كان ضياء العوضي يتحدث عن الدواء كما لو أنه يتحدث عن عدو شخصي قديم.
لا كطبيب قضى جزء من عمره بين المرضى، بل كرجل خرج من غرف العناية المركزة وهو يحمل ضغينة تجاه الطب نفسه.
وأحيانًا أتساءل فعلاً:
هل أضنته رائحة الموت التي لا تغادر الممرات؟
هل سئم صفير الأجهزة التي تعمل أربعا وعشرين ساعة؟
هل كان مدفوع برغبته في اكتشاف علاج مغاير ينقذ به مرضاه من على أسرة العناية وأجهزة التنفس؟
هل تعمق في الطب لكنه ضل الطريق فكانت رحلته من العلم إلى الإلحاد الطبي بدلاً من الوصول إلى إكسير الحياة
لا أجد سببًا واضحًا لماذا كفر ضياء بالطب.
ما العوامل التي أودت به إلى هذه الهوة؟
ولماذا سحب الآلاف معه؟
هل حسبوا أن في هذه الهوة نجاة حقًا أم أنهم قد سئموا من الحياة فعلا لدرجة أنهم لا يضيرهم أن ينقادوا وراء ضلالات شخص ما
حب نظرية المؤامرة ومافيا الأدوية
لا شك أن لنظرية المؤامرة دورًا كبيرًا في تفسير هذا الالتفاف حوله، تميل النفس البشرية أحيانًا إلى تفضيل دور الضحية على مواجهة التعقيد القاسي للواقع، بدلاً من الأسباب المنطقية المدعومة بأدلة فإنها تختار الانسياق نحو الأسباب التي تدور حول أنها مقموعة وأن هذا العالم يريد هلاكها
”أنا المريض المسكين وهذه الشركات لا تصنع الأدوية بل تصنع سم تود أن تنهي حياتي به”
وضياء كان يؤكد لهم هذه الأسباب في كل مقاطعه، يخبرهم بكل بساطة أن نجاتكم في ترك الأدوية، لا تشتروا هلاككم بأيديكم
ولكن الحقيقة أنهم كانوا يبيعون نجاتهم ويشترون هلاكهم بالانسياق وراءه
نجاتك..في طعامك
الأمر منطقي، إن كانت البقوليات تسبب لك انزعاجًا في معدتك ثم تركتها فمن الطبيعي أن تشعر بالراحة
وإن كانت معدتك لديها حساسية من الألبان، فتوقفك عنها سيظفر عن راحة لاشك
كل طعام تشعر معه بتعب إن توقفت عنه فسوف تتلاشى آثاره، كل ذلك منطقي
لكن هذا لا يعني أن ما يتعبك هو بالضرورة سيء، إنه فقط لا يتناسب معك بكل بساطة
لكن ضياء كان يعمم التجربة، فيقول هذا طعام سيء وفقط، لا تسألوا عن أسباب، إن شئتم فخذوه عني وإن لم تشاءوا فاتركوه وأنتم الخسرانين!
ليست المعضلة في وجهة نظري أنه يدعو إلى نظام جديد، لقد فعلها المئات قبله
وهناك بالفعل مئات الأنظمة الغذائية حول العالم، فنظام آخر جديد قد لا يشكل فارقًا كبيرًا
لكن ماذا لو كانت المعضلة كلها أن ضياء قد كفر بالطب فعلا!
لقد قال لا يوجد ما يسمى بكذا، لا تقول أنك مريض بالسكري، لا يوجد ما يسمى نوع أول وثان، هذه خرافات اخترعوها كي يجعلوك أسيرًا لدى مافيا الأدوية
عزيزي ضغطك العالي هذا ليس بحقيقي، ويا مسكين أنت الذي أقنعوك أن لديك ورمًا خبيثًا، لا يوجد ما يسمى بذلك بل هم من خبثهم يريدون أن يقتلوك بالكيماوي
وكان ضياء يمنحهم ما يحتاجونه بالضبط:
عدوًا واضحًا.
وخلاصًا بسيطًا.
وقصة سهلة الفهم.
توقف عن الدواء، وبعض من الطعام، وستنجو.
لا شيء أبسط من ذلك.
والبشر يحبون الحلول التي تشبه زر “تخطي الإعلان”.
امنحهم نصًا من القرآن ولن يجادلك أحد
من يجرؤ على أن يجادلك في آية منزلة من عند الله؟
نعم، بالطبع
لا أحد!
لم يكتفِ بنظرية المؤامرة فحاوطهم بنصوص من القرآن فسرها هو بطريقة تدعم كلامه، فيصير كلامه حبلاً متينًا يستطيع أن يقدمه للجمهور والشاطر الذي يجرؤ على مجادلته
هل تجرؤ أن ترد على ما أنزل الله؟
وكان الانسياق خلفه كثيفًا لدرجة تجعلك تتساءل أحيانًا إن كانت خوارزمية واحدة تدير كل تلك التعليقات.
الأغرب أنه لم يكن يتحدث كدجال تقليدي يصرخ بكلمات غامضة ويبيع أعشابًا سحرية في زجاجات بنية اللون.
بل كان يعرف جيدًا كيف يرتدي معطف العلم.
يشرح لك كيف تعمل فيسيولوجيا الجسم، ومن السهل أن يستشعر الناس الخلفية العلمية وراء حديثه، إلا أنه في كل مرة كان يمارس دس السم في العسل، ويحرف في كلامه بما يدعم نظامه، ولعلني لست أهلا للرد على شبهات نظامه، لكن عشرات الأطباء قد كفّوا ووفّوا والعاقل من يسمع ويقرأ ويعرف إلى أين ينساق
لقد منحتني دراسة الطب ورؤية مئات المرضى على أسرة المستشفى المتهالكة رحمة تجعلني ألا أشهر أسلحتي في وجوههم وألا أنعتهم بالجهل لأنهم سمعوا له، لا أحد يعرف ما تضعك فيه سنوات من المعاناة أمام شخص يدعي أن معه حلاً سحريًا قادر على تخليصك من معاناتك.
لكني لا أشفق على الأصحاء الذين اتبعوه، كل الشفقة في قلبي لأصحاب الأمراض المزمنة، والمعاناة الطويلة مع الأدوية
هؤلاء الذين ربما رأوا فيه خلاصًا، ودفعتهم رغبتهم في التجربة، لأنه دائمًا يبقى سؤال “ماذا لو؟”
رحل ضياء لكن نظامه لم يرحل
هل سيخفت صوت نظامه بمرور الوقت؟ أم أنه سيظهر لنا ضياء جديدا ينتهج نهجه أو ربما يأتي لنا بجديد يدعي فيه أنه أتى بما لم يأت أحد من قبل؟
والأكيد أن ضياء قد رحل لكن الآثار التي خلفها وراءه لازالت مستمرة في إحداث الخراب.
والله المستعان.
مقالات قسم العيادات الخارجية هي المقالات التي نتلقاها عبر البريد الإلكتروني. للمزيد حول شروط النشر انظر هنا




