كانت محطة معبر رفح في عام 2022 تقوم بدور عنق الزجاجة، ممر ضيق مضغوط حيث تنكمش الجغرافيا في ممر واحد ملئ بالغبار. في هذ اليوم، كان الحر يتلاشى من الحواجز الخرسانية، لكن ريمان ماضي وقفت متحدية كآبة الحدود. ارتدت فستان تخرجها، القماش الأسود الصناعي الثقيل كظاهرة حريرية تحت خلفية شاحنات الديزل المتوقفة وآليا الاحتلال. كان من المفترض أن يكون هذا رمزًا للنصر: عودة الابنة للوطن، ابنة وطبيبة وسفيرة نجحت في التنقل بين التضامن التعليمي في الخرطوم لتأمين مستقبل عائلة نجت من حرب 2014. ومع ذلك، عندما لامست أطراف الفستان حصى غزة، بدأت الصورة تتصدع. لم تكن هذه عودة إلى الوطن؛ بل كانت انحدارًا إلى طبقة أعمق وأكثر تركيبًا من المنفى. الشهادة التي حملتها كانت “وطنًا محمولًا” كما يسميها إدوارد سعيد -وهي شهادة تهدف إلى توفير السيادة للفلسطيني حيث لا تستطيع الدولة توفيرها. بدلًا من ذلك، أصبحت شهادة على ما تحدده بولين بوس بـ”الفقدان الغامض” ِAmbiguous Loss. حالة وجود يكون الفقدان فيها غير محدد وغير قابل للمعالجة، بل حالة مستمرة من عدم اليقين المستمر والمهتز الذي يتآكل معه أساس الذات.
لطالما عرفت السردية الفلسطينية بجدلية الصمود والمنفى، وبالرغم من ذلك فإن التاريخ المعاصر لقطاع غزة خاصةً في العقد الذي تلا حرب 2014 وسبق حرب 2023 يتطلب إعادة تشكيل مرة أخرى زمانًا ومكانًا. نحكي هنا قصة ريمان صديقتنا الفلسطينية في السودان، إذ هاجرت كآلاف الشباب الفلسطينية من غزة إلى السودان لمتابعة التعليم الطبي. لم تكن هذه الحركة سعيًا مجردًا للحصول على المؤهل الأكاديمي فحسب؛ بل كان تنقلًا اجتماعيًا وسياسيًا بالتزامن مع الحصار الاسرائيلي، وكان استخدامًا استراتيجيًا لمفهوم العروبة الشامل، وتمرينًا عميقًا على تشكيل الهوية العابرة للحدود.
فلسطينيو غزة الذين كانوا بالآلاف في السودان يدرسون في كلية الطب، غادروا غزة المحاصرة ليشهدوا انهيار السودان في 2019 و2023، مما أجبرهم على العودة الصادمة إلى وطن كان نفسه على شفير الفناء. كانت تجربة هؤلاء الطلاب تشكل منفىً مزدوجًا فريدًا يتميز بحالة مستمرة مما تصفه المعالجة الأسرية بولين بوس بالفقدان الغامض Ambiguous Loss وتصدع الهوية.
تمثل ريمان حالة خاصة من هجرة أهل غزة إلى السودان في إطار النزعة العابرة للحدود Trans-Nationalism. تفترض النظرية العابرة للحدود الكلاسيكية أن المهاجرين يحافظون على روابط متزامنة مع دولتين قوميتين. وبالرغم من ذلك، فإن تجربة ريمان في السودان تخترق هذه النظرية، المهاجرون الغزازوة إلى السودان لم يهاجروا بالأساس من دولة ذات سيادة إلى دولة مضيفة؛ بل على العكس هاجروا من جيب “بلا دولة” تحت الحصار العسكري الصهيوني إلى دولة “فاشلة” تخوض غمار الثورة، كانوا يعيشون في فضاء ثالث على حد وصف عالم ما بعد الاستعمار الهندي هومي بهابها. لكنه كان فضاءً ثاالثًا من الهشاشة.
يصف إدوارد سعيد في عمله الرائد “تأملات في المنفى”، يصف المنفى بأنه “حالة منقطة من الوجود” discontinous state of being. بالنسبة لريمان في عام 2021 طالبة الطب الغزاوية في الخرطوم، كان الانقطاع متفاقمًا. كانت ريمان وقريناتها فعليًا في الخرطوم ورقميًا في غزة، تراقب الغارات الجوية عبر واتساب مع ذويها في أثناء حضورها دروس التشريح. كان جسمها في قاعة محاضرات جامعة الإمام في الخرطوم، ونفسيتها مرتبطة بالعنف الإيقاعي في قطاع غزة. هذا ما خلق هوية ريمان الغزية-السودانية المميزة، فتاة ذات وعي هجين كان كوزموبوليتانيًا أو قوميًا عربيًا لكنه متأثر بعمق بصدمة غزية شرسة.
الهروب من سجن مفتوح 2014
في أنقاض الشجاعية وبيت حانون المدمرة بعد الهجوم الإسرائيلي على غزة في 2014، بدأ يتشكل في وعي آلاف الشباب في غزة فرصة الذهاب الدراسي إلى السودان. كانت حرب الخمسين يومًا -التي أسماها الاحتلال الجرف الصامد- لحظة فاصلة لجيل ريمان. مع مقتل أكثر من 2000 فلسطيني واستهداف البنية التحتية التعليمية الحيوية، تقلص أفق الاحتمالات في غزة بشكل عنيف. بالنسبة لطلبة المرحلة الثانوية الذين تخرجوا في ظل هذا الصراع، لم تكن الجامعة مجرد خطوة تالية؛ بل منفذ هروب.
كان دافع ريمان وقرائنها للمغادرة مدفوعًا بما وصفه رشيد خالدي بـ”استمرار السرد الفلسطيني” و”رفض المحو”. لطالما كان التعليم هو الوطن المحمول للفلسطينيين. في حالة انعدام الدولة، تعتبر شهادة الطب هي العملة النهائية للبقاء؛ فالتعليم هو الممتلكات غير القابلة للنقل أو السرقة أو المصادرة عند نقطة تفتيش. وهكذا، أصبح السعي وراء الطب استراتيجية عائلية جماعية للبقاء.
لماذا السودان؟
في المشهد الجيوسياسي في منتصف العقد الثاني من الألفية، كانت الخيارات المتاحة للطلاب الفلسطينيين تتناقص. كانت المراكز التقليدية للتعليم الفلسطيني - سوريا،مصر،العراق- إما معادية سياسيًا أو غارقة في صراعاتها الخاصة. وحده السودان، تحت حكم البشير، حافظ على سياسة قوية للتضامن التعليمي. أصبحت منحة السودان شريان نجاة.
على عكس المنح الدراسية الغربية التي تتطلب عمليات تأشيرات معقدة غالبًا ما تعيقها سيطرة الاحتلال الصهيوني على الحدود، قدم السودان دخولًا نسبيًا معقولًا. للترابط الثقافي دلالة كذلك، فالسودان مكان عربي إسلامي حيث شعرت العائلات الغزية أن أطفالهم، وخاصةً بناتهم، سيكونون آمنين ثقافيًا. وقد مهد هذا الطريق لهجرة عقول جماعية.
من النتائج السوسيولوجية اللافتة من البيانات الديموغرافية تركيبية الجنس في مجموعة طلاب الطب. تشير الأبحاث إلى وجود أغلبية كبيرة من الإناث -تصل إلى 65.6% في بعض الاستطلاعات و81.6% في أخرى. تتحدى هذه الإحصائية القوالب النمطية البسيطة للاستشراق حول العلاقات بين الجنسين في غزة. تشير إلى مرونة عملية داخل النظام الأبوي الفلسطيني: كانت العائلات وعوائل الأسرة الشجعان -كالأستاذ خالد ماضي والد ريمان- مستعدون دائمًا لإرسال بناتهم آلاف الأميال إلى الخرطوم لضمان مستقبلهن التعليمي.
كان لهذا التأنيث في تدفق الهجرات آثار عميقة في إعادة بناء الهوية. بالنسبة للعديد من الشابات في غزة، مثلت الخرطوم مساحة “حكم ذاتي” نسبية. كن بعيدات عن المراقبة الفورية للعائلة الممتدة في قطاع غزة، تنقلن في العاصمة، وأدرن بيوتهن بأنفسهن، وشرفن أسرهن بأداء مسئول، وشاركوا في المجال العام كطبيبات المستقبل.
يعكس بودكاست هيا الذي تقوده فتيات غزيات، هذه الفئة الديموغرافية المتمكنة. لذا، فإن قصة ريمان ليست مجرد قصة طالبة، بل قصة امرأة تتفاوض على مكانتها في فضاء عابر للحدود.
طبيبة “تقريبًا” 2019
الخرطوم، بالنسبة للطالب الغزي، كانت مفارقة. كانت “بوتقة” بمعنى أنها عرضتهم لحرارة وضغط شديدين، وشكلت منهم جميعًا هوية جديدة. كيف كانت الحياة اليومية والبيئة الأكاديمية للطلاب الفلسطينيين في السودان خلال السنوات المضطربة بين سقوط البشير واندلاع الحرب الاهلية.
المنهج الطبي في الجامعات السودانية (الخرطوم، الجزيرة، الإمام، جامعة العلوم والتكنولوجيا) معروف بدقة الدراسة، ولكنه معروف كذلك بضيف الموارد: بالنسبة للطلاب الغزيين، كان هذا منظرًا مألوفًا. دخلوا إلى نظام يتطلب إلى فطنة إكلينيكية عالية دون الاعتماد على تقنيات التشخيص المتقدمة والأجهزة الحديثة. هذه “تربية الندرة” التي -ربما دون قصد- أعدتهم للمشهد الصحي المدمر الذي سيواجهونه لاحقًأ في غزة.
إحصائيًا، كان الالتزام بهذا التعليم هائلًا. امتد متوسط سنين الدراسة حتى التخرج إلى 6.44 سنة. لم يكن هذا التمدد بسبب الفشل الأكاديمي، بل -كما تحكي ريمان- بسبب الانقطاعات المنهجية في السياق “السياسي” السوداني - الاضرابات، الثورة، الجائحة. أصبح الانتظار عنصرًا رئيسًا في تشكيل طلابنا المهني. كانوا دائمًا طلابًا في حالة تعليق، كانوا طبيبات “تقريبًأ”.
كانت الثورة السودانية في 2019 حدثًا نفسيًا محوريًا لهذه الدفعة. وبما أنهم نشأوا تحت الركود السياسي الناتج عن حسم حماس الصراع في قطاع غزة بعد الانقسام السياسي بين فتح وحماس. لم يكن لديهم خبرة كافية في الانتفاضات الشعبية الناجحة. في الخرطوم، شاهدوا بأم أعينهم أقرانهم من طلاب الطب السودانيين يطيحون بنظام عسكري دكتاتوري.
من الناحية السوسيولوجية، كانت هذه الشهادة تعمل كشكل من أشكال الوكالة السياسية غير المباشرة vicarious political agency. بينما منعهم وضعهم كضيوف أجانب (وجودهم هش) من المشاركة في الاحتجاجات، إلا أنهم تنفسوا هواء الاحتجاجات. كانت شعارات “الحرية، السلام، العدالة” تتوافق مع تطلعاتهم الوطنية المكبوتة. غرست هذه الفترة شعورًا بالقوة المدنية يتناقض بشدة مع حالة الجبرية السياسية التي سادت قطاع غزة المحاصر. لقد تعلم الطلبة درسًا عسيرًا، وهو أن الأنظمة قد تسقط أحيانًا.
ومع ذلك، جلبت الثورة أيضًا عدم الاستقرار. أصبحت إغلاقات الجامعة مستمرة ومتكررة. بدأ “الملاذ الآمن” يتشقق. أصبحت اتحادات الطلاب الفلسطينيين في السودان نقاط دعم للمغتربين، تعمل على توفير السكن والمساعدات المالية عندما أغلقت الجامعات. وقد رسخ هذا مجتمع “الغزييين في السودان” ككيان شتات معتمد على ذاته، مميز عن الحركة الطلابية الفلسطينية الأوسع.
وبينما يعيشون في الخرطوم، أنشأ طلاب غزة فضاءً ثالثًا -بتعبير هومي بهاها. لم يكونوا سودانيين بالكامل، لكنهم كانوا مميزين عن سكان غزة في وطنهم. تبنوا التعبيرات العامية السودانية، وطوروا ذوقًا للمأكولات المحلية السودانية، وتنقلوا بين الديناميكيات العرقية والقبلية المعقدة في المجتمع السوداني.
لم يكن تكيف ريمان الثقافي استيعابًا كاملًا. ظلت مدركة تمامًا لفلسطينيتها، ورأت نفسها سفيرة غير رسمية للقضية. ومع ذلك، واجهت وحيدة المشاعر المعادية للفلسطينيين التي ظهرت أحيانًا في الدول العربية المضيفة، وأحيانًا مشاعر التضامن الساحقة الخانقة لإنسانيتها. تعلمت في الحالتين أن تتنقل بين هذه التيارات الاجتماعية، اكتسبت مهارتها الثقافية التي جعلت من ريمان ريمان، المهارة الضرورية للمهنيين العابرين للحدود.
من حرب إلى حرب
تخرجت ريمان وعادت إلى غزة في 2022، ارتدت زي التخرج عند المعبر لكي يفرح بها أبوها الذي أرسلها سفيرة للفلسطينيين في جامعات السودان، وعادت إليه بعد أن شرفته في أفريقيا العربية المسلمة. لكنها خلفت ورائها زملاء عاشوا معاناة أكبر من أن تُكتب.
في 15 أبريل 2023 اندلعت التوترات المتصاعدة بين القوات المسلحة السودانية SAF وقوات العدم السريع RSF إلى حرب مفتوحة. بالنسبة للطلاب الفلسطينيين الذين خلفتهم ريمان ورائها في الخرطوم بعد تخرجها. كانت هذه التجربة كابوسًا عاشوه من قبل في غزة.
أثار صوت القصف في الخرطوم ردود فعل فورية لاضطراب ما بعد الصدمة عند أهل غزة. لم تكن الصدمة هذه المرة كونهم يعيشون خبرة جديدة؛ بل كان رعب المألوف الذي خلفوه ورائهم في القطاع المحاصر. تم تهجير 93.1% من طلاب الطب في فترة ما بعد الحرب الأهلية. ارتفعت درجات الضيق النفسي إلى متوسط ثقيل يزن 3.71 مما يشير إلى ضيق متوسط إلى شديد.
كان الإخلاء من الخرطوم في أبريل 2023 تجربة لوجستية اختبرت صمود الطلاب بشكل آخر. تضمنت الرحلة نزوحًا بريًا خطيرًا إلى بورسودان، تجنبًا لنقاط تفتيش قوات الدعم السريع والغارات الجوية، تلاها إجلاء بحري إلى جدة أو مصر، وأخيرًا رحلة حافلة إلى معبر رفح.
كانت العودة إلى غزة رمزية. كانوا يدخلون إلى نفس “السجن” الذي قضوا سنوات يحاولون الهروب منه، لكن هذه المرة كانوا يفرون إليه بحثًأ عن الأمان. المفارقة الملوسة هنا، هي ما وصفته الأمهت في غزة عن الانتظار المؤلم، اللواتي لم يعرفن إن كان أطفالهن “في الجنة أم على ظاهر الأرض”. عندما وصلت الدفعة الأولى المكونة من 172 طالب إلى رفح في 28 أبريل 2023، كانت تلك أعلى لحظات التنافر المعرفي الوطني: الاحتفال بسلامة أطفال عائدين إلى منطقة حرب.
الصدمة الفريدة هنا هي انتهاك “الملاذ الآمن”. اعتادت السودان التي خلفتها ريمان أن تكون المكان الذي يذهب إليه الفلسطيني هربًا من الحرب. أن تلاحقهم الحرب إلى السودان خلفت لديهم شعورًا بالسجن العالمي، لقد شعروا بأن العنف ليس حدثًا فلسطينيًا حصريًا، بل هو حالة ملاصقة لوجودهم ذاته. يصف وائل المصري -طالب طب قوبل أثناء الإخلاء- الوضع ببساطة أنه حرب أهلية، وهي عبارة تحمل دلالات ثقيلة على فلسطيني عاش مطلع أيام صراع الفصائل طفلًا في 2007.
عودة إلى ريمان .. الفقدان عن بعد
في شهور السلامة القلائل، سجلت ريمان قصتها التي اقتبسنا تفاصيلها في بودكاست هيا، البودكاست المدعوم من جمعية داليا، منصة شباب غزة لسرد واقعهم. في سياق العائدين عمل هذا البودكاست كفضاء مضاد counter-space. وصفت ياسمين البنا عضو الفريق المبادرة بأنها “تحولت من ستوديو إلى خيمة“ بعد حرب أكتوبر 2023 في غزة.
تمثل رواية ريمان داخل هذا النظام الصوتي صوت الطبيب “تقريبا”. فقصتها ليست قصة درامية، بل عن الألم الصامت الثقيل الناتج عن الإمكانات المهدرة. من خلال البودكاست، تحولت الإحصائيات المجردة إلى صوت بشري يعبر عن فقدان المستقبل.
تعرف بولين بوس الخسارة الغامضة Ambiguous Loss بأنها خسارة لا تزال غير واضحة وبالتالي تفتقر إلى المعالجة. بالنسبة لريمان يظهر هذا في شكلين مميزين.
الغياب الجسدي مع الحضور النفسي: فالسودان الذي عرفته قد انتهى. تفرق أساتذتها أو قتلوا؛ مهاجعهم تم نهبها من قوات الدعم السريع البربرية. ومع ذلك، فإن هذا السودان الضائع لا يزال يشغل أذهانهم بالكامل. هم حاضرون نفسيًا في الخرطوم، يتفقدون قنوات الأخبار بهوس، وينعون مدينة أقلتهم لبضع سنين لم تعد كما هي.
الغياب النفسي مع الحضور الجسدي: جسديًا، ظلت ريمان موجودة بأمان مع عائلتها. لكن نفسيًا، غابت. لا تزال منفصلة عن الواقع مجبرةً لأن هويتها المتجذرة في مستقبل مهني تم تعليقه مؤقتًا. هي حاضرة مع العائلة على مأدبة العشاء لكنها تغيب بروحها، لا تزال عالقة في حالة مما قبل التخرج.
تقاوم ريمان وفريق بودكاست هيا وغيرهم سردية أسطورة “السوبر غزيين”. هذه الأسطورة -أنهم يمتلكون قدرة خارقة للطبيعة على الصمود- منتشرة بعمق في الخطاب الدولي. وهي رومانسية تجرد الضحية من إنسانيتها بحرمانها من حق الانكسار.
تتحدى ريمان هذه السردية. فهي لا تريد أن تكون بطلة صلبة؛ تريد أن تصبح طبيبة مقيمة مبتدئة في مستشفى تعليمي. إن الضغط الدائم على أداء الصمود يدفع إلى حبس التوتر داخليًا .ترتفع معدلات القلق والاكتئاب بين الفلسطينيين لا فقط من آثار الحرب، بل أيضًا من القمع الدائم لشعور الحزن الذي يجبرهم عليه تصور “الغزي السوبر”. تسمح تجربة البودكاست بالتعبير عن الضعف، والغضب، ورفض أن تكون “صامدًا” على حساب الإنسانية.
اقتصاد غزة ما قبل الحرب
لم تكون عودة ريمان إلى غزة مجرد صدمة نفسية بل كانت كذلك تصادمًا اقتصاديًا. يمثل الانتقال من الاقصاد السوداني إلى الاقتصاد الغزي تحولًا عنيفًا في القوة الشرائية والمنطق الاقتصادي.
كان الطلاب في السودان يستعملون الجنيه السوداني. وعلى الرغم من ارتفاع التضخم إلا أن تكاليف المعيشة مقارنةً بالخدمات الأساسية كانت قابلة للإدارة لأولئك الذين يأتيهم المال من الخارج. أما غزة فتعمل على الشيكل الإسرائيلي. وهي عملة قوية من العالم الأول مفروضة على العالم الثالث المحاصر.
والفارق واضح. تخضع الاستشارة الطبية في القطاع الخاص الفلسطيني لتسعير يتراوح بين 30 و42 شيكل (8-11 دولار أمريكي) للممارس العام. وعلى النقيض من ذلك، فإن تكاليف المعيشة (الغذاء، الوقود، الكهرباء) مرتبط بأسعار السوق الإسرائيلية. هذا التناقض النقدي يعني أن الطبيب في غزة يتقاضى أجرًا بالكاد يغطي رزقه في اقتصاد الشيكل.
مقارنة بالقطاع الطبي الصهيوني يبرز الفصل العنصري في الأجور. فقد يكسب الاستشاري الإسرائيلي 40 ألف شيكل شهريًا. في حين يكسب الاستشاري الغزي الذي يمتلك مهارة طبية مماثلة أقل من 1500 شيكل - إذا تمكن من العثور على وظيفة أصلًا.
يتميز القطاع الطبي في غزة بتناقض قاس: نقص مزمن في المتخصصين والإمدادات، وفائض هائل في الخريجين. ونسب بطالة بين الخريجين الجدد تصل إلى 74%. بلغ اليأس الاقتصادي بخريجي الطب أن اضطروا للحصول على تصاريح للعمل كعمال يدويين باليومية داخل إسرائيل. كان الأجر اليومي للعامل في إسرائيل 67 دولارًا (250 شيكل) بالمقارنة بـ9-10 دولار (35 شيكل) في غزة.
بالنسبة للعائدين من السودان كان هذا الواقع محطمًا. أنفق القوم 6 سنوات وآلاف الدولارات ليصبحوا أطباء، ليكتشفوا أن الطريقة الوحيدة لإطعام عائلاتهم في غزة هي العمل في البناء في الدولة التي تحاصرهم. هذا هو التجلي النهائي للتراجع عن التنمية de-development كما تصفه سارة روي -أي التفكيك المنهجي لقدرة الاقتصاد على استخدام رأس ماله البشري الخاص.
أشعلت “فيزيتا” الطبيب التوتر الاجتماعي، مع امتلاء القطاع العام وعدم القدرة على دفع رواتب أطباء منتظمة، انتشرت العيادات الخاصة. ولم يستطع السكان الفقراء بسبب الحصار تحمل حتى رسوم 30 شيكل متواضعة. وقد أدى ذلك إلى إنشاء “قطاع طب الظل”، غالبًا ما وجد العائدون كريمان أنفسهم يتطوعون في المستشفيات لتأدية عمل المقيم دون لقب أو أجر، فقط للحفاظ على مهاراتهم الطبية من الضمور. أصبحوا أطباء الظل الضروريين لبقاء النظام الصحي في حين لم تقرهم البيروقراطية الحكومية بذاك.
التسلسل الزمني للانفصال
تقدم مقالة ألفريد شوتز السوسيولوجية “الغريب” إطارًا قويًا لفهم العائد. يقترب الطالب العائد من المجموعة الرئيسية بقل متسائل. لم يعودوا فلسطينيين أصليين بالكامل. لديهم عادات جديدة، وأفكار سياسية جديدة، ورؤية أوسع للعالم.
كانت العائلات في غزة تتوقع عودة أطفالها كما غادروا -كأبناء وبنات منصاعين. بدلًا من ذلك، عادوا بالغين مصدومين نجحوا في إدارة المنزل في الخرطوم ونجوا من حرب أهلية. خلق ذلك احتكاكًا بين الأجيال. شعر العائدون أنهم “خارج المكان” بتعبير إدوارد سعيد في منازلهم، مما أدى إلى شعور بالاعتراج الاجتماعي زاد من إحباطهم المهني.
المفارقة المأساوية في تقاطع السودان مع غزة هي أن “أمان” غزة لم يستمر أكثر من 6 أشهر. تبع التهجير في أبريل 2023 اندلاع حرب غزة في أكوبر 2023.
المستشفيات التي كان هؤلاء الطلاب يأملون في التدريب فيها -الشفا، الناصر، الإندونيسي- أصبحت ساحات للمعركة الرئيسية، تم دفع أطباء الظل فجأة إلى النور في دور جراحي للإصابات في الخطوط الأمامية.
تنتقل سردية ريمان هنا من الخسارة الغامضة إلى الخسارة الكارثية. وتحول استوديو بودكاست هيا إلى خيمة. وتحول الصراع من أجل السردية إلى صراع من أجل المياه والطحين. تم قصف الجامعات في غزة تمامًا كما تم قصف الجامعات في الخرطوم.
وبحلول 2025، تشير التقارير إلى أن بعض الطلاب، الذين كانوا يائسين لإنهاء دراستهم، حاولوا تنظيم دورات إكلينيكية مؤقتة في مخيمات النزوح في رفح والمواصي. أقامت الجامعات في تورونتو وأماكن أخرى “حفلات تخرج بديلة” للطلاب في غزة. ورغم قوتها الرمزية، إلا أن هذه الطقوس تبرز غياب المؤسسة الفعلية التي تم دكها بالأرض دكًا.
فيلق طلاب الطب الغزاوية في السودان قد تفرق. بعضه قضى شهيدًا، وبضعه يعالج المرضى في المستشفيات الميدانية حتى الآن، وبعضهم لا يزال يوثق محتواه حتى الآن، وبعضهم نجح في النزوح، ريمان ماضي الآن طبيبة حرة في مصر تعمل بشكل غير رسمي وتواجه مشاكل في استخراج أوراق المزاولة، وكانت تستعد لدخول امتحانات مجلس التقييمات المهنية واللغوية البريطاني PLAB حتى فوجئت قبل أيام بقرار مجلس الصحة البريطاني بإعطاء الأولوية في أماكن التدريب الطبي في بريطانيا لخريجي كليات الطب البريطانية. مما يغلق أمامها مسار مهني آخر ناضلت لأجله بعد اجتياز امتحان زمالة الكلية الملكية لأطباء النساء والتوليد MRCOG.
شهور قلائل من الاغتراب
يصف عبد الملك الصياد حالة الغياب المزدوج Double Absence بأنها مرآة للاغتراب الذي يشعر به العائد إلى بلده بعد سفر طويل. العائد يعكس “الفراغ الاجتماعي والشخصي والسياسي” الذي نشأ في وطنه خلال سنواته في الخارج. يعودون جسديًا، ليواجهوا صدمة العودة إلى الوطن، وليدركوا أن المنزل الذي كانوا يشعرون بالحنين إليه لم يعد موجودًا، وحلت محله المقبرة. مصير العائد في قصتنا هو أ، يكون حاضرًا وغائبًا في آن واحد -محصورًأ في غزة ومنتميًا إلى العالم الرحب الفسيح لتكونه العلمي والفكري. هذا هو البرزخ الدائم للمنفى الدائم.
في أدبيات المنفى في الجنوب العالمي (درويش، حامد، حلبي) أن العودة ليست أبدًا استعادة للماضي السعيد. العودة إلى غزة هي “عودة غريبة” حيث يصبح المألوف (منزل الطفولة) غريبًا لأنه لم يعد قادرًا على دعم الجسد الواعي للبالغ العائد. العودة إلى الوطن في قصتنا هي منفى ثانوي، عاشته ريمان ثم عاشه أقرانها الذين تلوها بالعودة.
وخلال أيام معدودة، يستيقظ العائدون الشاعرون بالاغتراب على صوت صواريخ تشق السماء، وعلى صوت الضيف يشق الهواتف، أن طوفان الأقصى قد بدأ. وبين مشاعر الفرحة والقلق، يبدأ المغتربون في الانتظام في مستشفيات غزة جنودًا مدافعين عن الجسد الفلسطيني، يطبقون كل ما استفادوه في جامعات الدنيا التي جاءوا منها لاستنقاذ الأرواح.
6 شهور هي الهدنة التي منحتها الحياة لأولئك الشباب، لم تكن سعيدات بطبيعة الحال، وإن كانوا يتمنون اليوم أن يعيشوها مجددًا. من حرب إلى حرب ومن ترحال إلى ترحال ومن تهجير إلى تهجير. أصبح الأطباء الفلسطينيون أسرى واقع أصعب من أن يعيشوه منفردين. الآن ينبغي لنا أن نروي حكايتهم، وينبغي علينا الإنصات لها. الآن، في الهدنة الكاذبة، يمكننا أن نتسامع بقصص أشخاص ليسوا مجرد أرقام. وليسوا بطبيعة الحال أبطال خارقين، هم بشر مروا بنكبات إنسانية عادية جدًا، مغرقة في العادية. حتى قرر العدو الصهيوني وسط الصمت العربي أن يجعلها غير عادية.
ومن منفى إلى منفى تستمر الحكاية ..
اقرأ أيضًا للكاتب:
POV: شر من أجل الحب
لوحة بيضاء بالكامل، اسمها “أرنب في عاصفة ثلجية“، مع أكثر من عنصر شكلوا معًا مشهدًا شتويًا قاتمًا مشاعريًا رغم انتشار البياض في عناصره. هناك في حي الفقراء في نيويورك “هيلز كيتشن”، مثلت اللوحة والجسدان الواقفان أمامها اللذان يلتقيان للمرة الأولى مخططًا وجوديًا لنموذج جديد من السلطة. وقف الرجل المعروف باسم ويلسون فيسك مبهورًا أمام التدرجات اللونية البيضاء.…
لشروط التدوين معنا:








