بخاف عليك..وبخاف تنساني !
أخشى النسيان. أخشاه كالرجل الأعمى الذي يخاف الظلام
جون جرين من رواية the fault in our stars
لا أحب المقدمات الطويلة، وأعتقد أن هذا أحد أسباب قراءتي لعدد لا بأس به من الكتب؛ فأنا أتخطى المقدمات أيًا كان كاتبها. لذلك، إن احتجتني ستجدني في صلب الموضوع مباشرة.
مبدئيًا، كم مرة شعرت بالخوف من أن تُنسى؟
ليس بالضرورة أن تجيب إجابة مباشرة أو فلسفية. يمكنك استنتاج السؤال الكبير من الأسئلة الصغيرة التالية:
كم مرة شعرت بالانزعاج لأنك أبلغت أهلك أو أصدقاءك أن يوقظوك في وقت محدد، لكنهم نسوك؟
وكم مرة شعرت بالضيق لأن صديقًا لك، بعد رحلة جميلة، نشر كل الصور لكنه نسي أن ينشر صورتك معهم؟
كم مرة انزعجت؟ كم مرة شعرت بتلك النغزة؟
نغزة أن تُنسى.
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه. منذ بدايات تطور الحضارات، ارتبط وجود الإنسان بما يفعله لكي لا يُنسى، وبما سيقوله الناس عنه الآن، وبما سيقولونه بعد موته. يشعر الإنسان أن عدم تذكره يعني أنه بلا معنى. ويتولد هذا الخوف أكثر في الطفولة، خاصة إذا واجه الإهمال العاطفي من الأهل، أو لم يشعر بالدعم الكافي، أو تعرض لانفصال الوالدين.
ومن وجهة نظري الشخصية، فإن مواقع التواصل الاجتماعي هي أكبر عامل يولّد هذا الشعور بأنك منسي، أو أنك ستُنسى، مع الشعور بالخوف من فوات الأشياء (FOMO - Fear of Missing Out).
ما علاقة الخوف من فوات شيء بالخوف من النسيان؟ أنا أقولك.
عندما تشعر أنك تفوت فرصة التواجد مع أصدقائك — الذين سمحت لهم ظروفهم (العمل أو الدراسة أو الوقت المتاح) بالقيام بتجربة جديدة لم تتمكن أنت من عيشها معهم — يراودك شعور بأن الحياة تسير على ما يرام بدونك ومع تكرار المرات، يعتادون على ذلك، بل قد يتوقفون حتى عن دعوتك. فيصبح غيابك طبيعيًا، وتجد نفسك خارج الصورة.
هذا يولد قلقًا من تفويت تجربة ممتعة ذات مكاسب كثيرة، وفي الوقت نفسه يجعلك تركز على أن جزءًا كبيرًا من ذكرياتهم ولحظاتهم لم تعد جزء منه . ومع الوقت، تصبح غير موجود في قصصهم اللطيفة.
فتجد نفسك تتحقق من هاتفك كل خمس دقائق، ويصعب عليك الاستمتاع بلحظاتك الحالية لأن عقلك مشغول بما يفوتك في مكان وزمان آخر. تنشر باستمرار، وترد على الرسائل بسرعة، مقتنعًا في قرارة نفسك أن كلما تواجدت أكثر، شعرت بوجودك أكثر.
لكن ليس من العدل أن يربط الإنسان قيمته بمدى تذكر الآخرين له.
فبينما يدفعنا FOMO إلى البقاء متصلين دائمًا خوفًا من تفويت تجربة ممتعة، فإنه في الوقت نفسه يغذي القلق الأعمق: أن يصبح غيابنا عن هذه التجارب سببًا في نسيان الآخرين لنا مع مرور الوقت.
في زمننا هذا، اجتمع الخوف من النسيان مع الخوف من أن تُنسى أنت أيضًا. وأنا دائمًا أقف طويلًا أمام قصص أشخاص مثل كافكا وفان جوخ، اللذين عاشا صراعًا مريرًا في سبيل الخلود الفني، ومع ذلك ماتا مقتنعين تمامًا بأنهما لن يُتذكرا إلى الأبد، حتى من أقرب الناس.
كافكا، على سبيل المثال، أوصى صديقه ماكس برود وصية واضحة: «احرق رواياتي». كان يرى أنه لو كان فنه يستحق الخلود، لكان قد اشتهر في حياته. لكن صديقه خالف الوصية بعد وفاته، وبدأ بنشر رواياته التي أصبحت حتى اليوم مدرسة خاصة في كتابة الرواية، خاصة الرواية العبثية.
أما فنسنت فان جوخ، فقد رسم أكثر من 2100 لوحة في حياته، وباع منها لوحة واحدة فقط. انتحر في السابعة والثلاثين من عمره. وبعد موته، قامت أخته بنشر أعماله التي تباع الآن بملايين الدولارات، وصار اسمه معروفًا لكل إنسان.
يختلف رأي كل منا في استقبال هذه القصص، لكن رأيي الشخصي أن الأثر الحقيقي يأتي مما تتركه في العالم، سواء رأيته بعينك أم رآه العالم بعد موتك. هنا تكمن قيمتك الحقيقية.
وجودك في ذكريات البعض ووجودهم في ذكرياتك أيضا كافٍ لئلا تشعر أنك منسي تماما وفي زمننا هذا قليلا جدا ما يتذكر الإنسان ما يجب عليه تذكره أصلا فكفايتك بنفسك واهتماماتك وجعل ما تريد أن تفعله وما تحبه فعلا صوب عينك علاج فعال لئلا تهتم بأن يتذكرك الآخرون وعلى الأمل الآخر هو ما سيجعل الجميع يتذكرك قرأت مرة جملة استوقفتني دا وهي ( مش كل ما نزرع وردة تقطفها وتديها لحد عشان تثبتله انك عندك بستان ) ببساطة لأن قطفك المستمر لورودك سيهدد وجود البستان أصلا
قد يكون الخوف من النسيان في أصله أمرًا محيرًا ومؤلمًا، لكن الإسلام وجّه هذا الخوف بعيدًا عن المعنى السطحي، وجعله ليس نهاية الأمور، بل بداية ودافعًا قويًا لترك أثر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له». (رواه مسلم).
انظر وتأمل في هذا العلاج الفعلي للخوف من أن تُنسى. سبحان الله، يعترف الإسلام بأن خوف الإنسان من الفناء والنسيان أمر طبيعي، لكنه يوجّهه نحو ترك الأثر الحقيقي.
فاللهم اجعلنا ممن انقطع عمله إلا من ثلاث، ولا تجعلنا ممن نسوا الله فنسيهم، ولا تجعلنا ممن قلت فيهم:
{وَكَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}.
نسيان الله يؤدي إلى نسيان الله للعبد (أي تركه في العذاب)، أما ذكر الله والعمل الصالح فيجعل الله يذكرك بخير، والناس تدعو لك حتى بعد موتك.
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} — فالله يكتب الآثار ويبقيها محفوظة.
عندما هاجر المهاجرون إلى المدينة المنورة، استنكروا ماءها لأنه كان مالحًا بعض الشيء. وكانت بئر رومة من أعذب آبار المدينة، لكنها كانت ملكًا لرجل من بني غفار (يقال إنه يهودي)، وكان يبيع الماء بثمن غالٍ (ملئ اليد من الطعام).
فدعا النبي ﷺ الصحابة إلى شرائها وجعلها للمسلمين، ووعد من يشتريها بعين في الجنة. رفض صاحبها بيعها كاملة أولاً، فاشترى عثمان بن عفان رضي الله عنه نصفها باثني عشر ألف درهم وجعله للمسلمين، واتفق معه على أن يومًا يكون لعثمان ويومًا لصاحب البئر.
في يوم عثمان، كان المسلمون يستقون ما يكفيهم ليومين كاملين مجانًا. فرأى صاحب النصف الآخر أن بئره أصبحت غير مربحة، فقال لعثمان: «أفسدتَ عليَّ بئري». فاشترى عثمان النصف الآخر، وجعل البئر كلها وقفًا للمسلمين مجانًا.
والآن، وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، ما زالت مياهها تروي الظمأ، وتُذكر اسمه، دليلاً حيًا على أن الأثر الصالح يحمي من النسيان الكامل، ويجعل الإنسان خالدًا في ذاكرة الناس وميزان الله.
تحت إشراف الهيئة العامة للأوقاف في المملكة العربية السعودية، ما زال الوقف قائمًا. وتُستخدم إيرادات المزرعة (من التمور والزراعة) في خدمة المسجد النبوي الشريف وأعمال البر والإحسان للفقراء والمحتاجين.
هذا يعني أن كل قطرة ماء شربها مسلم منذ ذلك اليوم، وكل شجرة سقيت، وكل درهم أُنفق من ريع الوقف… كلها تُكتب في ميزان حسنات عثمان رضي الله عنه، وتستمر إلى يوم القيامة.
قد يكون الإنسان على قيد الحياة ولكنه منسي، وقد يحيا الإنسان حياة حقيقية عندما يتذكر الآخرون أثره في حياتهم، وحتى بعد موته.







مقاله جميله جدا بارك الله فيك