الأمومة خارج صورتها المستقرة.
نادرًا ما تُستدعى الأمومة خارج إطارها المألوف في الوعي الجمعي. تظهر غالبًا في صورة مكتملة، مصقولة، يمكن تداولها دون احتكاك حقيقي بتعقيدها. تُقدَّم باعتبارها معنى واضحًا لا يحتاج إلى تفكير، وحالة يُفترض أنها تحمل انسجامها الداخلي، وتجربة يُنتظر منها أن تبرر ذاتها بذاتها. في هذا التصور، تتحول الأمومة إلى مساحة مغلقة على الأسئلة، محاطة بسياج أخلاقي يجعل الاقتراب منها بحذر، أو مساءلتها، فعلًا إشكاليًا. ما يُسمح بتداوله عنها يظل محدودًا، انتقائيًا، موجهًا نحو الحنان والتضحية والاحتواء، فيما تُدفع المشاعر الأخرى إلى الظل، كأنها عيوب طارئة أو انحرافات فردية لا تخص التجربة في جوهرها.
غير أن الاقتراب من الأمومة، حين يتم من داخل التجربة أو من تخومها، يكشف عن مساحات أكثر التباسًا، مساحات لا تستقيم مع الصورة المستقرة، ولا تتجاوب مع اللغة الجاهزة. هناك يتداخل الجسدي بالرمزي على نحو لا يمكن فصله، ويتجاور الحنان مع الإرهاق، وتتشابك الرعاية مع فقدان أجزاء من الذات، فقدان بطيء، غير صاخب، لا يُلتفت إليه لأنه يحدث في سياق يُفترض فيه العطاء الدائم. الأمومة في هذا المستوى لا تبدو تجربة واحدة متجانسة، وإنما سلسلة من التحولات، يعاد فيها تشكيل الجسد، وإعادة توزيع الانتباه، وإعادة تعريف العلاقة مع الزمن، ومع الرغبة، ومع الحدود الفاصلة بين الذات والآخر.
في كتابها كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها، تتحرك إيمان مرسال داخل هذه المنطقة المربكة، دون استعجال للخلاص، ودون رغبة في تثبيت معنى نهائي. لا تكتب من موقع الاعتراف الشخصي الخالص، ولا من موقع التنظير الأكاديمي الصارم، وإنما من مساحة وسيطة تسمح للتجربة أن تُفكَّك وهي حاضرة، وأن تُرى وهي لا تزال قيد التشكل. الكتاب يفتح مسارًا للتفكير في الأمومة بوصفها تجربة تعيش على التخوم: تخوم الجسد الذي يتغير ويُطالَب بالصبر، تخوم الذاكرة التي تختزن ما لا يُقال، تخوم اللغة التي تعجز أحيانًا عن التقاط ما يحدث، وتخوم السلطة التي تُمارس حضورها عبر الطب، والعائلة، والخطاب الاجتماعي.
لا يسعى الكتاب إلى ترميم صورة الأم أو إعادة تلميعها، ولا ينخرط في خطاب دفاعي يحاول تبرير الألم أو تجميله. ما يقوم به أقرب إلى إزاحة الغطاء عن طبقات صمت تراكمت طويلًا حول التجربة، حتى باتت المعاناة جزءًا غير مرئي من تعريف الأمومة ذاته. هذا التفكيك لا يستهدف نزع القيمة عن الأمومة، وإنما تحريرها من القوالب التي جعلتها عصية على المساءلة، ومن اللغة التي اعتادت التعامل مع وجعها باعتباره أمرًا طبيعيًا، أو ثمنًا لا يستحق التوقف عنده. في هذا الإطار، تبدو الكتابة محاولة لردّ الأمومة إلى إنسانيتها، لا باعتبارها رمزاً أو وظيفة، وإنما بوصفها تجربة وجودية معقدة، تحمل في داخلها القدرة على الحب، والإنهاك، والتشقق، معًا.
وعلى الرغم من أن الكتاب يتوجه في ظاهره إلى النساء والأمهات، إلا أن بنيته العميقة تحمل رسائل حيوية للقارئ الرجل، إذ تضعه أمام مرآة تعيد تعريفه كابن، وكزوج، وكشريك في نظام اجتماعي يقتات على إخفاء النساء. إن فهم الرجل لهذه “الأشباح” هو خطوة ضرورية نحو إدراك حجم العمل العاطفي والبيولوجي غير المرئي الذي يدعم وجوده الشخصي والاجتماعي.
المنظور الحيوي-السياسي: تحطيم “رومانسية الرحم”
تبدأ إيمان مرسال رحلتها بتفكيك واحدة من أكثر المفاهيم رسوخًا في الوجدان الجمعي: فطرية الأمومة وانسجامها المطلق. فبدلًا من الركون إلى الخطاب الرومانسي الذي يصور الحمل كحالة من الهناء الروحي، تعيد الكاتبة الاعتبار للبعد البيولوجي الصادم، حيث يُنظر إلى الجنين، من وجهة نظر علمية صرفة، بوصفه “جسدًا غريبًا” أو حتى “كائنًا طفيليًا” يعتمد كليًا على جسد الأم، وقد يتسبب في إصابتها بأمراض مزمنة أو حتى الوفاة. هذا المنظور البيولوجي يزيح الستار عن مستوى من “العنف” الكامن في صميم عملية الخلق، وهو عنف لا يغيب تمامًا بعد الولادة، بل يتخذ أشكالًا نفسية معقدة في علاقة الأم بطفلها.
إن وصف مرسال لجسد الحامل بأنه “مجرد وعاء” يعكس وعيًا مريرًا بكيفية اختزال المؤسسات (الطبية والأبوية) للمرأة في وظيفتها الإنجابية. هذا الاختزال ينزع الإنسانية عن الأمهات ويحولهن إلى كيانات بيولوجية محكومة بضغط الدم والأملاح، بينما يتم تجاهل ذواتهن المختبئة تحت عباءة “الأم”. ومن هنا، تنبثق أهمية الكتاب للقارئ الرجل؛ فهو يدعوه للتخلي عن النظرة التبسيطية للرحم كـ “مستودع” ساكن، ويدفعه لإدراك أن وجوده الشخصي كان “معركة وجودية” خاضتها امرأة ضد التلاشي.
الأرشيف الفوتوغرافي وظاهرة “الأم المخفية”
في الفصل الثاني من الكتاب، تنتقل مرسال إلى منطقة بصرية مدهشة، حيث تحلل علاقة الأمومة بالفوتوغرافيا من خلال تاريخ “الأم المخفية” في القرن التاسع عشر. في تلك الحقبة، كان المصورون يطلبون من الأمهات التخفي تحت قطع قماش أو ستائر لكي يمسكن بأطفالهن ويضمنّ ثباتهم أمام الكاميرا، بحيث يظهر الطفل وحيدًا في “الكادر” بينما تظل الأم مجرد نتوء غير واضح أو “شبح” يسند الصورة.
تعتبر مرسال هذا الاختفاء المادي استعارة بليغة لوضع الأم في المجتمع الأبوي؛ فهي الكيان الذي يجب أن يمحو نفسه لكي يبرز “المنتج” النهائي (الطفل أو الرجل المستقبلي). بالنسبة للرجل، هذا التحليل يمثل صدمة بصرية تدفعه لإعادة قراءة ألبوماته العائلية. كم مرة كانت أمه “مخفية” لكي يظهر هو في كامل أناقته أو نجاحه؟ إن الكتاب يطالب الرجل بالبحث عن “الأشباح” خلف الستائر، وإدراك أن حضوره في العالم قائم على “انمحاء” مسبق لامرأة أخرى.
وتتعمق مرسال في تحليل صورتها الوحيدة مع أمها التي توفيت وهي طفلة، لتكتشف أن الصور الاستوديوية “الأيقونية” غالبًا ما تفشل في التقاط جوهر العلاقة الحميمية. وتجد حضور أمها الحقيقي ليس في ملامح وجهها المصورة، بل في “طائر” مطرز في قطعة “كانفاه” صنعتها يدا الأم. هذا الأثر اليدوي، بغرزه التي تشبه “الجروح الرمزية”، يمثل بالنسبة لمرسال أرشيفًا أصدق من الصور الرسمية، لأنه يحمل بصمة “الجهد” و”الرغبة” الفردية للأم بعيدًا عن أدوارها المرسومة.
سيمياء “الديناصور”: الذنب كأداة هيمنة اجتماعية
تستخدم مرسال استعارة “الديناصور” لوصف شعور الذنب الذي يرافق الأمومة، وهو وصف استلهمته من ابنها يوسف. هذا الديناصور لا يولد من تقصير حقيقي، بل ينبثق من “المسافة” الفاصلة بين تجربة المعيشة المليئة بالإحباط والغضب وبين النموذج المثالي الذي يفرضه المجتمع.
إن النظام الأبوي يحتاج إلى “الأم المثالية” لكي يضمن إنتاج رجال جاهزين لممارسة السلطة ونساء خاضعات لها. ولذلك، فإن أي أم تشكك في هذه المثالية أو تشعر بالملل أو الرغبة في الفردانية، تواجه فورًا بهذا “الديناصور” الذي ينهش سلامها النفسي. هنا، يبرز تأثير الكتاب على الرجل؛ فهو يدعوه لإدراك أن “صمت” أمه أو “تضحيتها” قد لا تكونان دليلًا على السعادة، بل هما نتاج آلية دفاعية ضد الشعور بالذنب. عندما يفهم الرجل أن “الذنب” هو أداة سياسية واجتماعية لحصار النساء، فإنه قد يبدأ في التخلي عن دور “المراقب” أو “المقيم” لأداء شريكته أو أمه، وينتقل إلى دور المتفهم للشروخ النفسية التي يسببها هذا النظام.
5- اليوميات والمنفى: صراع الذوات وهشاشة “الأم الجيدة”.
في الجزء الثالث، وهو الأكثر حميمية، تقدم مرسال يومياتها مع ابنها يوسف الذي يعاني من مرض نفسي. تكتب عن تجربة الأمومة في المنفى (كندا)، حيث تفتقد شبكة الدعم العائلي التقليدية وتواجه “وحشة” التجربة وحيدة. في هذه اليوميات، نرى صراعًا مريرًا بين “الذات الكاتبة” التي تطلب العزلة والفردانية، وبين “الذات الأم” التي يبتلعها القلق على الابن.
تصف مرسال كيف تضطر للوقوف أمام المؤسسات (المدارس، الأطباء) لتثبت أنها “أم جيدة”، وكيف يتحول تشخيص ابنها بالمرض النفسي إلى “إدانة” ضمنية لأمومتها. بالنسبة للقارئ الرجل، هذا الجزء يوضح التباين الصارخ في الأعباء؛ فالأب (مايكل) يظهر في النص كشريك محب يشارك في طقوس النوم، لكن “العبء الوجودي” والقلق حيال المؤسسات يظل متمركزًا حول الأم. الكتاب يدفع الرجل للتساؤل عن حجم “العمل العاطفي” الذي تتحمله النساء في الظل، وكيف أن “الوالدية” بالنسبة للرجل غالبًا ما تكون دورًا “إضافيًا”، بينما هي بالنسبة للمرأة “إعادة تعريف شاملة للذات” قد تصل حد المحو.
“التعديد” وطقوس الفقد: الربط بين الأجيال.
تقدم مرسال في كتابها شخصية (النائحة المحترفة) في الريف المصري، وهي شخصية كانت تساعد العائلات المكلومة على إدراك حقيقة الموت من خلال أداء “التعديد”. تربط مرسال بين هذه الطقوس وبين تجربتها الخاصة؛ فالأمومة هي نوع من “الحداد المستمر” على الذات القديمة التي تلاشت بعد الولادة.
في واحد من أقسى مشاهد الكتاب، تحكي عن جدتها عقب دفن أمها. المرأة القوية المسيطرة، التي لم ترها الكاتبة من قبل في هذا الوضع، تلطخ وجهها بالطين، تشق جلبابها، وتنهال ضربًا على ثدييها العاريين أمام الجميع. لا تصف مرسال المشهد بوصفه نوبة جنون أو انفلات عاطفي، بل تُحمّله معنى رمزيًا بالغ القسوة: إن الجدة «تعاقب» ثدييها على فطام ابنتها النهائي بالدفن. هنا يتحول الجسد إلى أرشيف للذنب، وتتحول الأمومة إلى علاقة لا تنتهي بالفطام، بل تستمر كدين مؤجل، وكشعور بالمسؤولية حتى بعد الموت.
هذا المشهد لا يتحدث عن الفطام كحدث بيولوجي، بل عن استحالة الانفصال الكامل بين الأم وطفلها. إنه يضع القارئ، خصوصًا الرجل، أمام تصور مغاير جذريًا لـ”العلاقة بالأم”: ليست رابطة حنان صافٍ، ولا ذاكرة طفولة مطمئنة، بل سلسلة من الانفصالات القسرية، المشحونة بالذنب والندم والشعور الدائم بالتقصير. حين يقرأ الرجل هذا المشهد، يبدأ في فهم الحزن المتخفي في أصوات الأمهات، وفهم لماذا يظل الجسد الأنثوي حاملًا لآثار علاقات انتهت ظاهريًا، لكنها لم تُدفن أبدًا في الذاكرة.
تأثير الكتاب على الرجل: من “المشاهد” إلى “المتورط”.
على الرغم من أن إيمان مرسال تكتب من موقع “الأم”، إلا أن القارئ الرجل يجد نفسه “متورطًا” في النص عبر عدة مستويات:
1. إعادة اكتشاف “الأم” كإنسان: الكتاب يجرّد الأم من قداستها المزيفة ليعيد إليها بشريتها. الرجل الذي اعتاد على رؤية أمه كـ “منبع للحنان” يضطر لمواجهتها كمرأة لها طموحات محبطة، وغضب مكبوت، وأشباح تلاحقها. هذا الوعي يغير طبيعة “الامتنان” من عاطفة سطحية إلى “اعتراف” بحقوق مسلوبة.
2. فهم “العمل غير المرئي”: يسلط الكتاب الضوء على “القلق اليومي” الذي تعيشه الأم تجاه صحة الأبناء، وتعليمهم، ونظرة المجتمع إليهم. الرجل، الذي غالبًا ما يكتفي بدور “المعيل” أو “المساعد”، يكتشف أن هناك جيشًا من “الأشباح” النفسية التي تهاجم شريكته في الظلام، وهو ما قد يدفع لنموذج جديد من الوالدية يقوم على “تقاسم القلق” لا فقط “تقاسم المهام”.
3. تحطيم “السلطة الأبوية” من الداخل: من خلال إبراز كيف أن النظام الأبوي يبتلع هوية الأم لصالح إنتاج “رجولة” معينة، يبدأ الرجل في التساؤل عن مدى أصالة “رجولته” نفسها. هل نجاحه كان ثمنه انمحاء شخصية أمه؟ هذا التساؤل الوجودي هو بذرة لتفكيك الذكورية التقليدية والبحث عن علاقات أكثر إنسانية.
4. اللغة والهوية في المنفى: بالنسبة للرجل المهاجر، يقدم الكتاب رؤية حول صعوبة نقل الهوية للأبناء. إن صراع مرسال مع “اللكنة” والأغاني التي لا تنتمي لتربتها يلمس وترًا حساسًا لدى أي أب يحاول بناء جسر بين ثقافتين، موضحًا أن “اللغة الأم” هي الحامل الحقيقي للذاكرة، وأن فقدانها هو فقدان لجزء من “الالتئام” العائلي.
سيمياء “الالتئام”: جراحة الذاكرة والبحث عن مخرج.
تخلص مرسال إلى أن “الالتئام” لا يعني الشفاء التام، بل هو “ترميم” مستمر للشرخ الذي أحدثته الأمومة في الذات. الكتاب في جوهره هو تمرين على “الرؤية بالاتجاهين”: الأم التي تنظر للمستقبل (طفلها) وللماضي (أمها) في آن واحد.
إن استخدامها لمفهوم “الوخزة” (Punctum) الذي اقترحه رولان بارت، يشير إلى أن الحقيقة لا توجد في الأطر الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة والهامشية؛ في طائر الكانفاه، في “التعديد” قبل النوم، في “الفراشة” التي تطير في رأس الطفل. هذه التفاصيل هي التي تسمح للذات بأن تلتئم، لأنها بعيدة عن متناول السلطة التي تحاول تنميط التجربة.
خاتمة: الأمومة كأفق إنساني رحب.
إن هذا الكتاب ليس مجرد عمل نسوي، بل هو نص فلسفي رفيع يطالبنا بإعادة النظر في مفهومنا عن “الإنسان”. بالنسبة للمرأة، هو وثيقة تحرر تمنحها الحق في أن تكون غير كاملة، وفي أن تغضب، وفي أن تشعر بالذنب دون أن تُدان. أما بالنسبة للرجل، فهو “رحلة استكشافية” في الأراضي المجهولة للذات الأنثوية التي تحيط به، ودعوة صادقة للخروج من دور “المشاهد” السلبي للأيقونة، والمشاركة في حمل “الأشباح” لكي يصبح الالتئام ممكنًا للجميع.
تؤكد إيمان مرسال أن “الموت أرحم من المرض النفسي”، لأن المرض يسلبنا القدرة على امتلاك ذكرى مستقرة للشخص. ولكن، عبر الكتابة، وعبر الأرشفة الصادقة لتلك الشروخ، تستطيع مرسال -ويستطيع القراء معها- أن يخلقوا “ذاكرة بديلة” تسمح بالعيش بجانب المعاناة وفي هامشها، محولين “الأشباح” من مصادر للرعب إلى رفاق في رحلة البحث عن المعنى. إن “كيف تلتئم” هو دعوة لكل ابن وزوج وأب لكي ينظر في عيني “الطائر الساكن” في كانفاه حياته، ويدرك حجم الجروح التي بُذلت لكي يكتمل وجوده.


