورق. في كل مرة كنتُ أؤجل فيها القراءة لأرتب خزانة الملابس أو لأطمئن على نوم طفليّ، كنتُ أقضم قطعة من روحي الإبداعية.
الأمومة في حالاتها القصوى تصبح استنزافاً جميلاً، لكنه استنزافٌ يمحو ملامح الفنانة داخلي. كنتُ أقف أمام المرآة ولا أراني كما أتمنى، بل أرى إسراء التي تجيد تدبير يومها بأقل الخسائر الممكنة. حتى جاءت قصيصة يحيى لتصفعني برقتها؛ مذكرّة إياي أن الإبداع لا يحتاج لغرفة خاصة أو وقت مستقطع، بل يحتاج لروح ترفض الموت في حين تجيش النفس بالحكايا والمعنى.
وأن الأمومة لا تُعادي الأدب، لكنها تُثقله، تُنزله من المسافة التي تكتب فيها الأشياء،إ لى القرب الذي يستنزف فيه كل شئ، ومع الاكتئاب تصبح الكتابة فعلًا مُرهقًا لا خلاصًا، سؤالًا إضافيًا بدل أن تكون إجابة.
كنت أقول لنفسي إنني سأعود حين يهدأ كل شيء، ولم أفهم أن الأشياء لا تهدأ، وأن الكتابة لا تنتظر الظروف المثالية، بل تُكتب غالبًا من قلب الاختلال نفسه.
هكذا، لم أخن الأدب فجأة، بل تراجعت عنه خطوة خطوة، حتى صار بيننا هذا الصمت الطويل، الذي لا أعرف فيه من خذل الآخر أولًا.
كنتُ أنتظر معجزة تعيدني إلى نفسي، غافلةً عن أن المعجزات لا تأتي دائماً في شكل وحيٍ أو جوائز كبرى، بل قد تأتي في شكل طفلٍ يمدّ يده بقصاصة ورقٍ مجعدة. وحين وضع يحيى عمله بين يدي، شعرتُ وكأن تلك الأوراق هي المصالحة التي كنتُ أنتظرها، لم تكن مجرد قصة لغلام، بل كانت مرآةً أرتني أن الحكاية لا تموت ما دام هناك من يملك الشجاعة ليخدش بياض الورق.
وبينما كنتُ أنا أبحث عن الأدب في الكتب المجلدة والمقالات النقدية، كان هو ينبض في الغرفة المجاورة، ينمو بتلقائية مذهلة رغم كل الانكسارات التي تحيط بنا أهداني صداقته وقصاصته وحياة متجددة كل يوم رغم أنف مرضي.
أما انا فلم أعرف عملا أدبيا اطلعت عليه هذا العام أفضل من قصيصة يحيى!



شكرًا جزيلًا يا إسراء
تحيرني الأمومة وأعجز عن فهم كنهها ، وخطر لي ذات مرة كأن الأمومة تُحيي وتميت .
شكرًا مرة أخرى على نص طيب صادق هدهد روحي في صباح استيقظت فيه مشتاقة لأمي.
عظيم أوي ما شاء الله تبارك الرحمن ، كل مرة أقرأها وأنبهر بجمالها أكثر من المرة التي تسبقها. انبهرت بجمال اللغة ووضوح الفكرة وبلاغة الأسلوب والمشاعر الصادقة الحية التي نبعت من تجربة ذاتية.