في مسلسل الرسوم المتحركة الشهير “أليس في بلاد العجائب” تقف البطلة الطفلة وصديقها الأرنب عند مفترق طرق سائلة أرنبها وقد بدت على ملامحها الدهشة: أي الطرق أسلك؟ فسألها صديقها: إلى أين تريدين الذهاب؟ فقالت أليس: إلى أي مكان فقال القط الحكيم: إذن فكل الطرق تؤدي إلى هناك!
كثيرًا ما يستشهد بهذا الحوار على أهمية التخطيط، ووجوب تحديد الوجهة قبل ولوج أي طريق، ومحاولة الاستيثاق من إفضاء الطريق إلى الوجهة المنشودة.
غير أني أجد فيه دلالة على معنى آخر متصل بما تحدثنا عنه في المقال السابق المسمى “هل العالم قرية صغيرة حقًا؟” وهو اتصال الجميع بالجميع، وكل شيء بكل شيء، وأن كل الطرق يمكن أن تؤدي بوسائط قليلة -وإن كثرت- إلى كل مكان، وأن كل مخلوق مهما صغر حجمه أو كبر يمكن لمن تأمله أن يجد مخلوقات الدنيا كلها فيه إما من جهة المواد والعناصر المكونة له، أو من جهة القوانين الحاكمة لوجوده وحركته وعلاقته بغيره تأثيرًا وتأثرًا؛ فالمجرة كما سبق وذكرنا منطوية في الذرة، والصغير يدل متأمله على الكبير.
عن جدتي العالمية وترابط المصريين
قديمة هي وشائعة بين المصريين عباردة تقول “الدنيا صغيرة” وغالبًا ما تستعمل للتعبير عن الدهشة ومحاولة تفسير مفارقة تظهر في موقف اجتماعي ما حين يتحدث شخصان فيقودهم الحديث إلى ذكر شخص ثالث بعرفه كل منهما لكنه لا يعرف أن محدثه يعرفه، فإذ بأحدهما يقول للآخر: أتعنى فلان الفلاني الذي يقيم في موضع كذا، أو الذي يعمل كذا، أو أخو فلان، أو زوج فلانة، أو غير ذلك من ع…
يحكي لي طبيب من أصدقائي عبارة يكرره أستاذه الدكتور حسين خيري، جراح الأوعية الدموية، وعميد كلية الطب بالقصر العيني بجامعة القاهرة، ونقيب الأطباء في مصر لدورتين متتاليتين كان يقول لطلابه من الأطباء والباحثين: لا تخافوا ولا تزهدوا أن تتعلموا أو تبحثوا أي مسألة من مسائل العلم وإن ظننتم بعدها عن مجال تخصصكم فإن العلوم كلها متصلة منفتحة على بعضها. بالعامية المصرية “العلم كله منفد على بعضه”.
وكلامه هذا صحيح تمامًا، وهو منطبق على العلوم كلها لا الطب وعلومه فقط، إذ يمكنك الانطلاق من كلمة واحدة في أي موضوع أو أي علم من العلوم إلى الكلام عن كل شيء في الدنيا، وذلك عبر تقنية الاستطراد وهو: الخروج عن موضوع إلى موضوع آخر لمناسبة، وذلك أن الشيء بالشيء يُذَكِّر (أو يُذْكَر) وتقنية الاستطراد هذه التي كان شراح النصوص يستخدمونها قديمًا شبيهة جدًا بما يسميه المعاصرون من مصممي مواقع الانترنت (Hyperlinks) (بالعربية: هايبر لينكس، أو الارتباط التشعبي)، وتعني استخدام نص أو صورة لربط صفحتين أو أكثر من صفحات الانترنت ببعضها)، وعبر هذا الارتباط التشعبي يمكننا الانطلاق من كلمة واحدة أو صورة أو حرف أو رقم إلى صفحة فثانية فثالثة فهلم جرًا، على من بين هذه الصفحات والموضوعات من تباعد أو تباين مظنون، وبتقنية الاستطراد هذه يمكن شرح سطر من كتاب في مجلدات طوال، وذلك بجعل كل لفظة من السطر المراد شرحه عنوانًا لموضوع جديد نفصِّل في شرحه بيانه، وقد ننتقل من الموضوع الجديد إلى موضوعات أخرى متصلة به، وكذلك نفعل مع كل لفظة وكل موضوع.
ولنضرب مثالًا على فكرة الاستطراد هذه (أو الارتباطات التشعبية) ولننظر إلى أين يمكن أن تقودنا، وليكن المثال المضروب هو جملة وردت قبل قليل وهي “الدكتور خسين خيري، جراح الأوعية الدموية، وعميد كلية الطب بالقصر العيني بجامعة القاهرة، ونقيب الأطباء في مصر لدورتين متتاليتين”.
جملة موجزة تضم تسع عشرة كلمة تبدو وكأنها في موضوع واحد، غير أنها عند التحقيق والتدقيق تُظهِر لنا من الموضوعات ما قد يتجاوز أضعاف عدد كلماتها، فتبدأ بالكلمة الأولى “الدكتور” ونتحدث عن أصل هذا اللفظ، وتاريخ تطوره، ومعناه/ وأول الملقبين به، وفكرة الألقاب، ودلالاتها الاجتماعية والطبقية في الفترات المختلفة من الزمان أو في البلدان المختلفة من العالم، ثم نتحدث عن الدرجات العلمية المختلفة (رسمية أو غير رسمية) وأهميتها، وتاريخ تطورها، وعن التأهيل العلمي، وضرورته، وعن التخصص، واحترام أقوال المتخصصين في كل مجال؛ فهذه خمسة عشر موضوعًا يمكن الحديث عنها، وعن غيرها كثير مما لم نذكر، وكلها ذات صلة بالكلمة الأولى فقط من الجملة محل المثال.
وأما ثاني الكلمات “فحسين” معناها، وأشهر المسمين بها، وسيرهم، وانتقال الاسم إلى لغات أخرى، وتحوله إلى “خوسيه” و”جوسيه” و”جوزيه” وظاهرة انتقال الأسماء خصوصًا أو الألفاظ عمومًا بين اللغات، وما يستتبعه هذا الانتقال من تحول في بنية الكلمة وذلك رعاية للنظام الصوتي للغة المنتَقلَ إليها، ونماذج لهذا الانتقال وذلك التحول من العربية وإليها؛ فهذه عشرة موضوعات يطول في كل واحد منها الحديث جدًا، كما يمكن إضافة غيرها إليها مما له علاقة مباشرة بالكلمة أو الموضوعات المتصلة بها.
ثم ننتقل إلى الكلمة الثالثة “خيري”، ثم نضم الكلمات الثلاث لنتحدث عنها مجتمعة “الدكتور حسين خيري” فنذكر سيرته، وولادته، والمدينة التي ولد بها، وتاريخها، ومن مر بها أو عاش فيها من العلماء والوجهاء والقادة، ثم نذكر والده الدكتور محمود خيري أستاذ ورئيس قسم جراحة الأوعية (نفس القسم الذي سيترأسه ابنه بعده)، وهو صاحب العملية الجراحية الشهيرة علميًا (حساب-خيري)1 التي يدرسها الأطباء إلى الآن، ونتحدث عن شريكه في العملية الدكتور محمد أبو الفتوح حساب2، وعن تاريخ علم الجراحة، وأشهر الجراحات، وأخطرها، وأشهر جراحي العالم اليوم، ومن أراد الغوص هنا فقد يبتلعه البحر الذي لا ساحل له: أعني علم الجراحة، وتفاصيله، وما يتصل به من العلوم.
ثم نتحدث عن والدة الدكتور حسين خيري، وهي الدكتورة ليلى الأحمدي الظواهري أستاذ الأمراض الباطنية3، ونتحدث عن سيرتها، وتاريخها، وعلمها، وعن والدها المستشار محمد محمد الأحمدي، وجدها فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد الأحمدي الظواهري4. شيخ الجامع الأزهر المتوفى سنة 1363 هـ/1944 م والذي تأسست في عهده الجامعة اأزهرية. مما سيقودنا بطبيعة الحال إلى الحديث عن الأزهر الشريف، وتاريخه، وتحوله من جامع إلى جامعة، وعن الفارق بين نظم الدراسة والتعليم في كل منهما، ثم عن واقع التعليم الشرعي اليوم في بلاد العالم الإسلامي كافة، ثم عن التعليم عمومًا سواءً النظامي منه أو غير النظامي، وعن سياسات التعليم في عالمنا العربي، وعن مكانة العلم ومعاناة العلماء والباحثين في زماننا، وعن التعليم الأساسي، والجهل، والأمية، وعن علاقة العلم بالتربية الأخلاقية، وعن أزمة الأخلاق وعلاجها، وعن .. وعن .. وعن .. مما لا يحصى من الموضوعات التي انطلقنا إليها جميعًا من الحديث عن “الدكتور حسين خيري” وهي أول ثلاث كلمات من الجملة المثال.
وكأني أشعر الآن بانقطاع الأنفاس وأنا أحاول الركض من موضوع معرفي إلى آخر، حريص على معرفة طرف منها جميعًا، بي فضول طالب العلم، والباحث عن الحقيقة، والراغب في المعرفة، غير أني كالهائم على وجهه، أسير على غير هدى، وأخبط خبط عشواء، كلما لاح لي بارق تبعته، وما أعجبني سبيل (لم أكد أسير فيه خطوة أو خطوتين) إلا وأعجبتني أحد الأزقة المتفرعة عنه فأسلكها، وهكذا دواليك، فلا أنا أصل إلى وجهة مرادة، ولا أنا من نهمة البحث أشبع، ومن ظمأ المعرفة أرتوي، وحالي هذا مع العلوم يذكرني بأمر أفعله أحيانًا ثم علمت أن لي صديق يفعله ولم أكن أعلم، وذلك أني أحيانًا أركب أحد وسائل المواصلات العامة من غير أن أعرف وجهتها، ثم أنزل في محطتها الأخيرة لأركب مواصلة أخرى لا أعرف وجهتها كذلك، ثم أحاول التعرف على المكان الجديد الذي أوصلتني إليه هذه الاختيارات العشوائية، وكم وجدت في مثل هذه الرحلات عديمة الوجهة المحددة مسبقًا من فوائد ومتع وكنوز، ومثل ذلك الفعل تنقلي بين أروقة المكتبات أطالع عناوين الكتب وأسماء المؤلفين، ثم ألتقط منها ما يروقني أو يلفتني، ثم أقرأ فهرسه، وربما مقدمته، وبعض ما يجذبني من عناوينه الداخلية.
وما أشبه هذا بقول القائل5 يؤنب نفسه ويعاتبها:
أما لو أعي كل ما أسمع … وأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعت … لقيل هو العالم المقنع
ولكن نفسي إلى كل شيء … من العلم تسمعه تنزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعت … ولا أنا من جمعه أشبع
وأحضر بالعيّ في مجلس … وعلمي في الكتب مستودع
ومن يك في علمه هكذا … يكن دهره القهقري يرجع
إذا لم تكن حافظًا واعيًا … فجمعك للكتب ما ينفع
و”ما” الأخيرة هذه قد تكون نافية (بمعنى لا ينفع)، وقد تكون استفهامية (بمعنى ما الذي ينفعك من جمعك لكل هذه الكتب؟)، وبفرض أنها الثانية؛ فنقول مجيبين: إن معرفة مظان العلم نصف العلم.
أي أن جمع الكتب ومطالعتها عشوائيًا مع عدم دراستها دراسة منهجية متعمقة ليس أمرًا عديم الفائدة كما توحي الأبيات السابقة ولكنه أمر مفيد جدًا في توسيع المدارك وشحذ الذهن بتعرضه إلى موضوعات معرفية متنوعة بحيث يشدو بطرف منها جميعًا، حتى إذا ما رغب في تعميق اطلاعه على أمر ما علم أين يجده.
نعم، لا تصلح هذه الطريقة وحدها لاكتساب المعرفة، بل لا بد من المزج بينها وبين الدراسة المنهجية ذات الأهداف الواضحة والخطوات المرتبة، على أن تكون الغلبة في الوقت والجهد للمنهجي على التشعبي الاستطرادي، لكن من غير أن يُكتفَى بأحدهما عن الآخر.
وهنا نعود إلى الموقف الافتتاحي للمقالة، فإذا كانت أليس تريد الوصول إلى وجهة محددة فعليها أن تسأل الخبراء حتى تعرف الطريق الموصلة إلى هذه الوجهة، أما إذا كانت في رحلة استكشافية فلتستمتع بسلوك أي طريق شائت فإن الكنز حينئذ في الرحلة لا في الوجهة، وإذا لم تكن ثمة وجهة واضحة فلتستمع إلى نصيحة صديقها الأرنب الحكيم. فإن جميع الطرق حقًا تؤدي إلى هناك.
هي إجراء جراحي اختياري لعلاج دوالي المريء لدى المرضى الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم البابي نتيجة لتليف الكبد. يتكون الإجراء الجراحي من شق يتعلق بتغيير مسار الجهاز الهضمي، وشق يتعلق بتغيير مسار التغذية الدموية له. تم إنشاؤه من قبل الدكتور محمد أبو الفتوح حساب ، أستاذ الجراحة العامة بجامعة الإسكندرية، بالمشاركة مع الدكتور محمود خيري أستاذ جراحة الأوعية بجامعة القاهرة. وهو إجراء جراحي يقع ضمن حزمة من الإجراءات الجراحية التي تهدف إلى إزالة الاحتقان في دوالي المرئ. ورغم توقف الاعتماد عليه في عمليات الدوالي إلا أن تدريس الإجراء الجراحي لم يتوقف في كليات الطب في العالم بوصفه كان تطورًا هامًا في تعامل الطب مع تليف الكبد في الممارسة الطبية الحديثة.
جراح مصري. اشتهر بوصفه عملية سميت بعملية حسّاب لعلاج نزيف دوالي المريء.ولد حسّاب بمحافظة سوهاج في 2 ديسمبر 1913، وحصل على بكالوريوس الطب والجراحة سنة 1940، ثم درجتي الدبلوم سنة 1943 والماجستير سنة 1946 من جامعة القاهرة. تدرج في وظائف هيئة التدريس من معيد إكلينيكي للجراحة سنة 1944 حتى رأس أقسام الجراحة سنة 1970. بعد تقاعده عمل أستاذًا متفرغًا بجامعة الإسكندرية منذ سنة 1974. حضر العديد من المؤتمرات الدولية، ودعته كثير من جامعات العالم لإلقاء محاضرات بها.
أستاذة ورئيسة أقسام الباطنة العامة بكلية طب القصر العيني.
محمد الأحمدي بن إبراهيم الظواهري (1295 - 1363 هـ) أول شيخ قبيلة عربية يلي مشيخة الأزهر، وفي أيامه أنشئت الجامعة الأزهرية الحديثة ومجلة الأزهر ومطبعته. وفي عهده أرسلت بعوث الدعوة إلى الصين واليابان والحبشة والسودان للدعوة إلى الإسلام. من كتبه كتاب «العلم والعلماء» صودرت نسخه وقت صدوره وأحرقت. وكتاب «براءة الإسلام من أوهام العوام» لا يزال مخطوطا.
ابن يسير الرياشي. كان شاعرًا عربيًا من العصر العباسي، وُلِد في البصرة وكان مولى لبني رياش. عاش حياته في البصرة، حيث امتلك بستانًا وكان مولعًا بتربية الحمام، كما اشتهر بظُرفه وحبه للمؤانسة، لكنه كان بخيلًا في إنفاقه. تميز شعره بالسلاسة والعذوبة، وتناول موضوعات متنوعة مثل الغزل، والهجاء، والوصف، والرثاء، لكنه لم يمدح الحكام في شعره. كان له اهتمام خاص بالطبيعة، وكتب قصائد يصف فيها الطير والحيوان، كما رثى بستانه الذي أماته الشتاء. نُشِرت أشعاره في مجلة المشرق عام 1955، ثم أُعيد نشر ديوانه في 1987 بتحقيق بشير العتري، وفي 1996 بتحقيق مظهر الحجي.






أنا ما أشد معجبين قصة آليس لي عودة للقراءة