بالنسبة لفتاة عاشت في عشر بيوت أو أماكن مختلفة إلى الأن، أجد نفسي قادرة —إلى حد ما— على نقل خبرتي مع اللا-أماكن. وفي هذه المقالة أريد تفكيك معنى البيت بأكثر الطرق هدوءًا وبعدًا عن الدراما -وإن كنتُ شخصيًا أحبها- ولكن ليس هذا موضوعنا.
«إذا كان المكان يُعرَّف بالعلاقات والذاكرة والهوية، فإن اللا-مكان لا يُعرَّف بشيء من ذلك.»
بتصرف —مارك أوجيه
يصنف أوجيه، الكاتب الفرنسي، في كتابه: اللا-أماكن المساحات إلى نوعين:
المكان
واللا-مكان
ويقول أن عالمنا المعاصر لا ينتج أماكن بقدر ما ينتج مساحات للعبور
لا دقيقة كده أنت بتقول إيه؟! ؛)
اللامكان عند أوجيه هو كل مساحة لا تنشأ فيها علاقة مع الآخر ولا تتكوّن فيها ذاكرة. هو مكان استهلاكي، مؤقت، ومصمم لغرض واحد. فاللا-أماكن هي كل المساحات الفارغة وغير الملموسة في ذاكرتنا مثل المطارات ،قاعات الإنتظار فى أي بنك أو عيادة ،المولات أو الفنادق. وقت مهدر فى مساحات تم إعدادها لتقضية الوقت فحسب.
وعند هذه النقطة أتساءل: كم عدد اللا-أماكن التي عشت بها ،مقابل الأماكن الحقيقية؟ وهل تعتبر الشقق المعلبة -ثلاث غرف مع صالة مطبخ وحمام ـ بيت حقيقي؟ دعك من أن البيت بناسه وأهله و ان الجنة من غير ناس ما تنداس ـوهو شئ عبثي للغاية.
ولكن ألا يحق لي أن أحفظ ذاكرتي و هويتي من خلال جدران ثابتة أعرفها وتعرفني؟ أو جيران يكبرون معي، ربما نتخاصم معهم أحيانا ثم نقدم لهم بعض الحلويات الرمضانية لحل كل الخلافات ونبدأ في حلقة جديدة من خذ وهات بين جيران نعرف طباعهم حتي لو كانت طباعًا غريبة. ولكن لا شيء من ذلك يحدث فى الهجرة من شقة لشقة. لا وقت لصناعة العلاقات ولا وقت للمناوشات ولا الجدالات
نعود لمارك أوجيه بسؤال جديد هذه المرة
س سؤال: ماهو المكان الأنثروبولوجي؟
ج: المكان هو ما يسمح للذاكرة بأن تستقر، وأن تُعاد روايتها.
بس كده ؟ اه اومال أنت فاكر إيه..
أتذكر كل الغرف التي نمت تحت سطحها تتشابه فى تكوينها المعماري كلها، بلكونة مع سرير و مكتب صغير، غرفة صغيرة تعني عالماً بالنسبة لي. ثم ما تلبث أن تعبث الأحلام بالواقع؛ فأجدني أتذكر أي غرفة من كل الغرف التي عشت بها وصلت للثانوية، وأي غرفة أصبت بالإكتئاب فيها، وأي واحدة منهم نمت فيها لأيام بدون حراك بعد عملية جراحية.
تحاول أن تؤرخ لحياتك بعدد الغرف التي سكنت بها ..
تحاول أن تتمسك بالذاكرة لكي لا تنزلق للهاوية .. هاوية النسيان
ولكن ما يجعل تلك الغرف أو الشقق مجرد لا أماكن تحقق غرضها الرئيسي والأساسي فقط وهو حفظ البدن تحت سقف ما .. هو في الحقيقة الفرق بين المكان واللامكان.
في المكان: هناك ذاكرة وأحلام وخطط للمستقبل.
في المكان ترى ذاتك الحقيقية، وتتعرّى أمام نفسك بلا خجل أو خوف، تعرف بأنك محمي و آمن من النسيان، تعرف بأنك محمي وآمن من طمس الزمان. تعرف بأنك ستعود إليه في نهاية الأمر. وتعرف بأن تلك البقعة لك بالمعني الكبير، بقعة ثابتة في هذا العالم المتسارع والمتجدد.
المكان هو أية بقعة تجد فيها حرية التصرّف. وبما أننا نتكلم عن البيوت؛ إذًا البيت هو المكان صاحب الذاكرة:
الثقب في الجدار، وراء صورة جدك، وأثر جلوس أمك المستمر على أريكة الصالون.
الألوان الباهتة والشخبطة التي نعرف منها بأن أطفالا مرّوا من هنا، في البيت هناك صورة غير مثالية، غير مكتملة، ولكنها حقيقية، تعبّر عنك وعن الجذور التي أتيت منها.
في اللا-مكان،
حيث البيوت المستأجرة أو سكن الطلبة والمغتربين، يأتي المالك ليضع بعض القواعد التي ستحدد من امتلاكك للمساحة وتقزيمها. من ضمنها:
لا تستطيع بأن تمتلك سطح المنزل أو تتحكم به بأي شكل من الأشكال؛ فتسقط منك ذاكرة خاصة بالملكية
ثم يمنع عنك أي عملية كسر أو تلف للمساحة التي تسكنها؛ فتسقط معك ذاكرة طفولة من خصائصها تخريب الأشياء
وأحياناً لا يسمح لك بتغيير أية ديكورات أو ألوان الجدران؛ تخشي أن تبدّل موضع الأشياء، كل شيء جاهز ومرتب وجديد لإستهلاكك، وكل شئ سيعاد ترميمه بعد مغادرتك؛ لأنك مستهلك ولست مالكًا للشيء.
وفي هذا لا يوجد توبيخ أو تقريع، بل توصيف صادق لعلاقة هشّة مع المكان. البيت لا يصبح مكانًا لأنه مأهول ”بل لأنه مُتذكَّر”.
ما الذي يمكنني أن أقدّمه لك؟
نحن نعيش في عالم صُمم للا-أماكن، عالم من الصعب فيه امتلاك بيت لعقد من الزمن.
ولكن أعزي نفسي بإن لي مكان ما .. مكان حقيقي يعرفني وأعرفه سأعيش به يوماً ما.
البيت الحقيقي ليس مجرد مساحة مملوكة باسمك، ولكنه ذاكرتك، وهي ما لا تستطيع الحداثة سلبها منك.
اصنع ذكرياتي الخاصة في كل بيت أعيش فيه ..
أتحايل على الملكية، وازرع نبتات لتعيش من بعدي ..
اكتب أسمي في مكان لن يصل إليه أحد ..
اعلق صوراً اعتبرها مخطط زمني للحياة التي عشتها حتي لا تقع مني ..
أسميه بيتنا وأحب كل الشوارع التي سكنت فيها ..
أتمشي فيها من وقت لآخر وأتذكر نسخًا مني في كل مكان ..
اقرأ الفاتحة على ما مات بداخلي و أجدد الأمل فى نسخًا جديدة ..
-انتهى-



