مثل كثيرين سبقوني، وكثيرين سيأتون بعدي، لقد جرّبت الألم في الحب. جرحتُ أناسًا وجرحني آخرون، أمسكتُ بيد حبيبي وهو مسافر على بُعد ثلاثة آلاف كيلومتر، لا يعلم هل سيلحق بأبيه المريض أم لا، ولن أكون بجانبه. رأيتُ أمي بثوب العمليات.
تخلّيتُ عن أصدقاء جيدين، وتخلّى عني البعض. هذه سنة الحياة، أو بالأحرى سنة الحب.
أن تحب يعني أن تسمح طواعيةً للآخر بأن يأخذ جزءًا منك، بأن يستمتع بنسخة منك؛ قد تكون طفولية وساذجة ومندفعة وجميلة، وقد تكون أنانية وساخطة وغاضبة، ولكنها أنت. وتعطيها له بصدر رحب. كل هذا مفهوم ضمن إطار الحب، ولكن ما جرّبته مع حمزة لا يشبه شيئًا مما سبق.
يولد الحب أولًا ثم يتبعه الألم كفاتورة مؤجلة، إلا مع حمزة؛ وُلد ابني والألم معه. وللمفارقة أثمر هذا الألم الكبير حبًا أكبر!
تقول لي صديقة: «لقد عرفتِ معنى الأمومة عندما دفعتِ قناع الأكسجين بيديك المتعبتين، وأزحتِ يد زوجك عن يدك، وقلتِ له: اذهب لترَ لماذا لا يبكي ابننا».
النكران التام لذاتٍ منسحقة، متألمة، مذعورة؛ هذه هي الأمومة .. شعرتُ بها.
لاحقًا، عندما قرأنا التقرير، وجدنا فعلًا أنه قد تعرّض للإنعاش عدة مرات.
كيف علمتُ بهذا؟ لا أعلم، ولن أعلم.
عن الشهود
«علم اليقين» هو معرفة الشيء استدلالًا بالدليل العقلي أو الخبر الصادق، بينما «عين اليقين» هي رؤية ذلك الشيء ومعاينته مباشرة بعد العلم به. ويمكن تلخيص الفرق في أن الأول مبني على الدليل، والثاني مبني على المشاهدة.
لقد قرأتُ أثناء حملي كتابًا يبلغ عدد صفحاته سبعمائة صفحة. ماذا أخبرني هذا الكتاب؟
لقد كنت أعلم في أي أسبوع ستتلوّن فيه رموش ابني، ودعوت ليلتها أن تمتلئ بالميلانين حتى لا تؤذيه الشمس. نملك نحن البشر إنزيمًا معينًا قادرًا على إذابة الفواصل بين أصابعنا؛ ففي البداية تكون الأصابع الخمس ملتصقة، مثل أصابع الضفدع، ثم يأتي سحر الإنزيم.
حسنًا، لقد كنت أعرف أيضًا متى من المفترض أن يحدث ذلك، ورجوت الله أن تكون خمس أصابع، لا أكثر ولا أقل.
أنهيتُ سلاسل كاملة عن العناية بالرضيع في الأشهر الأولى، وأعلم الأسباب العلمية وراء معظم الأشياء الشائعة: الارتجاع، والحساسية، والالتهاب، وغيرها.
ولكن عندما تمسك بين يديك قطعة لحم حمراء لا تنظر إلا إليك، يصيبك ذعر من نوع آخر. هذه عُجمة لم أعهدها قط. كيف يكون من الصعب جدًا فهم جزء من نفسي؟ كيف يكون مؤلمًا إلى هذا الحد كلُّ إشارة إلى ضعف هذا المخلوق؟ وكيف كنتُ أنا، وكل الكبار من حولي، يومًا مثله؟ لا أدري.
تخبرك الكتب والسلاسل ماذا تفعل حين يتقيأ طفلك، ومتى يكون التقيؤ مندفعًا ومقلقًا، ومتى يكون فسيولوجيًا بسبب عدم اكتمال تكوّن الصمام في المريء.
لكن لا يخبرك أحد عن الألم الذي يعتري كل ذرة منك حين يتقيأ طفلك دمًا ثم يبتسم لك.
لماذا يبتسم!! هل ليخفف الذعر البادي على وجهي؟
أليس من المفترض أن يكون هذا دوري أنا؟…
عن الأمومة بالله
لا أعلم كيف كان سيكون شكل أمومتي لو لم يكن الله حاضرًا فيها من أولها إلى آخرها؛ من مبدئها إلى تحققها، من الفكرة إلى الواقع، من اليوم إلى الليلة، من الألم إلى البهجة. لم أنتبه سابقًا إلى كثافة حديث القرآن عن الذرية.
صحيح أن كثيرًا من سياقات هذه الكلمات لا يتحدث بالضرورة عن الوالدية، ولكن كثافة حضور الولد والخلق ومراحله تجعلك تتأمل كثيرًا.
آعتاد الناس هذه المعجزة فقط لأنها تحدث كل يوم؟
على أية حال، فإن مواضع الوالدية في القرآن تفرد لها الكتب، لا مقالي هذا.
ما أريد قوله هو أنني، لولا وجود الله في أمومتي، ما كنت لأصمد.
عندما يسألك الأطباء: «كم مقدار الألم من عشرة؟» فتجيب برقم ما، فإن هذا يعطي الطبيب انطباعًا عما تقاسيه، لكنه لا يجعله يفهم فعلًا ما يعنيه الرقم خمسة أو تسعة على مقياس الألم لك.
أما الله، فيعلم تمامًا ما يعنيه هذا لك بالذات.
وأنا حامل تصورت أن هذه أكثر درجة من القرب يمكن أن يصل إليها الإنسان إلى أية شيء في الوجود حتى باغتتني هذه الآية وكأني أقرأها لأول مرة!
﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾
يعلم الله تمامًا كم تؤلمني رقبتي كل يوم جراء الرضاعة، ويعلم كم يؤلمني مرض حمزة، ويعلم تمامًا ما أقاسيه لأكون أمه.
يوجد على كتفي ملكان، الكرام الكتبة ،يكتبون الصغائر قبل الكبائر.
فلماذا نحصر تصورنا لهم في أنهم يكتبون ذنوبنا فقط؟
لعل هذا من أثر الخطاب الوعظي الذي تربينا عليه.
لكن دعيني أؤكد لك: هذه اليد التي التهبت أوتارها جراء حمل صغيرك، قد كُتبت أيضًا، ويعلمها الله.
وذلك عزاؤنا وملاذنا.
يراك حمزة، يجعلك موجودًا
أؤمن أن الإنسان يحيا بالسرديات، وأن القصة مكوّن أساسي في بشريتنا. نحن الكائنات الوحيدة التي تقصّ الحكايات.
وهذه هي القصة التي سأرويها لك يا بني.
يوم عرفت بوجودك، في أكتوبر 2024، تزينت سماء تل أبيب بالنيران، وما أجملها من زينة. كانت تلك المدينة المشؤومة تُقصف، فأصبحت الفرحة فرحتين.
قلت لهم «جيالكم بعيالي يا أنجاس».
كافحتَ من أجل وجودك يا حبيبي منذ أول يوم، ولم تستسلم.
قال لي طبيبك وهو يضعك في دلو مليء بالثلج فيما يسمى بـ vagal manoeuvre ليُخرج قلبك من نوبته:
«ما اسمه؟»
قلت: حمزة.
فقال لي:
«أحسنتِ الاختيار. الرجل القوي. سينجو ابنك».
أنقذتني عيناك من نفسي ومن العالم.
هناك قصيدة أحبها في ديوان ثمة موسيقى تنزل السلالم، تقول:
كثيرةٌ هي الأمورُ السيئةُ
التي تدفعُ المرءَ للإحباطِ، وإهمالِ العملْ.
وكثيرةٌ هذهِ الصُّحفُ
التي تعرضُ لذلك كلَّ صباحْ.
مع هذا،
لم تتوقف الأمورُ السيئةُ يا إلهي.
ولم يعدْ في وُسْعِ المرءِ، أحيانًا،
سوى أن يتأملَ المزارعَ الأميَّ ذا الروحِ النشيطةْ
وأن يردد
— من وراء زجاج نافذة قطار سريع —
«جديرٌ بالمرءِ، واللهِ، أن يكون جميلًا أمام نفسه».
وأقول أنا:
جديرٌ بي، والله، أن أكون جميلة أمامك يا حمزة. ويكفيني ذلك..
مقالات قسم العيادات الخارجية هي المقالات التي نتلقاها عبر البريد الإلكتروني. للمزيد حول شروط النشر انظر هنا






رائع يا رورو …ربنا يبارك لك في حمزة و يجعله بارا بوالديه و يمتعه بالصحة والعافية وأن يمد الله في عمره في طاعته
..كلمات تفيض بالحب و الامتنان والشكر لله و يعلم الله يا بنيتي أن كل شوكة و كل الم إنما هو في ميزان حسنات المرء ..
استمري في الكتابة ..اتمنى لك أن تفوزي يوما بجائزة أفضل كاتب