“بعد سنوات عديدة، وأمام فرقة الإعدام، سيتذكر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك العصر البعيد الذي اصطحبه والده فيه لاكتشاف الجليد”.
منذ ولادة الإنسان حتى يوم موته، تنشأ أفعاله من دوافع دفينة تُبنى في اللاوعي لتكون شخصيته، وتكون محل تفكير في المستقبل عن كيف قضى هذا الإنسان طفولته.. ومراهقته تحديدًا. هكذا كان أوريليانو بوينديا الهادئ، أول بشري يولد في مدينة ماكوندو الخيالية في رواية غابرييل ماركيز الشهيرة.
في الطفولة نتلقى اهتمامًا وحبًا يجعلاننا معتمدين على والدينا إلى أن نبدأ في التفكير خارج إطار هذا الاهتمام، ولأول مرة نحاول التعرف على أنفسنا “من خلال أنفسنا“ وليس من عيون من نحبهم ويحبوننا.
هكذا تعرّف وعاش أوريليانو بوينديا مع صمته وعزلته “Solitary“ التي تبنّاها بعد رحيل أخيه خوسيه أركاديو هربًا من ماكوندو ومن البيت، هربًا من مواجهة نفسه وتحمل المسؤولية -كما يفعل بعضنا حتى الآن- ليتكون عند أوريليانو دوافع غضب مدفونة ستكون فيما بعد وسيلة تبرير أفعاله.
كل إنسان فينا مختلف، ومع مرور الوقت صفاتنا تختلف، وهنا تتدخل الأنا وتجعلنا نصدق أننا مميزون وتتركنا في مفترق طرق؛ إما النظر بطريقة فوقية للبشر باعتبارنا مميزين عنهم، أو ببساطة نتقبل صفاتنا ونحترم اختلاف الآخرين. من هذا المنطلق صوّرت أم أوريليانو السيدة أورسولا التنبؤات التي يراها ابنها على أنها ميزة جعلت أوريليانو يعزز شعور التميز داخله، الذي بدوره سيعزز شعور الغضب الدفين داخله وسيُستخدم في تبرير أفعاله مستقبلًا، ولكن هذا الشعور كان له سبب آخر سلبي سنعرفه فيما بعد.
من الحكمة في وقت اتخاذ القرارات أن نفكر في تبعاتها وعواقبها إن وجدت، كيف تؤثر على محيطنا ومن حولنا، كيف ستؤثر علينا في النهاية على المدى الطويل. وبسبب وهم التميز عند أوريليانو، فقد كان أول قراراته العاطفية أنه أراد الزواج من جميلة تدعى ريميديوس ابنة الدون أبولينار موسكوتي، التي بينه وبين والده خوسيه أركاديو بوينديا مؤسس مدينة ماكوندو عداوة لدودة، لدرجة أن أوريليانو لم يبالِ بشأن تلك العداوة. وهنا لم تكن المشكلة الأكبر.. كانت المشكلة أن ريميديوس لا تزال لم تبلغ سن الزواج بعد، وكما تم وصفها “still wets the bed, plays with dolls”؛ وبمعنى آخر، ما زالت طفلة، ولكن عواطف أوريليانو غير العقلانية جعلته ينتظر حتى تبلغ السن المناسب للزواج، وتزوجا فعلًا، ولكن ماتت ريميديوس بتسمم في دمها هي وجنينها ابن أوريليانو بوينديا، لتبدأ رحلة تحول شخصية أوريليانو بوينديا.
هنالك لحظات في حياة الإنسان يندفع فيها كل ما هو مخزون ومكبوت داخله ليظهر على هيئة نوبة غضب أو تغيّر في الشخصية للأسوأ/للأفضل أو تقود الإنسان للجنون التام. أما بالنسبة لأوريليانو فموت ريميديوس، ومشاهدة ظلم حزب المحافظين الذي يترأسه حماه الدون موسكوتي، أطلقا العنان للغضب المكبوت وروح التمرد داخله لكل ما حوله، التمرد على الحياة العادية؛ اختار الحرب مع الحزب الليبرالي كمظهر خارجي للثورة على الظلم والغش.
سيداتي وسادتي أصبح أوريليانو الآن الكولونيل أوريليانو بوينديا.. ولكن شيئًا فشيئًا أصبح لا يقل وحشية وقسوة عن الحزب المحافظ الذي يحارب، لنكتشف أنه لم يشعر بالانتماء لشيء غير التمرد الذي عزز شعور الغضب والعزلة بداخله، وليس لأجل رفع ظلم المحافظين.
هل الندم هو الخيار الوحيد في اللحظات التي نشعر بها أننا بمفردنا؟ هل تخيلت نفسك في مرة يفصلك عن الموت دقائق؟ بماذا ستشعر؟ الخوف أو الندم.. أو كلاهما؟ بمن ستفكر؟ بأهلك، بأحبابك، أم بالأمور التي لم تحققها وما زالت على هيئة الأحلام والطموحات؟
حين تشعر بأن الإجابة صعبة في هذا الموقف، ستبين لك شخصية الكولونيل أوريليانو بوينديا الحقيقة وهو يواجه فصيلة الإعدام؛ لم يفكر بشيء ولم يشعر بالحنين تجاه شخص ولا حتى ذكرى استكشاف الجليد مع والده.. وقف بارد الوجه والعينين وكل ما داخله هو ذلك الغضب المذكور سابقًا، الذي أوهمه بتبرير أفعاله على هيئة تمرد ليبرالي. ولم يتغير شيء عندما نجا من فصيلة الإعدام، بل عاد إلى الفعل الذي يعزز وحدته وغضبه وكأنها تجعلها مرئية، ألا وهو التمرد.
وفي النهاية بعد عقود من الحرب عندما تخلى عنه الغضب وتخلى بدوره عن الحرب عن طريق معاهدة نيرلاندا التي أعلنت استسلام الحزب الليبرالي للمحافظين بعد اثنتين وثلاثين حربًا خاضها الكولونيل خسرها جميعًا، لم يبقَ بعد الغضب سوى صديقه القديم والوحيد، الوحدة والعزلة اللذان رافقا الكولونيل حتى اكتشفوا جثته صدفة تحت شجرة الكستناء والغربان تطوف حول جسده العجوز، ليموت الكولونيل بالطريقة التي فرضها على نفسه وبررها له الشيطان بالغضب والتمرد؛ مات وحيدًا.
في حياتنا كلنا نتعرض للمواقف والمشاعر التي واجهت أوريليانو بوينديا، وردود أفعالنا تجاهها تجعلنا أمام طريقين؛ إما أن نتعلم كيف نتعايش مع قراراتنا ونسامح أنفسنا ونتقبل فشلنا أحيانًا ونتجاوزه، أو نسلم أنفسنا للشيطان ونكون قد أصبحنا الكولونيل أوريليانو بوينديا.
مقالات قسم العيادات الخارجية هي المقالات التي نتلقاها عبر البريد الإلكتروني. للمزيد حول شروط النشر انظر هنا




