قديمة هي وشائعة بين المصريين عباردة تقول “الدنيا صغيرة” وغالبًا ما تستعمل للتعبير عن الدهشة ومحاولة تفسير مفارقة تظهر في موقف اجتماعي ما حين يتحدث شخصان فيقودهم الحديث إلى ذكر شخص ثالث بعرفه كل منهما لكنه لا يعرف أن محدثه يعرفه، فإذ بأحدهما يقول للآخر: أتعنى فلان الفلاني الذي يقيم في موضع كذا، أو الذي يعمل كذا، أو أخو فلان، أو زوج فلانة، أو غير ذلك من علامات وصفات مميزة للمحكي عنه، فيقول الآخر: نعم هو، أتعرفه؟ فيقول: نعم، عملت معه عام كذا في المكان الفلاني ثم يذكر طرفًا من علاقتهما، فيقول الآخر الذي اكتشف هذه الصلة المذكورة توًا: “سبحان الله .. الدنيا صغيرة”.
لعل كل واحد من القراء قد حصل معه هذا الموقف أو ما يشبهه مرات متعددة خلال حياته، ولعل في كثير من هذه المواقف إدهاش وطرافة وعجب، وأرجو أن تذكروا في التعليقات طرفًا مما حصل معكم شخصيًا من ذلك.
وأحكي لكم موقفين لا ينقضي منهما عجبي وإن تذكرتهما أو ذكرتهما ألف مرة، أولهما حصل معي وأسميته “جدتي العالمية”، والثاني حصل مع صديق عزيز عليّ وأسميته “ترابط المصريين”، ثم ندلف من هذين الموقفين إلى الإشارة لعلم الشبكات، ثم خريطة العلوم، ثم ومضة من علم العقيدة وعلم التصوف الإسلاميين.
جدتي العالمية
كنت في مطلع الشباب وتحديدًا في العام الأول من العشرينات، أسكن مع أهلي في أحد أحياء القاهرة الحديثة نسبيًأ، ولي صديق قريب من عمري يسكن مع أهله في أحد أحياء الجيزة العريقة، وقد زار حيَّنا في إحدى الليالي، وتمشينا في شوارع الحي نتسامر عما أهمنا من أمور حينئذ، وانتهى بنا المسير إلى مكان صادفنا فيه أبي -رحمه الله- فسرنا نحوه مسَلّمين، وكانت المرة الأولى التي يلتقي فيها صديقي هذا بأبي، فسأله الوالد عن اسمه، وأين يقيم؟ ثم سأله عن أصل عائلته من أي البلاد هم؟ ثم سأله عن القرية، وأنا أزداد تعجبًا من أجوبة صديقي واحدًا تلو الآخر؛ إذ تبين أن أهله من نفس المحافظة التي نشأ بها أبي، بل من نفس المركز، فلما أجاب صديقي باسم القرية وإذ بها القرية نفسها سأله أبي: أأنت ابن فلان أم فلان؟ -وكلا الاسمين ليس الاسم الذي أعرفه لوالد صديقي- فأجاب متعجبًا بثاني الاسمين المذكورين، وإذ بأبي يسأله عن جدته فلانة؛ فيجيب أنها بخير وأنهم يزورونها كل عيد في اليوم الأول منه، وإذ بجدته هي نفسها جدتي التي نزورها كل عيد في اليوم الثاني منه، ولذلك لم يحدث أن التقيت عندها أبدًا بصديقي الذي أدركت الآن أنه قريبي، وأني وإياه نلتقي في رحم جدة قريبة تفرق نسلها في أرجاء الدنيا حتى لم يعد كثير منهم يعرف بعضهم بعضًا، وقد أحصينا منهم قبل وفاتها أكثر من مائة وخمسين موزعين على أربعة أجيال ثم توقفنا عن الإحصاء قبل وفاتها بسنوات، ولعلم الآن صعف هذا الرقم على الأقل، ولعل أحدهم في أقصى الأرض الآن يلتقي بأحدهم في أقصاها الآخر ثم يتعارفان ويتحدثان عن أصولهما ليقول أحدهما للآخر نفس ما قلته لصديقي الذي تبين أنه قريبي، ونفس ما يقوله المصريون في المواقف المشابهة: الدنيا ضيقة!
ترابط المصريين
لي صديق مصري ذهب يومًا إلى الهند في إطار رحلة تعليمية وتعرف هناك على زميل أوكراني مشارك في نفس البرنامج التعليمي، ثم كان من تعارفهما أن قال الأوكراني للمصري: لقد التقيت قبل ثلاث سنوات في روسيا برجل مصري تذكرني طريقتك في الحديث به، فقال صديقي: تعرف فلانًا؟! ففغر الأوكراني فاه مندهشًا وقال للمصري: هل كلكم في مصر تعرفون بعضكم معرفة وثيقة هكذا؟!
غني عن البيان أن ليس كل المصريين يعرفون بعضهم، ولنكنها مفارقة “الدنيا الصغيرة” مرة أخرى التي جعلت أوكرنيًا يلتقي مصريًا في روسيا ثم يلتقي بعدها بسنوات مصريًا آخر في الهند ثم يشاء القدر أن يكون كلا المصرييْن هذين أصدقاء منذ الطفولة وبهذه الصداقة علم المصري الثاني (في الهند) من يكون المصري الأول الذي التقاه الأوكراني في روسيا.
عن مفارقة الدنيا الصغيرة -على اتساعها- وعن عالمنا الصغير المتشابك يتحدث عالم الشبكات الشاب “دانكن واتس”1 في كتابه “علم الشبكات وأسرار الدرجات الست”2 في قص شيق لتاريخ نشأة وتطور هذا العلم الحديث نسبيًا، وقد ذكرني الكتاب وأنا أقرؤه بمقالة قرأتها منذ سنوات للشيخ أنس السلطان3 اسمها “الله والعلم وجوجل”4 كان يتحدث عن خريطة العلوم وخريطة العالم وبيان ما بينهما من اتصال.
يتحدث واتس في الكتاب المذكور عن الفكرة التي مفادها أنه بين أي شخصين في العالم وإن تباعدا مكانيًا وعرقيًا وثقافيًا ست درجات فقط على الأكثر، وهي فكرة ذاعت وراجت في عدد من الاعمال الأدبية والسينمائية وغيرها، وينطلق منها الكتاب للحديث عن تطبيقات علم الشبكات في علم الاجتماع والاقتصاد والفيزياء والهندسة والإدارة وغيرها.
وما أشبه فكرة العالم الصغير -على اتساعه- بفكرة العلم القليل -على تطوره وتشعبه واتساعه أيضًا- وقد صدق الله عز من قائل إذ يقول “وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا” (الإسراء 85). وشبيه بهذا المعنى قول الخضر لموسى -عليهما السلام- وقد كانا في سفينة فهبط عليها طائر صغير الحجم فشرب قطرات من ماء البحر (أي: النهر العظيم) ثم طار، فقال الخضر لموسى -عليهما السلام- ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ العصفور من هذا البحر!5
قلت سبحان من جلت قدرته وأحاط بكل شيء علمه، إذ علوم الناس كل الناس قليلة وإن كثرت، شديدة الاتصال والتقارب وإن تباعدت، كما أن أعداد البشر على هذه الأرض قليلة وإن كثرت، شديدة الاتصال والتشابه وإن تباعدت وتنوعت، وفي هذا المعنى نجد قول الله تعالى “ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة” (لقمان 28) فكل كثير عند الخلق هو عند الله قليل، وفي معنى التشابه والتقارب والاتصال نجد آيات كثيرة في كتاب الله، منها قوله تعالى “هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها” (الأعراف 189). فالناس وإن كثرت أعدادهم فقد انحدروا من نفس واحدة، واجتمعوا في رحم واحدة، وما تنوعهم واختلاف أعراقهم إلا ليتمايزوا ويتعارفوا “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا” (الحجرات 13). ولكن هذا التمايز لا يفيد تفاضلًا أو فضلًا لعرق على آخر عند الله إذ يقول في اآية نفسها “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” (الحجرات 13). وهذا التذكير بالأصل الواحد المؤدي إلى التشابه والتقارب والاتصال نجده في كثير من الأحاديث النبوية الشريفة كقوله صلى الله عليه وسلم “لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى” (الترمذي 3955).
وحديث إخراج البشر جميعًا من ظهر أبيهم آدم مشهور، وفي معناه قول الله تعالى “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا” (الاعراف 172) أي أن البشر جميعًا -وإن تكاثروا وتباعدوا في البلدان والأديان والأعراق والألسن- كانوا يومًا ما مجتمعين في ظهر رجل واحد، كما أن الكون كله من سماوات وأراضين كانت مجتمعة في نقطة واحدة ثم انفجرت وتنوعت وتباعدت ولا تزال تتباعد “وإنا لموسعون” (الذاريات 47)، وهذا الاتصال والاتحاد السابق على الانفصال والابتعاد أخبرنا به ربنا سبحانه في قوله “أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون” (الأنبياء 30).
هذه الكثرة وهذا التنوع في كل من البشر والكون مرجعهما إلى القلة، وفي هذه القلة من الإعجاز المذهل العجيب ما لا يقل عما في الكثرة، و”إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب” (الحج 73)، ولذلك جاء التعقيب القرآني على هذه القلة التي لا تقل في إعجازها شيئًا عن الكثرة بتذكير سبحانه لخلقه بقلة الكثرة مهما كثرت، ولكن الناس “ما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون” (الزمر 67).
من القلة جاءت الكثرة، وإلى القلت تعود الكثرة، وليس للخلق قدرة ولا قول، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله. لذلك قال بعض الصالحين: “انتبه .. أنت به” (أي أنت قائم في حلك وترحالك بالله عز وجل)، ومن هنا قالوا بأن معاني القرآن كلها مجموعة في الفاتحة، ومعاني الفاتحة مجموعة في الباء (التي في بسم الله الرحمن الرحيم)، زاد بعضهم على ذلك فقال: ومعاني الباء مجموعة في نقطتها. وذلك بأنه من فهم أنه وأن الكون كله بالله فقد فهم أجلّ ما يفهمه الفاهم من القرآن، وإذا كان الكون كله بالله لا بنفسه فإنه بكل ما فيه من معرفة ووجود ليس إلا كنقطة، ما أقلها من نقطة وما أجلها! وكل كبير كثير في هذه النقطة فهو إلى جنب الله قليل؛ فالله أكبر.. والله أكثر …
كما أن كل قليل صغير في هذه النقطة فهو بالله كبير معجز جليل كثير، كما قال الإمام علي -عليه السلام- عن الإنسان إذ قال:
دواؤك فيك وما تشعر … وداؤك منك وما تبصر
وأنت الكتاب العظيم الذي … بداخله يظهر المضمر
وتزعم أنك جِرمٌ صغير … وفيك انطوى العالم الأكبر
نعم والله .. الإنسان كتاب عظيم بداخله يظهر المضمر لمن يتأمل فيه وتفكر ونظر “وفي أنفسكم أفلا تبصرون” (الذاريات 21) ؟! ليس في الإنسان فقط، بل في الأرض كلها “وفي الأرض آيات للموقنين” (الذاريات 20) لذلك أمرنا بتأمل كل ما فيها وما حولها والنظر فيه نظر المسترشد المستهدي.
“أفلا ينظرون إلى الإبل؟!
كيف خُلِقَت؟
وإلى السماء ..
كيف رُفِعَت؟
وإلى الأرض ..
كيف سطحت؟”
الغاشية 18:20
وبهذا النظر وذلك التأمل تحصل الهداية، لذلك يعقب القرآن بعد هذه الأسئلة المحفزة بقوله للنبي صلى الله عليه وسلم “فذكر .. إنما أنت مذكر” (الغاشية 21).
نظرهم سيقودهم إلى معرفة الحقيقة المركوزة في فطرتهم والتي لا يحجبهم عنها إلا اتباع الهوى، وذلك أن دوائهم فيهم وما يشعرون، وداؤهم منهم وما يبصرون!.
في الذرة الواحدة مجرة كاملة لو كانوا يتأملون، وجميع المجرات لا تزيد عن الذرة شيئًا لو كانوا يعلمون.
أستاذ مساعد في علم الاجتماع بجامعة كولومبيا، وعضو بهيئة التدريس الخارجية لمعهد «سانتا في». يحمل «واتس» درجة الدكتوراه في الميكانيكا النظرية والتطبيقية، ونُشِرت له أعمال في دوريات العلوم الطبيعية والاجتماعية. ويعيش حاليًّا في مدينة نيويورك.
يتناول الكتاب كيف تؤثر الشبكات على مختلف جوانب الحياة، من انتشار الأوبئة إلى ديناميكيات الأسواق المالية، ومن العلاقات الاجتماعية إلى الأنظمة التكنولوجية.الكتاب يشرح مفهوم “الدرجات الست للانفصال”، وهي الفكرة التي تشير إلى أن أي شخص في العالم يمكن أن يكون مرتبطًا بأي شخص آخر عبر سلسلة من ستة أشخاص فقط. كما يناقش كيف يمكن لهذه الشبكات أن تؤثر على انتشار المعلومات، واتخاذ القرارات، وحتى الابتكار والتكيف مع التغيرات. إذا كنت مهتمًا بقراءته، يمكنك تحميله مجانًا عبر مؤسسة هنداوي من هنا.
أنس السلطان هو داعية أزهري ومؤسس مدرسة (شيخ العمود)، وهي مدرسة تهدف إلى تعليم العلوم الإسلامية لغير المتخصصين، بالإضافة إلى تقديم دورات في العلوم الإنسانية والطبيعية واللغوية. له حضور بارز في المجال الدعوي والتعليمي، حيث قدم العديد من المحاضرات والدورات حول الفقه والعقيدة والتزكية، مثل سلسلة “ما لا يسع المسلم جهله” التي تتناول أساسيات الدين الإسلامي. كما له اهتمام بالتصوف والتربية، وكتب مقالات حول الصيام والنية وأهمية المبادرة في الحياة .بالإضافة إلى ذلك، له مشاركات في المجال الإعلامي، حيث ظهر في عدة مناسبات للحديث عن قضايا دينية وثقافية
أخرجه الترمذي (3149)



