لكل إنسانٍ أغنية تخترقه، لحنٌ يقف له بالمرصاد مهما ظن أنه نضج وتجاوزه. أحياناً تتسلل هذه الأغنية خلسةً وسط قائمة استماعك، أو تباغتك أثناء تفقدك الروتيني لوسائل التواصل، تضرب لك وتراً حساساً فجأة، وتراً مكشوفاً لم يكن في حسبانك. وهذا تحديداً ما تعرّضتُ له أنا.
كنت أقف وسط الجمهور في حفلة لفرقة موسيقية تعيد إحياء شارات "سبيستون"، نوستالجيا الطفولة. لكل شارة أثر وذكرى عالقة في خبايا الروح، تفتح لك نافذة على سنين عمرك وتداعب طفلك الداخلي. والأكثر من هذا أنها عالقة في أذهان كل هؤلاء الناس من حولي. لكن، مهما استمتع هذا الطفل، فأنت الآن شابٌ ناضج تجاوزت تلك الأيام، أو هكذا كنت أعتقد. حين تم عزف الكورد الأول من شارة "لا تنسى أخاك"، فُتح جرح قديم لم أعلم أنه ما زال موجوداً. وسط مئات الحناجر التي تغني بحماس، كانت دروعي تسقط قطعةً تلو أخرى، وحينها فقط أدركت أنني لم أعبر النفق كما ظننت. لم يكن هذا استسلاماً لنوستالجيا رخيصة، بل كان أشبه بقداسٍ حزين.
كانت البداية في بيت يعج بالأصوات والحركة، أربعة أطفال في مراحل عمرية مختلفة ومتقاربة نسبياً، ولكن المشكلة الوحيدة تكمن في أنني الذكر الوحيد. أن تكون الوحيد بين مجموعة من الشقيقات، يعني أن تسكن تقريباً في ما يسمى بـ "هندسة الاغتراب". يتحول الحيز المنزلي، الذي يُفترض أن يكون ملاذاً للواقع المشترك، إلى مسرح للإقصاء غير المقصود. كنت أختبر هذا التناقض القاسي يومياً. إن الطرد المبكر من اللعب الجماعي، المبرر بشكاوى الشقيقات من "اليد الثقيلة" أو "الخشونة" الفطرية، وتحذيرات والدي المستمرة بأن أكون خفيفاً ولطيفاً معهن، كانت تزيد من ارتباكي لا من فهمي. لم يكن انسحابي وإغلاق باب غرفتي نابعاً من غضب أو حنق، بل كان استسلاماً مبكراً لحقيقة أنني لا أستطيع مواكبة إيقاع شقيقاتي، وفي الوقت ذاته كنت أعجز عن مجاراة أقراني في الخارج. هكذا تحولت تلك الغرفة تدريجياً من مهرب مؤقت إلى ملاذ.
كنّ يذهبن إلى مدرسة واحدة تتسع لخطواتهن معاً، بينما أمضي أنا وحدي أجرّ حقيبتي وعزلتي. وحين نجتمع حول مائدة واحدة، كانت تزدحم بأحاديثهن؛ قصص عن زميلات ومعلمات مشتركات، وذكريات تتشابك وتتراكم وتصنع سردية متصلة يتبادلنها بشغف. تتشكل بطبيعة الحال شبكة عاطفية وثيقة بين الشقيقات؛ يتشاركن الأسرار، التغيرات النفسية، الاهتمامات، واللغة الخاصة التي تميز عالمهن الأنثوي. في حالتي، كنت أقف خارج هذا الإطار، أبحث في يومي عمّا أشاركه فلا أجد، ومع الوقت، توقفت عن المحاولة.
في الظاهر، وكونك الذكر الوحيد في مجتمع وبيئة شرقية كالتي نعيش بها، هو امتياز لا يعلوه امتياز. لكن من جهة أخرى، ينقلب هذا التفوق الظاهري إلى سجن نفسي خانق. فالابن الوحيد محمل بعبء المسؤولية القهرية؛ فهو مطالب بأن يكون الرجل الكامل منذ طفولته، وأن يحرس شقيقاته، وأن يلبي طموحات والديه التي لم تتوزع على إخوة ذكور آخرين. هذا الضغط المتركز على فرد واحد يولد مستويات مرتفعة من القلق المزمن، حيث تتحول حياتك كلها إلى هاجس مستمر من الفشل في أداء دور "السند" الذي فُرض عليك قسراً.
يصف علماء النفس هذا بـ "الاغتراب الذكوري"؛ تلك الحالة السيكولوجية التي تنشأ حين يُحرم الابن من تجربة التكافؤ مع نظير ذكري. هذا الحرمان يسلبه بيئة صحية من "اللعب الخشن"، ذلك السلوك الفطري الذي يبدو عنيفاً من الخارج، لكنه في جوهره مدرسة تعلّم الصبيَّ كيف يشتبك مع العالم، ويعرف حدوده، ويتعافى من الاصطدام. في غياب هذا النظير، يجد الابن نفسه عاجزاً عن اختراق التحالف المغلق لشقيقاته، وعاجزاً في الوقت نفسه عن فهم شيفرة الذكور في الخارج، محاصراً في عزلة هيكلية فرضتها عليه التركيبة الأسرية قبل أن يختارها هو.
ولعل هذا الفراغ هو ما جعل التراث الإسلامي الكلاسيكي يؤسس لمفهوم "المؤاخاة" كميثاق مقدس غير قابل للكسر، ورابطة تتجاوز المنفعة التبادلية لتحاكي ديمومة الدم. وقبل ألف عام، وثق الفيلسوف أبو حيان التوحيدي في كتابه الرائد "الصداقة والصديق" الندرة المؤلمة للصديق الوجودي الحقيقي، راثياً العزلة.
لم تكن القصة يوماً في الكلمات، بل في الفكرة الكامنة خلفها؛ فكرة الأخوة بحد ذاتها. هذا اللحن يفتح بداخلي أرشيفاً كاملاً من المشاهد التي تثير شجني، مثل علاقة ساسكي بأخيه إيتاشي في طفولتهما؛ تلك التفاصيل الصغيرة عن الحماية والملاذ والأخ الأكبر الذي يمثل درعاً. لم تكن مجرد رسوم متحركة بالنسبة لي، كانت نوافذ أطلّ منها على حياة لم أُمنح فرصة عيشها.
منذ نعومة أظافري، كنت أمتلك قدرة فطرية على نسج الصداقات السريعة. كان والدي يستمر بمناداتي بأخيه، طالباً مني أن أعتبره ليس فقط الأب بل الأخ الأكبر المرغوب، وكان -حفظه الله- يبذل ما في وسعه كي يملأ هذا الفراغ. لكن كثرة الترحال وسفر الوالد المستمر وانشغاله لتأمين مستقبل مادي آمن، حال بيننا وبين أن نقيم هذه العلاقة الأخوية في طفولتي على الأقل. وللسبب ذاته، أصبح الانخراط العميق في الصداقات رفاهيةً لا أملكها؛ فلم يدم لي صديق حقيقي يرافقني عبر محطات العمر الأولى، ويحمل معي ذكريات الطفولة حتى الصبا. كانت هناك تلك الفكرة الحميمة عن رفيق الدرب الذي يقتسم الأيام، ثنائيات عديدة قرأت عنها، رأيتها بعينيّ وأشاهدها كل صباح ومساء.
حين وصلت إلى الثانوية ثم الجامعة، تحوّل هذا الحرمان المتراكم إلى اندفاع عاطفي هائل نحو الخارج. لم أكن أبحث عن مجموعة واحدة تمنحني وهم الانتماء، بل انفتحت على مجموعات عديدة ومتباينة، أحاول سد ذلك الفراغ الذي يعتصر قلبي. الفكرة كانت واضحة في عقلي الباطن: إن لم أجد الأخ الواحد، فتوزيع روحه على من حولي هو القرار الصائب. تحوّل الأصدقاء إلى قطع متناثرة للوحة واحدة. ولأكون صريحًا، أنا أحب أصدقائي بصدق حقيقي لا زيف فيه، واليوم أمتلك دوائر من الأصدقاء أشعر معها بانتماء مريح، حتى وإن كنت لا أزال أختبر أحياناً مشاعر الفقد والبحث.
قد يُعرف هذا السلوك بـ "نظرية التعويض الاجتماعي"؛ السعي المكثف لبناء شبكات بديلة خارج الأسرة لتلبية احتياجات لم تُشبع داخلها. إسباغ صفات العائلة وتوقعاتها على أشخاص لا يربطني بهم رابط بيولوجي، وتحويل الصديق المقرب إلى أخ بديل يوفر مساحة المشاركة الوجدانية التي حُرمت منها -الكثير والكثير من الطب النفسي ومصطلحاته وما باليد حيلة-.
لكن، هل تجميع الأجزاء يصنع الكل؟
أدركت الإجابة مبكراً. فرغم كل هذا الحب، كنت أصطدم دائماً بالحقيقة المرة حين أرى أن لكل صديق شقيقاً حقيقياً، وأنني مهما اقتربت سأظل بعيداً. تجميع الصفات الجميلة في عدة أشخاص لا يعادل أبداً وجود أخ واحد يجمع كل هذه التناقضات في داخله. ولا اريد تكرار حادثة ايكاروس مرة اخرى في اقترابه من الشمس، لذلك تصالحت مع هذا النقص، وقبلت أن هذا هو الامتداد الطبيعي لحياتي. لكن التصالح لا ينفي الحقيقة، حداد مستمر على أخٍ أراه في عيون أصدقائي، ولا أجده الى جواري. في نهاية المطاف، تصطدم كل محاولاتنا الصادقة للتعويض بجدار الواقع.
إن هذه الصداقات تُبنى غالبًا حول سياقات مكانية أو دراسية محددة، وما إن ينتفي هذا السياق حتى تتصدع. لكن الأوجع من ذلك هو الطريقة التي تنتهي بها؛ لا مواجهات صريحة، ولا وداع أخير، بل رسائل تُقرأ ولا يُرد عليها، واعتذارات متكررة بحجة الانشغال، حتى يتحول الصمت إلى حقيقة مريرة، وهو لا يعني فقدان زميل، بل يشهد على موت أخ بديل، ويعيد فتح الجرح مراراً دون أن يُعلن عن نفسه.
هذا الفقد، مقروناً بكثرة الترحال والتنقل بين المدارس، خلق بداخلي حالة من الترقب المستمر؛ يقين خفي بأنني سأخسر أحد الأعزاء في أي لحظة. في مرحلة مبكرة من هذا التيه، أدركت حقيقة الأمر بواقعية: الفراغ ليس عيباً فيّ، ولا نقصاً في قدرتي على بناء الروابط، بل هو نتيجة بنية لم أخترها. كنت في الماضي أُحمّل والديّ ذنب التنقل المستمر، لكنني نضجت بما يكفي لأدرك أنهما لا يحملان ذنب ما فرضته الظروف. لقد منحني أصدقائي مكافآت عظيمة جعلتني لا أفقد هذا الأمل، وسأمنحه بدوري لمن حولي.
في نهاية هذا البوح، أدرك أن هذه الحكاية ليست ملكي وحدي، هي حكاية كل من يحاول أن يجد مكانه في هذا العالم الواسع. وإلى كل من يقرأ هذه السطور الآن، ربما تجد في كلماتي صدى لرحلتك أنت أيضاً، ما زلت تبحث عن "الشقيق" في وجوه العابرين والأصدقاء.
علّمتني هذه الرحلة أن الأخوة ليست فقط رابطة دم مفروضة بيولوجياً، بل هي بناء وجداني واعٍ، وميثاق نجاة يُصنع بالجهد والتفهم والمشاركة، ليكون السند الحقيقي الذي يقاسم الإنسان أيامه ويضفي على مسيرته معنىً وقوة لا تنكسر.
وفي المرة القادمة التي سأستمع فيها إلى تلك الشارة الحنونة بصوت رشا رزق، لن أستسلم لها، ولن تكون إلا لحن نوستالجيا، فقط لأُداعب به ذاك الطفل الصغير بداخلي.
اقرأ ايضا





رائع بالفعل