(الصورة من مخطوطة رائعة لكتاب الحيوان للجاحظ محفوظة بمكتبة الامبروزيانا في ميلانو، وكتاب الحيوان في أصله جدال محموم بين صاحب الكلب وصاحب الديك وراءه الكثير من التفاصيل اللذيذة لكني ادعها لحديث آخر)
عزف حر!
أنتهز الفرصة كلما عدت إلى مدينتي لإحياء تقليد متعارف عليه بيننا، نصلي معا، ثم ننطلق في غبشة الفجر، في تلك الساعات البينية آخر توديع الليل وأول أمارات الصحو حيث نعبر في أناة وعلى مهل من الليل إلى النهار ونشهد المدينة تستفيق شيئا فشيئا، تمسح عن عينيها النعاس وتدب فيها الحياة ببطء وارتخاء كأنما هي تتمطع بكل أريحية. نذرع الشوارع في حديث متصل لا نعرف أوله من آخره، ننزلق في متاهات الكلام والذكريات، ونشهد معا بتعجب مفاجئ كيف مرت بنا تلك السنوات الطوال معا وعملت إيه فينا السنين!
يقطع حديثنا أحيانا بعض الكلاب الضالة، نباحا او شجارا أو مواثبة أو ببساطة ترفع رءوسها عن كواهلها بأعين نصف مغمضة لتبصر أولئك الضيوف الوافدين على الشارع الذي تلتحفه، باغتني صديقي قائلا : حين أتقن العزف على العود وسأتقنه! (يتعلمه في هذه الأيام بعد أن امكنته الفرصة واتيح له عود له صوت! ولعلك تعجب من قولي، لكن على مهلك، فقد قاربنا العزف منذ بضع سنوات واشترينا ما خف وزنه ورخص ثمنه وتحملته ميزانية طالبين غلبانين فكان الناي الذي لا يعمل كما نزعم والذي قطع أنفاسنا ولم نسمع منه بعد هياط ومياط كما قال أبو العلاء إلا صوت صفارة رفيعة تحزّن لا تشبه صوت الناي الحنون في شئ) سأؤلف مقطوعة أسميها “رقصة الكلب الشارد. “
رفعت رأسي إليه متعجبا لكني آثرت ألا أقاطعه قال أتعرف معزوفة كورساكوف طيران النحلة الطنانة ؟ لن تكون شيئا إلى جوارها!
نظرت إليه مبتسما ولمحت في عينيه التماعا لم أعهده منذ فترة طويلة، في العادة يغلب على صديقي تواضع هائل وهضم لنفسه حتى لا يكاد يرى فضائلها الجلية لذلك سعدت بتلك الوثبة الجريئة، أليست الصداقة في جانب منها وعد بالاطمئنان والسكون بحيث تسمح للمرء بالانطلاق في اعتى خيالاته جموحا دون قلق أو حذر ؟
تساءلت كيف ؟
قال سأعتصر فيها زبدة المقامات الشرقية وايقاعاتها المميزة أحكي بأنغامها حياة كلب الشارع الحافلة، إثارتها وعذاباتها معا، “الصبا” الشجي لساعات الجوع الطويلة وتقمم الخرائب و الأزقة والحاويات بحثا عن لقمة تسد الرمق و”الراست” المتسلطن لتبخترهم خلال الشوارع في ساعات الليل وقد دانت لهم المدينة و خضعت لسلطانهم كأنهم ملوكها، خطر ببالي مشهد أخي الصغير وهو يبصرهم عائدا في الليل فيخلع حذاءه لئلا يعوقه وهو يعدو هربا. استرسل صديقي قائلا و”العجم” الرومانسي مثلا زمان التزاوج ورقصاته المثيرة…
على ذلك المنوال سأغزل لحني واصوغه حكاية شرقية تليق بتلك الكلاب التي تشاطرنا حياتنا أفراحها و أتراحها معا.
(ديوجانس الكلبي لجان ليون جيروم)
سادة الأسفلت ومعلمو الشوارع
سرحت قليلا ثم قلت له وهي تستحقه فعلا!
أظن أني مدين لها بالكثير وبشئ من التأمل والتذكر يمكنني التأريخ لكثير من المشاعر التي اختبرتها لأول مرة أو كنت شاهدا على ميلادها في نفسي او في نفوس اخوتي الصغار من خلال وجودها حولنا، طيف واسع من المشاعر المتضاربة متراوح من أقساها لألطفها، مشاعر العطف الحنون والرقة الحميمة حين كنا نجمع بقايا الطعام ونلتقطه بعد ساعات الغداء وأرى الصغار يتساءلون عما يمكن للكلاب أن تأكله فيعنون بجمعه وينفون ما سواه ثم يقدمونها لها مبتهجين وإقبالها متهللة تبصبص بذيولها وهم يشيرون إليها وينادونها بأسماء ابتكروها لها وهي لا تدري شيئا عنها أو أن لها أسماء تُنادى بها وتستأنس.
أو مشاعر الخوف العميق كذلك حين كنا نلقاها عائدين من المدارس صغارا ونبصر أنيابها البارزة وجنونها غير المبرر أحيانا والذي يسفر عن رعب عظيم وعرق غزير وعدو محموم للخلاص أوالخوف من عضات لا نجاة منها بغير الحقن المدببة، أو الشجاعة التي كانت تعتري المرء حينذاك حيث ترى الصغير يواري صغيرا مثله خلفه محاذرا عليه ويحشد كل منهما في قبضته حفنة من الحجارة سلاح ردع ساعة اشتعال المعركة وجنان الكلاب أو القسوة المفرطة التي تتخذ من إيذائها ولف الحبال حول أعناقها وجرها تسلية وتجد فيها لذة ومتاعا يجتمعون عليه.
أو ما تثيره ممارستها الحياة عارية دون احتشام في نفوس الصغار من أسئلة وما تحركه من نضج مبكر وكشف لجانب من وجه الحياة المستور وراء حجب البراءة والغفلة وصمت الكبار، لكن هذا ما تأباه نزعتهم الرعوية العارمة فسرعان ما يخرق ذلك الصمت المتواطئ انتهابهم اللامبالي للذائذ الحياة الطبيعية اصواتا فائرة وصورا تستعصي على التجاهل والاغضاء وتوقظ في النفوس المحرومة اسئلة طويلة عن العدل والظلم والقهر والحق الطبيعي في الأشياء!
(الصورة من التقاط صديقي في صحراء المماليك حيث ينبسط تاريخ المدينة المهجور - خانقاه اينال- مسورا كخلفية لجولات هذا الصغير ورفاقه، غني عن القول طبعا إن الأسوار لنا نحن لا للرفيق)
تاريخ كلبي للمدينة
قال صديقي : بالضبط ، لا أريد تلحين معزوفة للكلاب بعامة و التعبير عن فضائلها كذلك المؤلف القديم والموتور من البشر الذي ألف في فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، أو الكلاب عند العرب في الجاهلية مثلا، أتعرف هذا يستحق كتابا برأسه ومعزوفة خاصة تليق بالدراما الكثيفة التي أودعها الشعراء قصائدهم والصراع الأبدي بين كلاب الصيد والثيران الوحشية على لهيب رمال الصحراء أو إعداد الكلاب للضيفان ونباح الطارقين ليلا لتجيبهم الكلاب فيهتدوا على وقع اصواتها، لكني اقصد معزوفة شرقية لكلب بلدي، ذلك الذي وصفه ووصف طباعه وتجواله وعذاباته وآماله أبرع وصف أورهان باموق في كتبه ولاسيما في ثنايا حديثه اللذيذ دوما عن اسطنبول قديما والتي تشبه القاهرة إلى حد بعيد، لدرجة أن كتب فصولا على لسان كلب في روايته اسمي أحمر.
تناولت طرف الخيط وقلت أعرف أعرف، أكاد أحفظ إحدى فقرات تلك الفصول عن ظهر قلب والتي يقول فيها (طبعا أكاد أحفظها وأشرت إليها لصديقي لكني أنقلها هنا ببساطة من الرواية 😅😅)
“يقال إن لكل كلب صاحبا في بلاد الأفرنج الكافرة. في رقاب الكلاب المساكين هناك سلاسل، ومثل العبيد الأكثر بؤسا تسحب فرادى لتنزه في الشوارع. بعد ذلك يدخل أولئك الرجال كلابهم إلى بيوتهم بالقوة. وحتى يقال إنهم ينيمونها في فرشهم. لا يستطيع كلب أن يشمشم كلبة ويعاشرها.
حتى إن الكلاب لا تستطيع التجول زوجا وزوجة. إذا صادفت بعضها البعض في الشوارع مكبلة بالسلاسل بحالتها البائسة تلك تتبادل العيون نظرات حزينة من بعيد. وليس ثمة أكثر من هذا. أما تجوالنا في اسطنبول جماعات وقطعانا بحرية. وقطعنا الطريق عند الضرورة دون اعتراف بسيد أو صاحب ونومنا متكورين في زاوية دافئة أو ظل وتبرزنا حيث نريد وعضنا لمن نريد فأمور لا يمكن للكفار استيعابها ”
علقت بقلبي مذ قرأتها لأنها كانت إحدى الإشارات التي وقعت بصدري في مدينتي التي اغتربت إليها وهالني ما تتمتع به الكلاب من عناية وحرص وما تحظى به من بهجة في طرق تمشياتها المزينة بالخضرة والتي يتناثر على جانبيها كل بضعة أمتار صندوق مميز منقوش عليه كلب يقضي حاجته، استغربته أول ما رأيته إذ لم أدرك ما يعنيه أو الحاجة إليه ثم رأيت في يوم رجلا مهيبا ينزه كلبه ثم يتوقف ليخرج من ذلك الصندوق كيسا ينحني ليلم به حاجة كلبه لا مؤاخذة والتي قضاها ثم يتخلص منها، لو رأى بؤبؤ ذلك لتساقط فكاه دهشا (بؤبؤ كلب منطقتنا والذي لطالما سحبه الصبيان من عنقه بحبل لا للنزهة ولكن ليطاف به في جولات تعذيبية مروعة).
رأيت فيها من ثم طريقة مميزة للتاريخ للمدن تأريخا كلبيا والنظر إليها بعيون حيواناتها وسلوكها وسلوك أهلها معهم، وانعكاس أحوال المدينة وأحوال أهلها في مرآة حيواناتها وما تقاسيه أو تحظى به. أحب باموق لأن له ولعا بأمثال تلك الأشياء ولأنه يجيد رصدها و التعبير عنها بذكاء بحيث أرى فيه في بعض الأحيان تأريخا شخصيا للغاية أكاد أسطو عليه و انسبه لنفسي من فرط إعجابي به.
قال صديقي أتذكر روايته الرائعة غرابة في عقلي ؟
قلت وهل يمكن نسيان تلك المحاولة المميزة لتدوين تفاعل الكلاب السائمة في أرجاء الشوارع والمدن واستدخالها في نسيج التاريخ الاجتماعي واصفا كيف تتجمع في عصابات شتى تعمر الخرابات وتنبح الغرباء وتتداعى لبعضها البعض دون أن يكون لأحد عليها سلطان أو تعنى الأنظمة بإنهاء وجودها أو تقنينه، بقية من بقايا تلك الحياة الرعوية الشاردة العصية على الضبط التام وثراء حياتها. أظن أننا مدينون كذلك لها بتعلم شئ من القدرة على السرد ونسج الحواديت، لا يمكن أن تشهد هذه العصابات في صراعاتها وتجوالها الدائب بين الأحياء دون أن تطلق الأسماء وترتب الأحداث وتبحث عن السبب وراء الأشياء.
لا تعلمنا السؤال فقط صغارا لكن الاجابة كذلك كبارا أو بالادق المراوغة والهروب منها قال صديقي ضاحكا
ضحكنا معا وتهادينا في طريقنا وقد شعشع نور الصباح شيئا فشيئا.
(بؤبؤ متقمما الخشاش وظاهر في الصورة ذيله المقطوع إثر معارك ضارية)
على هامش كلب نافق
عدت للبيت وحدي وفي الطريق وقعت عيني على جثة كلب نافق، قفز لذهني مشهد من إحدى متتاليات كتاب بنيامين لاباتوت القصصية “حينما نتوقف عن فهم العالم”، حيث يصف مشهد كلبين نافقين، كيف لامس حين قرأته أول مرة لدي أوتارا وفتح بوابات ضخمة لطوفان من الذكريات القديمة، هذا المشهد عينه كثيرا ما شهدته في طفولتي في جوارنا ولم يدر ببالي أبدا أن اقرأه في عمل فني. فإذا بي أجده أمامي بكل التفاصيل المقرفة في حقيقة الأمر لكنها مع ذلك كما الآن تخطر في غلائل من ذكريات شفيفة ايام الدراسة والعودة مع الأصحاب من المدارس أو في الإجازات وساعات لعب الكرة في الشارع او الاسراع للصلوات في الجامع.
المثير للضحك والاسى معا ان في كل تلك الذكريات اللطيفة (كما الآن بالضبط بعد سير دافئ مع صديق قديم) كان ثمة كلب ميت في جانب منها منتفخا بشعا تحيط به هالات من الرائحة القذرة، في حضور متصل، مستمر يدوم اياما حتى يختفي بصورة ما، بالدفن مثلا أو بحضور من يحمله إلى مدفنه من البلدية.
أجدني وأنا أكتب ذلك أساءل نفسي ما هذا الهراء والقرف وأتوقف طويلا عند طبيعة ذكريات في هامشها كلب نافق لكني رغما عني أجد الذكريات تتابع في خيالي معقمة خالية من أي ضغينة تجاه الإهمال والصهد واللامبالاة القاسية للسادة المسئولين وتجاه الروائح المعفنة و الإمكانات اللانهائية للعدوى والمرض والتي نتصالح معها (نتسلح تجاهها ؟) بالجهل واللامبالاة
واتساءل كيف يمكن لذلك أن يحدث ؟
أفكر في طبيعة الغربة والحنين والمسافة اللازمة للتصالح مع الماضي. و أفكر في الأشياء المفتقدة والتي يطمس الحنين إليها وافتقادها كثيرا من الجوانب الأخرى البشعة لذلك الماضي. استلذ لحظات الذكرى تلك واتعجب من قدرة الذاكرة الخارقة على إعادة ترتيب الذكريات وتشكيلها مجمعة مفرقة، تخفي الجثث النافقة والروائح الكريهة والضيق الذي لم يكن منه مفر لصالح صور ملطفة مخففة تعين على احتمال الحياة، اخشى الانجراف معها واتنبه لخطورتها والشرور الكامنة في قدرتها التطهيرية وعثرات العقل الانحيازية وخطايا رمنسة واقع حقير بائس خليق أن يثير الاشمئزاز في النفس لولا السلامة والدعة والبعد. لكني أفكر لعله لا بأس اليوم بتلقي هدايا الذاكرة، يحتاجها المرء أو المرأة على كل حال حين تضيق!
تتمثل المفارقة جلية في ختام حياة تلك الكلاب المسكينة في كثير من الأحيان بطلقات تسلمها للموت أو بالسم يدس لها فيما تطعم من خشاش الأرض او حتى صعقا كما في قصة المخزنجي الحزينة بكتاب رشق السكين
“ورأينا على الرصيف لمة الكلاب في سلسلة صنعتها أجسادهم المتعاقبة وراء بعضها بعضا، ووراء الكلبة التي كانت مدفوعة بقوة طابور هائج إلى عمود النور، تضمه ملتزقة به ، مصعوقة، وهم وراءها مصعوقون . .”
ميتات قاسية تشابه حيواتها. وإن كان ثم عزاء ففي أنها لم تخل أحيانا من لمحات عطف ورقة وصداقات منعقدة بين بعض الصغار وبعض الجراء ممتدة عبر الزمن في مبادلة رقيقة إطعاما وتحببا وبشاشة وبصبصة بالذيل.
لا جرم أصبح من الصعب استعادة تلك الذكريات بدون تلك الكلاب النافقة وهو بدوره وللغرابة لا يمسها بشئ من بشاعته ولا يذهب برونقها الجميل في النفس.
أجدني أتساءل ما الذي يردني للأزمنة الأولى وأيام العمر الذاهب ؟
الحنين قادر بالفعل على اجتراح المعجزات!







ماشاء الله أنا معجبة بقدرتك على غزل الحكاية والانتقال بين التفاصيل بسلاسة...بشكل شخصي أحب الكتابة الذاتية..جميل ومختلف الحقيقة تحياتي :))))
د.سعيد الباز كان أول حد عرفني إن الأدب مش الموضوع ولا اللغة بل الغرابة والجدة
والقدرة على بعث الشاعرية في أشد الأشياء عادية
رأيت مصداق ذلك هنا.
شكرا :))