أهلاً ومرحبًا..
معكم أمل بن صبر الطويل، أدعى في كثير من الأحيان بـ”يمكن تتحسن الأمور“ .. بشرب شاي .. تتفضل؟!
لدي من العمر ما يكفي لأبتسم وأجمع شتات نفسي ..
ولدت مع أول تنهيدة تفاؤل بعد مليون خيبة ..
أحب الجلوس على نوافذ الأيام الصعبة، أراقب الناس وهم يظنون أن كل شيء انتهى، ثم ألوح لهم من بعيد وأردد” اللي جاي أحلى”.
أجمع العبارات المشجعة كما يجمع البعض الطوابع وأضعها في جيبي مع قائمة طويلة من المحاولات التي لم تنجح بعد.
أحمل معي حقيبة جلدية بنية اللون لا أضع بداخلها أدوات مكتبية وأوراق، بل أضع بها بوصلة تُشير دائمًا للجانب الأفضل، وعلبة صغيرة تحتوي على غبار الأحلام أنثره فوق الأفكار السوداوية، وقلمًا لا يكتب إلا وعودًا بالاستمرار.
أمتلك هواية غريبة نوعًا ما، وهي البحث عن الضوء في الأماكن التي لا ينظر إليها أحد. أحيانًا أجده في ابتسامة عابرة، أو نجاح صغير لا يلفت نظر أحد، أو حتى في كوب شاي وقت الغروب بعد يومٍ مرهق.بالنسبة لي، هذه الأشياء ليست تفاصيل بل أنها أدلة إدانة على أن الحياة مازالت تحاول مصالحتنا.
أمتلك مكتبًا صغيرًا آخر شارع الصبر، لا يحمل لافتة واضحة لأن معظم الزوار يصلون إليه بالصدفة.
على مكتبي تتراكم الأحلام المؤجلة، والمحاولات الفاشلة، والخطط التي قيل لها “مستحيييل”.
ولأن الكمال غاية لا تُدرك؛ لدي بعض العيوب المهنية. فأنا أحيانًا أبالغ في حسن الظن وأراهن على نهايات سعيدة حتى عندما تبدو القصة وكأنها كُتبت لإحباطي، كما أن الطبيب قد أخبرني ذات مرة أنني أعاني من حساسية مفرطة تجاه عبارة “مفيش فايدة” وأشعر برغبة فورية في اثبات العكس.
أما أعدائي فهم كثر، أشهرهم السيد يأس بن استسلام، رجل أنيق يرتدي الرمادي غالبًا من أصحاب القبعات المخططة، يجيد إقناع الناس بأن المحاولة مضيعة للوقت.
أحب الناس على الرغم من خذلانهم المتكرر لي، يتركونني كثيرًا في منتصف الطريق، ثم يعودون بعد شهور أو سنوات يبحثون عني تحت كومات الورق المتكومة في أحد أركان الغرفة؛ فأستقبلهم وكأنهم لم يغادروا أبدًا.
أحب جمع البدايات الجديدة؛ أحتفظ بأول خطوة بعد التردد، وأول صفحة بعد تمزيق عشرات المسودات، وأول تسديدة صائبة بعد سلسلة طويلة من الإخفاقات. كما أمارس تصليح الأمنيات المكسورة في أوقات فراغي، أجلس بهدوء وأعيد لصق الأحلام التي تصدعت بفعل الخيبات، وأزيل عنها غبار الأيام حتى تبدو صالحة للحلم من جديد.
أعترف أن لدي بعض المخاوف، أخاف من الأشخاص الذين يتخلون عن أنفسهم، قبل أن تتخلى عنهم الحياة. وأخشى أيضًا أن يعتاد الناس الظلام لدرجة تجعلهم ينسون النور.
أحتفظ في درج مكتبي السفلي بصندوق خشبي قديم لا أسمح لأحد بفتحه. بداخله أشياء لا أحب أن يعرفها عني أحد، أشياء أنظر إليها لأكمل المسير لأتذكر دائمًا أن بعض القصص لا تنتهي لأنها فشلت بل لأنها تركت قبل أن تكتمل.
ومن العادات التي لم أستطع التخلص منها أنني أطرق الأبواب المغلقة من حين إلى آخر، لا أفعل ذلك بدافع الفضول، لكن تعلمت أن الأبواب المغلقة تحتاج لدفعة صغيرة تشعرها أنها مازلت حية.
في أوقات الفراغ، أحب الجلوس فوق أسطح البيوت وقت الغروب. أراقب الشمس وهي تختفي ببطء دون أن تشعر بالذعر، رغم أنها تعرف أنها ستغيب لساعات طويلة. كل مساء تمنحني درسًا جديدًا في الثقة؛ فالأشياء الجميلة لا تخاف من الاختفاء المؤقت فهي تعرف طريق العودة مجددًا
وقد يتسائل البعض: ما الذي أفعله أغلب الوقت؟
أنا متخصص في مدّ المعنويات، وترميم الأرواح، ونفخ العزائم المتعبة، أحب ألوّن كوارث الحياة بلمسات وردية وأخطط لمشاريع عظيمة بدون ضمانات. أظهر فجأة بنظارتي الشمسية وسط الغيوم، أهمس بكلمات تشجيع رغم الأبواب المغلقة، وغالبًا أُتهم بتوريط الناس في أحلام أكبر من الواقع!
لدي صديقي وهو قطة يدعى “تفاؤل“ بتنط من فوق كل إحباط، طبعها مثلي تمامًا عنيدة، بترجع تتبسم حتى بعد ٧ أرواح خابت!
لديها مهارات عديدة منها مطاردة السحب السوداء، النوم فوق الأحلام المؤجلة، وخربشة اليأس وقت الزهق، بتفهم لغة العيون الحزينة، وبترد عليهم بغمزة أملية.
أحيانًا أسأل نفسي “ماذا لو لم أكن أنا؟“ ماذا لو كنت شخصًا عاديًا لا يلتفت كثيرًا للنجاة، ولا يرى في الانكسار مادة قابلة لإعادة التدوير؟ لكن الفكرة نفسها تبدو غريبة، كأنني أطلب من الموج أن يغادر البحر.
في ليالي القلق حين ينام الجميع وتستيقظ الأفكار على نوبات الثرثرة المتكررة، أفتح نافذة غرفتي أجعل الهواء يتخللني ويفاوضني. الهواء دائمًا أهدأ من البشر، لا يقطع حديثك ولا يشكك في شعورك. فقط يمر بك ويجعلك أقل اختناقًا.
“ولأن القرش الأبيض ينفع في اليوم البمبي “أكتب لنفسي رسائل، أكتب لها عن الأيام التي نجت فيها رغم أنها لم تبدو قابلة للنجاة، وأخبرها أنني مازلت أحاول من أجلها.
علاقتي بالوقت معقدة؛ لا أكرهه لكني لم أعد أصدقه، أشعر أنه يمر بسرعة على الأشياء الجميلة وببطء شديد على الأشياء الثقيلة، كأنه منحاز درن إعلان رسمي.
لذلك تعلمت منه أن أسرق بعض اللحظات، بعض من الطمأنينة ونصف ضحكة وكوب شاي إضافي ضد منطق الإنتاجية.
وهكذا ننجو لا لأن الحياة خفيفة، بل لأننا كلما سقطنا تركنا في الأرض أثرًا يكفي ليقودنا للوقوف من جديد.




جميل جدا ما شاء الله تبارك الله. حلو نقرأ نصوص عن الأمل والمحاولة بعد الاخفاقات المتكررة