عند النظر في طفولتي وجدتُ أننا كنا نجلس أمام التلفاز لنضحك، لا لنفكر أو نحلل. كنت أرى شمشون يطارد سر وصفة سلطع برجر ويحيك الحيل على سبونج بوب، بينما يركض شرشبيل خلف السنافر لعله يصطاد واحدًا، فأنتظر النهاية المعتادة: خطة جديدة يتبعها فشل جديد، ثم ضحكة سريعة قبل أن تبدأ الحلقة التالية. لم تكن مخيلتي آنذاك تدرك أن بعض الشخصيات الكرتونية ما هي إلا صورة أخرى للأبعاد الانسانية، مرايا صغيرة تعكس عيوبًا أعقد.
كبرت وعرفت أن شمشون لم يكن يطارد وصفة طعام بقدر ما كان يطارد وهمًا يُسمى ماذا لو امتلكت ما عند غيري؟ هل سأصبح ناجحًا؟ ما كره شرشبيل السنافر، وإنما كان أسير هدف واحد ضاق به العالم فلم يعد يرى سواه.
ما بين شمشون وشرشبيل خيط خفي يجمعهما، وهو عدم الرضا بما حازوا: أما شمشون فكان يقف يوميًا أمام نجاح سلطع برجر، في وقت كان مطعم الدلو الخاص به عاجز عن اجتذاب الزبائن على مدار أيام متعددة. أدام شمشمون التحديق في سر حسب أنه سيجلب له السعادة المفقودة. في الحقيقة، لم ينقصه لا المطعم ولا الأفكار ولم تنقصه حتى الأحلام؛ لكنه آمن أن ما عند غيره سيجعله سعيدًا أو ربما ناجحًا؛ لذا قضى عمره يطارد وصفةً لا يملكها ناسيًا كيف يصنع وصفته الخاصة.
وأما شرشبيل فكان يطارد السنافر بالعناد ذاته أملاً في إمساك أحدهم؛ فاستحالت أيامه مطاردات طويلة لا تنتهي. كان شرشبيل يرى الحياة من ثقف كيف يحيك الخطط ويصنع المقالب والفخاخ.
في المحصلة، لم يكن الاثنان يفتقران للإمكانيات، لكنهم لم يسألوا أنفسهم مرةً ماذا أستطيع أن أبتكر؟
يعلمنا هذا الكرتون أن البعض يغفل أحيانًا عن الرضا، فالرضا ليس أن يتوقف الإنسان عن الطموح، ولا أن يقتنع بالقليل خوفًا من المحاولة، بل أن يعرف قيمة ما يمتلكه ويعرف كيف يذهب إلى ما يريده دون تزعزع. أن يجتهد دون أن يحول الاجتهاد الى جوع لا يشبعه الفشل، أن يحلم دون أن يكره واقعه. كلما ضاقت أحلام الفتى ضاقت معه روحه.
والرضا ليس حالة يصل إليها الإنسان ثم تستقر داخلها ففي حياتنا ألف سبب يدعوه لعدم الرضا، معركة متجددة يوميًا تضعه في المقارنة مع فلان، وسببًا جديدًا لتأجيل سعادته حتى يحصل على الكمال.
نظن احيانًا أن الرضا يأتي بتحسن الأوضاع، لكن الأوضاع في الحقيقة لا تتوقف عن التغير، في المرحلة الابتدائية نظن أنه بنهايتها سوف نشعر بالراحة، ثم نتذكر هذا الشعور ذاته مع نهاية كل مرحلة في حياتنا، وبين مرحلةٍ وأخرى قد ينسى الانسان أن الحياة أجدر بأن تُعاش.
الرضا بمفهوم أعقد هو أن تتأقلم والعيش بالمتاح، ليس شعورًا بالامتلاء بل قدرة على التعايش مع الفراغات الصغيرة التي تتركها الحياة بقلوبنا ندبات صغيرة، ربما لا يكون الرضا أن تنظر لما لا تملك بينما هو الاستمتاع بما تملك، فالحياة بارعة في محاولة اقناعنا أن السعادة تقف في المحطة التالية، بينما يهمس الرضا بهدوء ربما جزء منها يجلس بجانبك وأنت لا تنتبه.
وبينما كنت أتأمل في شمشون وشرشبيل، أدركت أن المشكلة لم تكن في فشلهما، بل في عجزهما عن التوقف عن الركض والنظر إلى ما بين أيديهما كما الإنسان ولأن المشكلة أنه لا يتعلم الرضا بسهولة، لأنه الكائن الوحيد الذين يقف في حديقته مشغولاً بحدائق الآخرين، ولهذا أقف كثيرًا لأتعلم الرضا من الكائنات التي لا تتكلم لذلك أحب الأشجار، لا ترفض الأرض التي وضعت فيها بذرتها ولا تقارن طولها بأحد فتجد شجرة قصيرة مثمرة بينما آخرى طويلة زينة، ولا تؤجل وجودها حتى يأتي فصل أفضل، تواجه ما يأتيها من شمس ورياح وأمطار ثم تواصل نموها بهدوء غير محدثة أي جلبة، حتما تعرف سرًا لا نعرفه نحن بنو البشر على رغم كل ما نمتلكه من عقلٍ وحكمةٍ.
لذا يشغلني سؤال دائما.. ماذا لو كنتُ شجرة؟!
أُحب الأشجار العملاقة، فكرة أن تقف بجوار جذور مر عليها آلاف السنين تدغدغ كياني، أفكر طويلاً بماذا مرّت تلك الشجرة حتى أصبحت هكذا صلبة؟
أعتقد أني مثلها دعنا نربط أحزمة الأمان ونتصور..
شُجيرة صغيرة تصرخ لأن حبات المطر كانت أكثر مما تحتمله أوراقها الصغيرة، ترتجف قليلاً وتميل أحيانًا أخرى، وربما تظن للوهلةٍ أنها لن تستطيع الوقوف مرةٍ أخرى. لكن الأرض كانت عطوفة تخبرها أن هذا سيمضي ستكونين بخير اصمدي قليلاً فحسب.
مرّ عليها فصول كثيرة أختبرت فيها، فلن يكون عُمرك كُله ربيعًا ستتناوب عليك فصوله الأربعة، صيف علمها الصبر بلفحة حرارته القاسية، وليال باردة تشعرك بالوحدة، وقد تتساقط بعض أحلامك كما تتساقط الأوراق الذابلة، وربيعٌ كان يكافئها بأوراقٍ جديدة كل مرة.
شيئاً فشيئاً بدأت تعتاد الأمر، لم تعد تهاب الريح، وصارت الأمطار تغسل عنها تعبها، وكبر الجذع وامتدت الجذور أعمق، وصارت الطيور تختارها بيتًا مؤقتًا،والعابرون يستريحون قليلًا في ظلها.
فعندما أضع يدي عليها احتضنها أحياناً أرى قصة صبر طويلة وهدوءًا تعلم أنه يأتي بعد كل عاصفة.
وهكذا يبقى شمشون وشرشبيل صورتين متشابهتين لشخص يعتقد أنه أضاع سعادته هناك بينما كانت تنمو كشجرة عتيقة أقرب بكثير مما يتخيل.



